تيار الوعي والسرد الروائي الحديث في «طرقات بمزاج سيئ»

حجم الخط
0

يعرف تيار الوعي في الأدب: ب»أنه ذلك الانسياب المتتابع والمتواصل للأفكار، كما يعبر عن سريانها باطنيا وذهنيا؛ حيث يصاحب ذلك العديد من التغييرات والتقلبات والتفاعلية، بالشكل المتواصل للأفكار داخل الذهن» وهو ما عبر عنه وليم جيمس (W.James) في تعريفه لذلك النمط السردي، المستند إلى السمت الانسيابي للنص، ومع الإقرار بأن هذا النمط لا يعد شكلا مستحدثا للسرد الروائي، وإنما وفقه، قدمت بعض الأعمال لفيرجينيا وولف، والبير كامو وفيودور دوستويفسكي وغيرهم؛ غير أنه يتميز بطبيعة خاصة، وكما أوجد جيمس ذلك المصطلح، فقد أوجد معه، دلالته المهمة عندما أقر بأنه يمثل: «جريان الذهن الذي يفترض فيه عدم الانتهاء والاستواء» حيث تكون الجمل فيه مفككة وغير مترابطة؛ لتحدث أثرها في تفجير النص، ومن ثَم تحقق ما يعرف بـ»مواجهة النص بالنص» والتساؤل عن التعارضات والتراتبيات؛ ليتم استنباط التناقضات وعدم الترابط؛ إذ أنه يتخذ من التفكيكية أسلوبا، يمكننا أن نتعرف إليه بوصفه «التيه الفعال والمنهجي» كما ذكر مؤسس النظرية في (هوامش Marges دريدا 1972).

لذا فالقراءة التراتبية لنصوص كتلك، يصعب معها متابعة العمل إلا بشيء من التتبع الحصيف؛ كي يصل القارئ إلى تكوين النص النهائي الخاص به عقب الانتهاء من العمل، أو ما يعرف باللقاء ما بين (النص المكتوب والنص المقروء)؛ حيث تندرج كل نقطة بالنص في أفق مرجعي أكثر تكثيفا؛ فلا يستطيع القارئ أن يمنحها صبغة سيميائية قاطعة لا التباس في رؤاها، أو أن يحررها من ربقة الدلالة الواحدة، حتى إننا نجد في هذا الطيف من الكتابات، النص القصصي وقد تعرض لا للتماهي فقط بل للطمس؛ وما ذلك إلا لصالح «ما هو فوق نصي، أي لصالح الإيهام الذي ينتجه المتلقي تحت إغراء النص». كما أنه يقسم وفق فرانسيس بار لا إلى مقاطع طويلة من الاستبطان فحسب؛ بل تسجيل الوعي الخام بما يحويه من مدركات وأحاسيس وأفكار وأحكام وتداعيات وذكريات. ومع كل ما سبق ينبغي لنا أن نذكر النزر اليسير عن (اللغة) في ذلك النمط السردي، التي يكون لزاما عليها أن تظل حاملة لمهمة توصيل التأثيرات في ما بين العالم الخارجي المحيط مع عالم الشخصيات الداخلي، ولا يتم ذلك إلا عبرها؛ إذ تلتزم بالمحافظة على هذا التداخل والامتزاج في ما بين هذين العالمين ومدى تأثير كل منهما على الآخر، وكذا تأثره به.

ومن أبرز الأمثلة الروائية الحديثة التي اتبعت ذلك النمط السردي، رواية «طرقات بمزاج سيئ» للروائي والشاعر المغربي مصطفى النفيسي. ومنذ العنوان الذي يحمل توترا في دلالته؛ حيث يتراوح ما بين السوء الذي تتسم الطرقات به، وهي جمع (طريق) أي الدرب المتسع والممتد، الذي يسمح بوجود التفرعات والشعاب على جانبيه، والمزاج وهو: الحالة العقلية الجسمية التي تتأرجح -كذلك- ما بين الإيجابية والسلبية، والمرح أو الكآبة، والأمل أو اليأس، لكن في الأحوال جميعها، فإن الكاتب بإيراده الكلمة الثالثة لهذا العنوان (سيىء) قطع علينا التفكير في تلك المراوحة التي تصاحب الاعتلال المزاجي المصاحب للسائر في الطريق بين إيجابية وسلبية؛ نتيجة ذكرياته وبواعثه النفسية، ووعورة تلك الطريق التي تشير بتفرعاتها وشعابها إلى التشتت والضياع ترميزا وتشبيها بعقبات الحياة، التي يكابدها الإنسان المعاصر.

ووفق بارت فإن المتلقي يقع عليه عبء البدء في تأويل النص، حتى قبل الشروع في قراءته، وهو ما نجح النفيسي فيه؛ بإيراد العنوان الذي أعقبته عدة عبارات مأثورة لإدواردو غاليانو وهاروكي موراكامي وفيرناندو بيساوا… وهي عبارات فلسفية عميقة – في مجملها – تنم عن الحاجز النفسي الذي يتكئ الإنسان المأزوم عليه في محاولة منه للتعبير عن مصاعب يعانيها؛ فيستخدم اللغة للتعبير عن حالة من التشرذم واللا انتماء. وبوجود العنوان وتلك الأقوال قد نتمكن من تكوين الفرضية العامة؛ التي لا تكتمل في صيرورتها النهائية بحال، وإن كانت تصرفنا إلى أن هناك شيئا ليس على ما يرام قد حدث، بيد أننا كي نتعرف إلى بواعثه أو أحداثه أو نتائجه على أقل تقدير، وبالتالي ننجز مهمة تأويل المضمون النهائي عقب قراءة الكلمة الأخيرة في النص الروائي في مجمله؛ وعندها فقط يتم تكوين القراءة الخاصة بالقارئ وتقدير مدى العطب الذي أصاب شخوص من ارتادوا تلك الطريق بأمزجتهم السيئة.

السرد

اعتمد الروائي التقنية السردية المباشرة، مع الحرص على إبراز المشاعر والرؤى والخيالات التي تعج بالحركة والتفاعل بين شخوصه واستخدام المونولوج الداخلي -أحيانا- مع دوره الرقابي على كل شخصية على حدة؛ ليمسك بزمام مهمة السرد، ويقبل الانسحاب – طواعية – من تلك المهمة في بعض المواضع مكتفيا باستخدام الأسلوب السريع سرديا، وتجاوز الكثير من أدوات الربط والعلاقات السببية، مع التكثيف في العبارات والتشبيهات، التي لا تخلو من شعرية وبعض المشاهد التصويرية التي تزيد من التشذر، لكنها في المجمل تمنح النص الملاءمة لذلك الأسلوب، أو تلك الطريق التي اختار صاحبها أن يسير فيها.

الشخصيات

تعمد النفيسي ألا يشير إليها بأسماء، مكتفيا بخلع صفات ووظائف لتحديدها، فالأبطال يشار إليهم بـ»الزوجة» «حارس المرمى» و»حارس العقار» هذه المساحات التي يتحرك الأبطال فيها، لم تقدم لنا بصورة مباشرة؛ بحيث تبدو وكأن خيوط اللعبة كلها بيد الراوي العليم، بل على العكس فإننا نجد اللغة هنا وقد أخذت على عاتقها مهمة التقديم والتوظيف؛ حيث يظهر التناسب بين طبيعة الوعي ونظريات علم النفس أو الفلسفات الحديثة، ليقدم العمل شخصية حارس المرمى وحارس العقار -على سبيل المثال- ثم يقوم بتقسيمهما إلى نموذجين أقرب إلى النموذج الانبساطي والنموذج الانطوائي وفق ليبدو… فبينما حارس المرمى والمفترض فيه المواجهة والإقدام، يتخاذل عن صد ضربات الجزاء ويترك الملعب متخليا بذلك عن دوره الأساسي في الحياة، الذي قرر أن يلعبه، فهو في تخبطه وتردده يشير إلى أزمة الإنسان الوجودية حول جدوى انسحابه تحت وطأة الضغوط، أو الاستمرار مرغما في أداء دور البطولة، حيث يقرر حارس المرمى أثناء مباراة مصيرية ترك الأمر برمته: «ارتبكت الغربان التي كانت تتكدس على المدرجات وأمعنت في نعيقها قبل أن يغمى على الحكم لأنه أجهد نفسه بتلك الصفارة المدسوسة دائما بين شفتيه كأنها سهم صغير على أهبة الانطلاق» يبدو المشهد المقترن بالتشبيه الفانتازي أنه يتجاوز فكرة خسارة مباراة لكرة القدم مهما تعاظمت أهميتها، لكنه الإسقاط المتعمد والمقصود من النفيسي؛ لتوضيح مدى الأزمة التي يعانيها البطل، وفي الوقت ذاته نجد أن حارس العقار والمتوقع منه أن يقبع منزويا في ركن من أركان المنزل القائم بحراسته؛ لكنه يتخذ المبادرة والتفاعل؛ فيقوم بالإبلاغ عن حالة اختفاء لأحد سكان العقار؛ لتتجلى المفارقة في ما بينهما وكأنهما قد تبادلا دوريهما فجأة، وإن كانت المهنة واحدة، وهي تلك التي تعتمد الترقب والحراسة واليقظة كأسلوب تحول إلى النمط السلوكي بالممارسة والاعتياد.

هذان النموذجان يتماثلان في ما بين الواقعي والمفترض، وكأن أحدهما بات انعكاسا للآخر في ظروف تتفق أو تختلف، لكننا نجد عراها لا تنفك على طول الخط السردي؛ فهي علاقة مقاربة تارة أو مفارقة تارة أخرى، بحيث لا يمكننا إنكار وجود أحد النموذجين حتى أثناء الحديث عن الآخر: «حارس العقار لم يسقط فيزيائيا؛ لأنه تماسك محاولا استحضار القوة من مكان ما في الكون. تذكر جدته وأدعيتها مثلما تذكر مخاوف أمه الكثيرة، كانت تسرد تلك المخاوف على مسمعه قبل أن يخرج من المنزل، «لا تتأخر!» «لا تكن مغفلا» لكنه مغفل الآن إنه المغفل الوحيد الذي يستحق شارة ما تجعله يصبح معروفا كغبي بين الجميع، فعلى الأقل لم يكن هناك أي سبب يجبره على أن يأتي إلى مخفر الشرطة للتبليغ عن اختفاء أحد سكان العمارة. وما الذي يدريه أنه اختفى فعلا». ومن الملاحظ هنا استخدام مفردات «شارة» – «السقوط» «فيزيائيا» – بينما المقصود بالحديث هو حارس العقار، لكنه هذا الانسحاب الحادث من (ح) المرمى الذي يقابله التفاعل الجاد والإيجابي من (ح) العقار، الذي تمثل في عدة خطوات أعقبها ذلك التصرف، فهو ينتظر من بطله أن يتحرك لصد الكرة والانتصار للفريق، ليصيبه الخذلان؛ جراء تصرف الأخير تجاه الموقف الذي مثل في مخيلته حتمية الانتصار في الصراع، بينما كان واجه الانكسار والضياع على أرض الواقع، كما أنه لم يجد إجابة شافية عند «الزوجة» التي اكتفت بزم شفتيها وآثرت الصمت إزاء تصرف زوجها الغريب!

«لكن فمها الصغير الذي كان يعشقه زوجها، كان مزموما كقفل صدئ على باب دير قديم مهجور في قرية نائية، وفعلا كان وجهها الآن ديرا قديما هجره الرهبان، دير دون مصلين يحجون إليه بعد أن حجت إليه الغربان التي ربما أجبرت زوجها على الفرار من الملعب»

لذلك فإن تلك الساحة الخاوية استوجبت التحرك الإيجابي لملء الفراغ والتفاعل مع العالم الخارجي الذي مثلته العمارة بالنسبة لحارسها، بينما كان الملعب بمثابة العالم الخارجي لحارس المرمى المنسحب والمتخلي عن دوره، كذلك فإن مسكن الزوجية هو عالم الزوجة الذي تركته فور مشاهدتها انسحاب الزوج عبر شاشة التلفزيون. ليطرح السؤال نفسه: هل يكون تحرك البسطاء مجديا صوب تركة اعتبرتها الطبقة الوسطى إرثا ثقيلا، بينما ظن من هم دونهم اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا أن ذلك التخلي وقت الأزمات رفاهية لا يستطيعون الوفاء بتكلفتها؟ فيكون لزاما عليهم التحرك في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه!

هذا التساؤل هو ما حاول الشاعر والروائي ومدرس الفلسفة مصطفى النفيسي أن يحرك أذهاننا إليه في روايته الأحدث «طرقات بمزاج سيئ» لنحاول معه الإجابة عليه.

كاتبة مصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية