تونس: من التفرد بالحكم إلى العنصرية!

حجم الخط
16

في الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة الاعتقالات ضد خصومه السياسيين، خرج الرئيس التونسي قيس سعيد بأقوال تتعلق، هذه المرة، بالمهاجرين الأفارقة الذين يعبرون البلاد باتجاه أوروبا.
اعتبر سعيد في تصريحه الجديد أن هناك «هدفا غير معلن» لموجات المهاجرين المتلاحقة وهو «اعتبار تونس دولة أفريقية فقط لا انتماء لها للأمتين العربية والإسلامية».
جرى حديث الرئيس التونسي ضمن اجتماع لـ«مجلس الأمن القومي» خصصه لمناقشة هذه المسألة، واتهم فيه «جحافل المهاجرين الأفارقة» (على حد قوله) بارتكاب أعمال عنف وجرائم و«ممارسات غير مقبولة».
لم يكتف سعيد بفضح «الهدف السري» لهجرة الأفارقة إلى تونس، واعتبار تدفق المهاجرين غير النظاميين «مجرم قانونا» بل إنه كشف أن ذلك كله يجري ضمن «مخطط إجرامي لتغيير التركيبة الديموغرافية لتونس» بدأ تنفيذه مطلع هذا القرن.
حسب الأرقام الرسمية فإن عدد الأفارقة الذين يتحدث عنهم سعيد يبلغ قرابة 21 ألف أفريقي من جنوب الصحراء الكبرى، وإذا تجاهلنا المضمون العنصري لكلام الرئيس الذي يميز فيه الأفارقة عن العرب والمسلمين، وناقشنا زعم تهديد «الأفرقة» فعلا لعروبة وإسلام تونس، فسنجد، بداية، بهتان هذه الفكرة علميا لأن هذا العدد لا يمكن أبدا أن يشكل تهديدا لبلد يعيش فيه 12 مليون نسمة (أي أن الأفارقة الموجودين يشكلون نسبة 0,17٪ فقط).
يمر هؤلاء المهاجرون غير النظاميين بتونس، كمعبر جغرافي اضطراري، وكنقطة انطلاق لقوارب الهجرة نحو أوروبا، وطموحهم، بالتأكيد، ليس الإقامة في بلد 12٪ من سكانه مهاجرون أيضا، توزعوا بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا (وحتى ليبيا).
بعد «الإجراءات الاستثنائية» التي اتخذها، في 25 تموز/يوليو 2021، والتي وضع صلاحيات الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية في يده، وأحكم قبضته على البلاد، أصبح سعيد مسؤولا بشكل مباشر عن الأزمة الاقتصادية المحتدمة في بلاده، وهو ما دفع أعدادا أكبر من التونسيين للجوء إلى قوارب الموت هربا من الخيارات المغلقة، وبحثا عن لقمة العيش والرزق والحرية.
على عكس مواطنيه الذين يحاولون الهرب بحثا عن حياة أفضل لهم ولأهاليهم، فإن سعيد يتهرب، عمليا، من تآكل شرعيته، ومن مسؤوليته عن المأزق السياسي المتعاظم، وعن تدهور أحوال بلاده، وتتمثل طريقة التهرب بتحميل مسؤولية الأزمات للحكومات السابقة عليه، وتهديد الأحزاب والنقابات بالجيش والأجهزة الأمنية، وبالعودة لأسطوانة الاتهامات المكرورة عن الإرهاب والتسفير والتمويل الخارجي الخ، وبالمبالغات اللغوية عن خوضه «حربا وطنية» ودفاعه عن «الدولة التونسية» وأخيرا، لا آخرا، عبر اكتشاف «مخطط إجرامي» لتوطين الأفارقة، واستهداف عروبة وإسلام تونس!
توثق منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان أشكال المعاناة القاسية التي يكابدها المهاجرون الأفارقة في تونس، ففوق أنهم يتشاركون نظراءهم التوانسة مخاطر الموت في البحر، فإن المهاجرين أولئك يعانون من عسف السلطات التي تحتجزهم، وإذا تمكن بعضهم من إيجاد عمل لسد نفقاتهم، فإن ذلك يكون مرفوقا بسوء المعاملة والتمييز في الأجر وحتى الإساءات العنصرية. والسؤال هنا، كيف يمكن لهؤلاء، بأعدادهم القليلة نسبيا، وبسوء ظروفهم، وبمعاناتهم مع خفر السواحل والشرطة والعنصرية، أن يشكلوا خطرا على «هوية» البلد، كما قال الرئيس؟
الخيط الناظم في كل هذا الموضوع هو أن الرئيس المتفرد بالحكم، لا ينفك يحتاج أشكالا من المخاوف لإلهاء الناس عن مشاكلهم المستحكمة، وتشتيت خصومه السياسيين، الذين لم يتمكنوا، حتى الآن، من إدراك أهمية تجميع صفوفهم، وتجاوز خلافاتهم الأيديولوجية، لمواجهة مخاطر الحكم المطلق، وإخراج البلاد من مأزقها السياسي والاقتصادي.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول علي الجزائري:

    كلام الرئيس صيحيح و هو مشكور عليه .. ( تونس في الطريق السليم ).. اللهم احفظ تونس و شعبها .

  2. يقول تحية من العاصمة:

    كل يوم يبقى في السلطة يعني الرجوع بتونس 10 سنوات الى الوراء. اذا لم يتغير الحال سيعيد تونس الى العصر الحجري.

  3. يقول Wahib Liwaj:

    تونس على الطريق الصحيح ومعها الجزاءر وإيران وفنزويلا وكوريا

  4. يقول المنصف بن حميدة:

    الأرقام الصحيحة هي ما فوق 700 الف الذين يضايقون الشعب

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية