توزيع المساحات وتطويع الأحجام في «حاضرة» زها حديد

حجم الخط
1

كأحد أهم أعمدة التيار التفكيكي منذ انطلاقتها المعمارية في بداية تسعينيات القرن الماضي (1993) تذهب المصممة المعاصرة زها حديد بعيدا في توجهاتها الفنية والهندسية لتتجاوز الأبعاد الحداثية. ظهرت هذه التجليات بوضوح خاصة في بدايات مشوارها الفني بأعمال تشكيلية كانت بمثابة فضاء تجريبي، عرضت فيه رؤيتها وشكّلت خياراتها عبر تفكيك عدد من الأحجام والأشكال والتصاميم حولتها في مراحل متقدمة إلى منشآت عالمية رائدة وحساسة.
رأت هذه التصاميم النور كإنجازات عملاقة ومجددة غير مسبوقة في عدد من دول العالم، باعتماد المنحى المستقبلي القياسي الذي ارتكز على إعادة توزيع الأحجام وتفكيك المساحات بإنجاز قياسات جمالية ثورية مبالغة أحيانا، ما جعل جرأة هذه الأعمال محل اهتمام العالم والنقاد وأوصل المصمّمة والفنّانة زها إلى تدرج ريادي كوني، أهلها لتكون أول سيدة تحصل في 2004 على جائزة بريتسكر العالمية الكبرى التي تعادل جائزة نوبل إضافة لعدد آخر من الجوائز، آخرها الميدالية الذهبية الملكية في الهندسة المعمارية التي حصلت عليها سنة وفاتها في 2016.
هذا الاختلاف عن المدارس السابقة واللاحقة، سواء في العالم الغربي (أوروبا وأمريكا) أو العالم الشرقي (الصين واليابان وآسيا الوسطى) أدى إلى نجاح ساحق رفع الراية الفنيّة الهندسية العربية عاليا أمام عدد من المدارس التقليدية المتبجحة. اهتمام العالم الغربي بمدرسة زها حديد الفنيّة الهندسيّة تراوح بين التجاهل في البدايات ثم التهميش والتغريب في خضم تجربتها وصولا إلى نسخ واقتباس العديد من ملامحها التصميميّة الظاهرة طيلة فترات أوجها، كسمات فنية علمية قياسية تؤسس لنهج تفكيكي معياري تميزت به دون غيرها. من تبعات نجاحاتها وإشعاعها على العالم اقتباس نموذجها الاستشرافي المستقبلي من طرف بعض المصممين والهندسيين، على غرار مبنى المجمع الموسيقي «أوركسترا فيلهارموني « في باريس، الذي صممه الهندسي الفرنسي جون نوفال منذ 2015. وهو من بين أعماله الأخيرة التي نحسبها من أول وهلة من أعمال الفنانة العراقية لما أظهره الفرنسي من تغييرات جذرية معززة باقتباسات مخالفة لما قدمه طيلة تجربته في التصميم والهندسة.
هذه الحالة الهندسيّة الرياديّة قادت العالم كلية إلى وجهة إنشائيّة سياديّة مجدّدة تميزت بتأسيس أشكال هندسية قياسية وليدة تجاوزت مفهوم التصاميم المعروفة. تم تأكيد هذا التمشي قبل الإنجاز البنائي بإنجاز نموذجي لمجسمات، عبر إعداد عدد من الرسومات والتصميمات اللونية التشكيلية. من ذلك لوحة «حاضرة» التي تم إنجازها سنة 1988، وعرضت خصيصا بمناسبة معرض المدينة في معهد الفن المعاصر في لندن. وهو عمل يختزل العناصر الكبرى للمدرسة الزهائية التطوريّة القياديّة، ويلمح لألوان تأثيراتها التشكيلية السابقة ولمساراتها البنائية اللاحقة. يلحظ فيه باهتمام دور المدرسة الروسية والشرقية الفاعل في بلورة جزء من الشخصية الفنية والهندسية السيادية الأصلية للعراقية زها حديد، بينما الجزء الأعظم من نظرتها تم تكريسه تبعا لقناعات وقدرات خاصة دونما تأثير يذكر بالمدارس الغربية المعروفة، على الرغم من اتمام دراستها العليا في بريطانيا.

زها حديد

مغزى تحرير الفضاءات التشكيلية:

إذا ما نظرنا إلى مستوى التألق العلمي (الرياضيات) لطالبة عراقية في جامعة بيروت في السبعينيات، فإننا نتوقع مقدرتها العالية على تغيير المبادئ الفنية المعهودة، وإعادة الطرح اللوني والشكلي على حد السواء، عبر تأسيس مشاريع فنية وتصميمات بنائية ثوريّة بواسطة تحرير وتحوير الفضاءات التشكيلية وإدماج خطوط هندسية ذاتية متجذرة عملت على توسيع المساحات الضيقة وتركيب الأحجام المحدبة في تماش لا يتصل بالمدارس الغربية ولا العربيّة وإنما ينبع من شخصيتها المتميزة التي أنهت مشوارها الأكاديمي بشهادة هندسية من معهد الجمعية المعمارية في بريطانيا. ألحقتها بتأسيس وكالة دراسات هندسية منذ 1980 تحمل – دون شك – بصمتها وتُنفذ مخططاتها السيادية التي استلهمتها من التأثيرات المعاصرة لما بعد الحرب العالمية الثانية، منها ما أنجبته المدرسة التشكيليّة الروسية قبل هجرة أغلب فنانيها إلى العالم الغربي. ولعل تفاصيل «حاضرة» تذكرنا بثلاث شخصيات فنية روسية عالمية حداثية، قدمت الكثير لتعزيز الفن الحديث وبلورة المعاصر في شكله الحالي، وساهمت في تأسيس النزعة التجريبية مع الموجة الطلائعية للبناء الجمالي الغربي، ومثلت بمثابة عنصر دفع حدد وجهة أعمالها، من بين هؤلاء نجد أساسا:
– رائد الحركة السيادية الروسي كاسيمير مالفيتش الذي اعتمد قلب المفاهيم الجمالية بالاستقلالية التامة عن التأثير التقليدي أو الصُوري الواقعي والاعتماد الكامل على توافق البناء الهندسي مع البناء اللوني داخل مساحات كروماتيكية متباينة، وإدماج عناصر التكعيبية المستقبلية ذات الخصائص الحركية الحية. تحضر البعض من هذه العناصر جليا في الأعمال التشكيلية للمصممة السيادية زها حديد.
– خالق المدرسة التجريدية الروسي واسيلي كندنسكي. وهو مؤسس الفن التجريدي ومنظره في مؤلفه الأشكال الأوليّة للفنون الرسوميّة الذي صدر سنة 1926. عمل فيه على نظرية تآلف وتكامل الأحجام باعتماد العناصر الهندسية في تجاربه. فعمل على خلق مساحات موحدة ذات بناء تصويري حر تخلت عن عقدة الخلفية والشكل والشخص والحدود الموضوعية، حتى إننا عندما نطلع على عمله الرائد «تجريد، التركيبة 8» أمكننا اعتباره كمحطة أولية في ترتيب الكتل، وإعادة تنظيم القياسات لصياغة المسار اللاواقعي المتميز لزها. تتفاعل هذه المعطيات في ما بينها حتى قبل الاستلهام من تجارب الضوء (الألوان الأولية) والخامات (النتوءات).
– نيكولا دي ستال: تبرز قيمته بما أضافه لمدرسة باريس كفنان منتج حامل لتوجهات جديدة لم تكن مترسخة في البناء الغربي. من خلال التحولات الجذرية في المساحات والترابط بين غياب الشخوص والمشاهد مقابل حضور الألوان والأحجام. يتضح هذا التشكل بوضوح في سلسلة أعمال أفريبنتي التي أنجزها 1953 قبل وفاته بسنتين، ناهيك عن تفاصيل التشظي واللمعان، خاصة في استعمال اللون الأحمر الذي يرمز للتحدي والقوة والطاقة الإيجابية لتفعيل التغيير المتواصل في عمق الشخصية الفنية بإظهار الولع والعشق والشغف، ناهيك عن الدور المتميز في تثبيت وتأصيل عنفوان الضوء، وإدراج تجاور الفضاءات اللونية وتصفيف المساحات التجريدية باعتماد تقسيم الأحجام بطريقة ينسجم فيها الكبير مع الصغير والصغير مع الكبير، وتحول الطور الانتقالي من الصوري إلى الرمزي والفكري نلحظه مباشرة في ملامح تكون الشخصية الهندسية التي استلهمت الكثير من تشابك التفكيك القياسي عند الفنانة والهندسية زها حديد.

زها من حضيرة الألوان إلى حاضرة الإنشاءات:

بالمرور على تفصيل إحداثيات الخصائص المتميزة في التجربة التصميمية للفنانة، اتجهت المحصلة إلى تثبيت البناء النهائي في التصور الزهائي كفكرة مشروع لتطوير لندن، من خلال اكتمال الصورة التي جعلت الفكرة تتحول إلى مشروع، والبنائية المعهودة في الغرب والشرق تتحول إلى مساحات مفككة بقياسات مستقلة تتفاعل في ما بينها لخلق وظائف جديدة. في حين يرمز اللون الأحمر الطاغي في عمل «حاضرة» إلى صلابة الإرادة والرغبة الملحة في زعزعة ما تم استهلاكه واجتراره من بناء حديث يتم تقديمه بطرح جديد مختلف كليا، بينما تتناثر الأشكال المتفاوتة على مساحة أحادية لتأكيد التخلي عن الاهتمام بالأبعاد للوصول إلى دائرة تشكل فضاءات جديدة حاملة لمضامين إنشائية ثورية. فالعمل بدا عملاقا حتى في طور القماش والورق ( 239×548) حيث عبر طغيان الأحمر عن صرخة عالية تطلب الخروج من الأنساق السابقة التي تتميز بالكثافة والاختناق وهو ما نراه في الضوضاء والازدحام داخل العاصمة البريطانية، إلى مساحات جديدة متوازنة عبر المزج بين الوحدة التجريدية والوحدة الوظيفية لخلق الديناميكية والتشتت الجزئي للمساحات الهندسية. ما يميز هذه المدرسة علاوة على أنها تتميز بصبغة حداثية مستقبلية حركية غير مسبوقة تخلت فيها عن الأبعاد الأفقية والعمودية، وتركت الزوايا جانبا، هو البعد الجريء المدهش الذي لا يمت بصلة لا للشرق ولا للغرب، مثل اعتماد المنحنيات الحادة والخطوط الأفعوانية، مع حضور لافت لمساحات بنائية متدلية من الأعلى بجمالية مبالغة وكأنها تمهد لسقوط قريب.
ومع تحول هذه الأعمال القياسية الفنية إلى منجزات معمارية عملاقة في عدد من منشآت العالم الغربي والشرقي مثل الملاهي المائية في لندن (بريطانيا) والمركب التجاري السكني غالكسي سوهو في بكين (الصين) ومركز حيدر آلياف في باكو (أذربيجان) وبرج القفز الثلجي في إنسبروك (النمسا) تمت إضافة عناصر ثانوية مهمة في مسعى لتثبيت جمالية وأحادية الطابع التفكيكي القياسي الخارق للعادة، الذي بقي يدور في دائرة الهندسة الحديثة، ما جعل المنشأة مكلفة نسبيا، من ذلك نجد: الوحدات الضوئية المخفية بعناية خلف الأروقة والنتوءات الجدارية، الجدران البلورية الذكية والحاملة لوحدات توزيع وامتصاص الحرارة حسب الفصول، السقف المعدني المثبت بممرات حديدية ملتوية، حضور الخاصية الحضرية في الأشكال المخروطية، اعتماد الأقواس والفضاءات المتصلة ما يجعل المساحات تتجاور والأدوار تتكامل لتثمين البعد الحضري المستقبلي الذي يتفاعل مع محيطه.

كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول هيثم:

    رحمها الله. نكن لها في المغرب كامل المحبة و التقدير و الاحترام لأنها أبدعت لنا تحفة معمارية جميلة ورائعة على ضفاف نهر أبي رقراق هي مركب مسرح الرباط عاصمة المملكة المغربية.

اشترك في قائمتنا البريدية