ثالوث تشريد الفلسطيني وقتله وتلاشي أوهام السلام وصعود آمال الفعل المقاوم

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: لا أسهل على الفلسطينيين من استعادة أحداث عام 2022 فهي مكررة وموجعة ومليئة بالخسارات، وأن اختلفت الجغرافيا والفاعلين الرئيسيين فيها من قوات الاحتلال ومستوطنيه. وهذا بالذات ما يجعل من فعل الاستعادة أمرا مثقلا بالدموع والدماء في عام وصل فيه عدد الشهداء أكثر من 222 شهيدا وهو أكبر رقم في عدد الشهداء منذ سبع سنوات.
وفي مقابل تلك الخسارات غابت فعالية الساسة والسياسيون (سلطة حاكمة وأحزاب وفصائل) عن إحداث أي فعل حقيقي ميداني يمكن أن يغير في واقع الفلسطينيين أو حتى يمنحهم الحماية ويلبي الحد الأدنى من طموحهم وتوقهم للحرية والاستقلال.
وهو أمر يخولنا أن نطلق على عام 2022 بإنه ثالوث تشريد الفلسطيني وقتله، وتلاشي أوهام عملية السلام، وصعود آمال الفعل المقاوم. وكي نتحقق من ذلك الثالوث يمكننا العودة إلى مجموعة من الأحداث المهمة التي عكست تحولا كبيرا على حياة الفلسطينيين وعبرت عما أطلقنا عليه «انتفاضة المستوطنين» بحق الفلسطينيين والرد عليها بالحالة النضالية المتجاوزة للحزبية التقليدية عبر تشكيلات مقاومة عابرة للفصائلية.

ثلاثة أحداث دالة

يمكننا القول بنوع من الجزم أن هناك ثلاثة أحداث مفصلية في عام 2022 كانت ترتبط بتصاعد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه بحق الفلسطينيين، وهي ممارسات وعقوبات وسياسات قتل وتهويد عملت لاحقا على تخليق ظواهر مقاومة مسلحة جديدة دبت الروح في الجسد الفلسطيني المنهك.
الحادثة الأولى كانت في مطلع العام، حيث سجل المواطن المقدسي محمود صالحية موقفا متقدما في مواجهة سياسات الحكومة الإسرائيلية وبلدية الاحتلال في القدس عندما قرر هو وأفراد عائلته الصعود إلى سطح منزلهم المهدد بالمصادرة وحمل معه أسطوانات الغاز وعبوات البنزين وهدد بحرق منزله بمن فيه في حال اقتربت قوات جرافات الاحتلال من المنزل.
كانت خطوة المواطن صالحية فعلا «انتحاريا» أمام انعدام أي خيارات أمام المقدسي، وكانت محاولته رفع سقف المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي خطوة متقدمة في رفض ومواجهة سياسات الإخلاء، لكنها محاولة لم يلتقطها أحد، وبعد ساعات على هذا الموقف الابتكاري باغتت الشرطة الاحتلالية العائلة وسيطرت على المنزل وسوته بالأرض وهو حال مئات العائلات المقدسية.
الحادثة الثانية تعود إلى منتصف العام عندما قام مستوطن إسرائيلي بطعن الشاب علي حرب من بلدة سكاكا قضاء سلفيت، وحسب حكاية عم الشهيد الذي كان متواجدا في المكان للدفاع عن أرضه فإن المستوطن انسل من خلف الجنود وحراس مستوطنة قريبة وقام بطعن الشاب حرب في قلبه مباشرة، فيما ترك الشاب لأكثر من نصف ساعة حتى تصفى دمه.
وهو ما دفع بنشطاء ومراقبين يعتبرون الجريمة بالحدث الفارق في جرائم الاحتلال في الضفة الغربية من ناحية التخطيط والتنفيذ والعقوبة التي أوقعت على المستوطن لاحقا حيث أطلق سراحه لعدم كفاية الأدلة.
الحدث الثالث جرى قبل أسابيع، وتمثل في إعدام جندي احتلالي، موثق بالصوت والصورة، للشاب الفلسطيني عمار مفلح (22 عاما) من مسافة قريبة جدا في بلدة حوارة، وهي جريمة إعدام ميداني خلفت صدمة ووجعا وغضبا فلسطينيا لا حدود له.
تعكس الأحداث الثلاثة التي امتدت على عام كامل نماذج لحالات تشريد وقتل وإعدام ميداني بحق الفلسطينيين، وهو ما يجعلها تطرح المأزق الذي وصلته الحالة الفلسطينية داخليا وخارجيا، في ظل اشتباك المستوطنين وتداخلهم بحياة الفلسطيني بشكل كامل ولحظي.
في مقابل ثقل الجرائم الثلاث وما بينها من جرائم وعلى امتداد عام كامل، يبدو أن حالة المقاومة الجديدة التي دخلتها الضفة الغربية تكون تعبيرا ورد فعل طبيعي على ما يتعرض له الفلسطيني، وتشير الأرقام التي يتيحها آخر استطلاع للرأي العام إلى أن 72 في المئة من الفلسطينيين يؤيدون المجموعات المسلحة.
ففي عام 2022 تجلى الفعل المقاوم الفلسطيني الذي تحشدت خلفه قطاعات جماهيرية عريضة ممثلا في «كتيبة جنين» و«عرين الأسود» إضافة إلى انتقال عمليات المقاومة الفردية والارتجالية إلى المقاومة الفردية المنظمة.
هذه الحالة النضالية أفرزت شخصياتها وقياداتها فأصبح أبو رعد فتحي الخازم، من مخيم جنين، وهو والد الشهيدين المقاومين وعقيد متقاعد في جهاز الأمن الوطني رمزا وطنيا وقائدا ملهما للمقاومين، كما أصبحت «عرين الأسود» حزبا فلسطينيا قادرا على تحشيد الشارع الفلسطيني الذي وقف خلف مقاتليه ولبى دعواتهم في تحول ميداني وسياسي جديد.
وسط كل ذلك كان الحدث الأكثر إجراما ورغبة في قتل وإسكات صوت من يفكر في فضح ممارسات الاحتلال متمثلا باغتيال مراسلة «الجزيرة» شيرين أبو عاقلة التي شيع جثمانها على امتداد الضفة الغربية من جنين ومخيمها وصولا إلى القدس حيث المكان الذي دفنت فيه.
وهناك، أي خلال مسيرة التشييع، حدثت قصة حملة النعش وحملة الأعلام التي عكست معركة رمزية، ففي القدس المحتلة جعل الاحتلال من إجراءات دفن أبو عاقلة مسألة لا تتم إلا بمعركة على النعش وما يغطيه وما يحمل فيه من رايات وأعلام إضافة إلى جميع مراحل ومحطات التشييع.

التصريحات الشاذة

وخلال العام برزت مجموعة من التصريحات التي صدرت عن سياسيين فلسطينيين غير أن أبرزها جاء عن محافظ نابلس اللواء إبراهيم رمضان الذي كان الأكثر إثارة للجدل، وهو التصريح المتعلق بأمهات الشهداء الفلسطينيات حيث وصفهن «بالشاذات» اللواتي يذهبن بأبنائهن للموت.
أما الخطاب الذي انقسم حوله الفلسطينيون فكان للرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها، الـ77 نيويورك 23 أيلول/سبتمبر فمنهم من وصفه بالمحطة التاريخية فيما اعتبره البعض خطاب الاستجداء والضعف.
مؤيدو الرئيس اعتبروه محطة تاريخية هامة على طريق إفشال وإسقاط مخططات دولة الاحتلال التوسعية وتنكرها لحقوق شعبنا الوطنية العادلة والمشروعة حيث حمل المجتمع الدولي مسؤولية التقاط فرصة السلام وإجبار دولة الاحتلال على الانخراط في عملية سلام حقيقية تفضي لإنهاء الاحتلال لأرض دولة فلسطين. كما اعتبر «إسرائيل التي تتنكر لقرارات الشرعية الدولية قررت ألا تكون شريكا لنا في عملية السلام».
المعارضون في المقابل رأوا بالخطاب حالة من الضعف وانعدام الخيارات وتكرار كل المقولات السابقة في ظل أن الرئيس أعلن في خطابه أمام الجمعية أنه يمنح العالم مهلة عام كامل لتحقيق الدولة الفلسطينية.
أما الحدث الأبرز الذي كان مخيبا للفلسطينيين فتمثل في زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للضفة الغربية التي استمرت ساعتين فقط، ولقاء نظيره الفلسطيني في بيت لحم في ثالث أيام جولته الإقليمية (ولمدة 50 دقيقة).
ومصدر الخيبة من زيارة الرئيس الأمريكي سببها وإن كان قد جدد من بيت لحم التزام واشنطن بحل الدولتين وتعهد بتقديم 300 مليون دولار للأونروا ومستشفيات القدس، إلا أنه أكد أن «هدف حل الدولتين قد يبدو بعيد المنال».

عام حسم المعركة الداخلية

سياسيا كان الحدث الأبرز في عام 2022 تكليف القيادي الفتحاوي حسين الشيخ في 26 أيار/مايو الماضي بمهام أمين سر اللجنة التنفيذية ولاحقا عين رئيسا لدائرة المفاوضات في منظمة التحرير وهو ما اعتبره مراقبون بالفعل التمهيدي لحسم الشخصية القيادية التي ستخلف الرئيس محمود عباس.
وإضافة إلى موقعيه في المنظمة وحركة «فتح» يرأس الشيخ هيئة الشؤون المدنية، وهي جهة التواصل الحكومية مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما جعله صاحب الفرصة الأوفر في خلافة الرئيس الفلسطيني.
رافق ذلك التحول السياسي الداخلي إقصاء معارضين كبار من قادة فتح ومنهم ناصر القدوة وتوفيق الطيراوي.
وحفل العام الماضي بمجموعة من الأحداث المهمة وأبرزها محاولة اغتيال الأكاديمي وعضو المجلس التشريعي ناصر الدين الشاعر، وتنامي سياسة القمع بحق النشطاء والمعارضين حيث تجاوز عدد المعتقلين السياسيين في الضفة هذا العام أكثر من 700 معتقل سياسي. إضافة إلى تراجع خطاب ومقولة زوال إسرائيل التي كان تنبأ بها الشيخ والداعية الإسلامي بسام جرار.
اقتصاديا ضرب الغلاء الأراضي الفلسطينية في موجتين متتاليتين خلال العام الماضي وهو ما دفع بظهور حراكات وأصوات احتجاجية وتحديدا في مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية، والتي ينظر إليها على أنها عاصمة الاقتصاد الفلسطيني. كما تصاعدت الإضرابات المطلبية للمعلمين خلال العام حيث استمرت لأكثر من شهرين متواصلين، وطالبوا بتحسين رواتبهم وتأسيس نقابة خاصة بهم، إلى جانب إطلاق إضرابات خاضها الأطباء والممرضون وبعض نقابات الجامعات ونقابات النقل العام. فيما كان الإضراب الأبرز ذلك الذي خاضه المحامون ضد القرارات التي أصدرها الرئيس الفلسطيني والمتعلقة بالقوانين الإجرائية وقانون التنفيذ لكونها تمس بحقوق المواطنين في تحقيق العدالة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية