جرائم الاحتلال التي لا تنتهي

حين ترتكب «إسرائيل» ما يعتبره الكثيرون «جرائم» طبقا للعرف العام أو القوانين الدولية، فإن قادتها يعلمون أنهم بمنأى عن تبعات منطقية ثلاث: عمليات انتقامية بحجم تلك الجرائم، شجب دولي سواء من حكومات دول «العالم الحر» أو من مجلس الأمن الدولي، ردود فعل باهظة الثمن من الدول العربية التي طبّعت علاقاتها معها. لذلك فحين تقوم بعملية عسكرية عدوانية فإنها تلقي بثقلها في تلك العمليات لتضمن نتائج موجعة للفلسطينيين ضمن استراتيجية بث اليأس في نفوس الشعب الذي لم ييأس على مدى 75 عاما من العدوان. فلو أن ما ارتكبته القوات الإسرائيلية في الشهرين الأخيرين كان من عمل جهة أخرى فهل كانت ستنجو من ردود فعل قد تصل لعمل عسكري مضاد أو قطع علاقات دبلوماسية أو فرض عقوبات اقتصادية موجعة على غرار ما حدث لروسيا بسبب سياستها في أوكرانيا؟
فلماذا لم يحدث أي من ذلك عندما قصفت قوات الاحتلال الأسبوع الماضي مستشفى الشفاء في غزة وقتلت أكثر من 400 شخص من المرضى والأطباء والممرضين؟ فالمستشفيات تكون محميّة حتى في حالات الحرب فضلا عن الأوضاع المعتادة. فلماذا هذا الدفاع الغربي المستميت عن كيان يمارس أبشع الجرائم في وضح النهار؟ وما الذي تستفيده هذه الدول من تلك الجرائم؟ الأمر المؤكد أن هذه الرعاية الغربية للإسرائيليين سوف ترتد على العالم بالمزيد من الوبال. وما حدث الأسبوع الماضي من استهداف لموظفي إغاثة دوليين ينضوي في هذا السياق، ويضيف بعدا جديدا لصورة قاتمة مغيّبة عن الأذهان حول حتمية استهداف مصالح دول غربية كبرى دعمت الاحتلال ومنها الولايات المتحدة الأمريكية. هنا تصدق مقولة: إنما أكلت يوم أكل الثور الأسود.
في الأسبوع الماضي استهدف الإسرائيليون فريق إغاثة دوليا كان يقدّم الطعام للجياع من سكان غزة. وكانت حصيلة ذلك الاعتداء مصرع سبعة من طاقم الفريق، ثلاثة منهم بريطانيون. وثمة إجماع على أن العملية لم تكن خطأ كما ادّعت «إسرائيل» وأن الشاحنة التي قُصفت كانت تحمل علامات فريق الإغاثة بالإضافة إلى أن ذلك الفريق كان قد زوّد سلطات الاحتلال بمعلومات كافية عن تحركاته لكي لا يحدث «خطأ». ماذا يعني ذلك؟ وسواء كانت هناك دوافع إسرائيلية للانتقام من الدول التي ينتمي لها الضحايا أم كان من أجل إثبات الوجود وعرقلة عمليات الإغاثة، فإن حقيقة مهمة كان يفترض أن تعيها الدول الراعية للاحتلال. كان على زعماء تلك الدول استحضار قصة الرعب الخيالية الشهيرة المعروفة بـ «فرانكشتاين». فقد قام العالم الشاب فيكتور فرانكشتاين بخلق وحش في مختبره، سرعان ما انقلب عليه وحوّل حياته إلى مأساة. وكان ذلك الحدث محورا للكثير من قصص الرّعب اللاحقة التي ظهرت في القصص الخيالية والأفلام.
يقول القرآن الكريم: «من يعمل سوءا يُجز به». ويقول المثل العربي: «من حفر لأخيه حفرة وقع فيها». هذه المرة أذيقت عائلات غربية عديدة مرارة فقد الأحبة الذين كانوا يقومون بخدمة إنسانية من قبل الكيان الذي طالما خدمته حكومات بلدانها. وما يزيد مرارة تلك العائلات أن الضرر الذي لحق بها جاء من طرف «صديق» حظي برعاية واهتمام ودعم لم تتوفر لأحد من قبل. أليس هذا منطق الأشياء؟ وكما يقول الشاعر التونسي، أبو القاسم الشابي: ومن يزرع الشوك يجن الجراح. صحيح أن الفلسطينيين دفعوا أثمانا باهظة للعدوان الإسرائيلي المتكرر على مدى ثلاثة أرباع القرن.

صدرت إشارات خجولة من البيت الأبيض لحكومة نتنياهو بأنها إذا لم تغيّر سياسة القتل والتدمير فسوف تعيد النظر في تزويدها بالسلاح والدعم

ولكن الصحيح كذلك أن العقلية التي نشأت وترعرعت على العدوان لا تستثني أحدا في نهاية المطاف. فهي تصاب بالغرور والشعور بالأمن المطلق والعظمة الوهمية، فلا تبقى في نظرها قداسة لأحد. وربما يدفع التفكير المؤسَّس على الاحتلال والعدوان للاعتقاد بأن مصلحته تقتضي المبادرة لإثبات الذات كوسيلة للدفاع وإيهام الآخرين بأنه تجاوز مرحلة الاحتياج للداعمين. وما يعمّق شعور المعتدي الإسرائيلي بالقلق من المستقبل تكرر حديث بعض الداعمين عن ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهذا خطّ أحمر لدى الإسرائيليين.
النقطة المحورية هنا أن حكومات كيان الاحتلال لم تلتزم يوما بمقولات «الأخلاق» أو «الضمير» أو «القانون الدولي» أو «الاعتراف بالجميل وردّه» بل وضعت كيانها عنوانا لسياساتها التي خرجت عن السياقات المألوفة من السلوك البشري. فهل يُعقل أن يبلغ الأمر استهداف مستشفيات تعالج آلاف المرضى؟ قبل أسابيع فحسب ادّعت «إسرائيل» أن المنظمة الدولية لإغاثة وتعليم الفلسطينيين (أونروا) توظّف أشخاصا لهم علاقة بمنظمة «حماس» الفلسطينية، فجاء الرد الغربي فوريا، وأوقف العديد من الدول دعمه المالي للمنظمة. وكاد جياع فلسطين يخسرون وجباتهم اليومية التي يصل عددها إلى مائة ألف. وسرعان ما اتضح كذب ذلك الادّعاء، فأعادت تلك الدول دعمها. إن سياسة التضليل الإسرائيلية ليس لها حدود، ألم تدّع أن حوادث 7 أكتوبر اشتملت على خطف الأطفال من المستشفيات؟ كما أن أساليب القتل التي تمارسها بحق الفلسطينيين لا تحدها حدود. ألم تطلق صاروخا لتقتل الشيخ أحمد ياسين المشلول من رقبته إلى قدميه؟ في كل هذه الحالات لم تصدر مواقف سياسية أو إنسانية مسؤولة من الدول الغربية سواء لشجب تلك الجرائم أو لمنع المحتلّين من الاستمرار في سياسات الإبادة المتواصلة.
هذه السياسات الغربية الهادفة لحماية كيان الاحتلال لم تُقابل بسياسات الاعتراف بالجميل، بل اتسمت السياسات الإسرائيلية بالتحدي والصلف والغرور. فحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت دعمها الشامل للكيان منذ مطلع الستينيات لم تسلم من عدوانه. ففي 8 يونيو 1967 (خلال حرب حزيران) استهدف الطيران الإسرائيلي السفينة الأمريكية «ليبرتي» التي كانت تقوم بعمليات استخباراتية في شرقي البحر المتوسط، وقتل 34 شخصا من طاقم السفينة وجرح 171 آخرين. وشارك في الاعتداء قوارب تطلق الطوربيدات بالإضافة للطيران العسكري. صحيح أن «إسرائيل» أُجبرت على دفع ما مجموعه 12 مليون دولار لإصلاح السفينة وتعويض عائلات الضحايا ولكن واشنطن لم تفرض عليها عقوبات سياسية أو اقتصادية. هذه السياسة الأمريكية ساهمت في تشجيع كيان الاحتلال على اختراق الخطوط الحمراء حتى في ما يتعلق بالأمريكيين. وفي 6 مارس 2003 قتلت «إسرائيل» الناشطة الإنسانية الأمريكية الشابة، ريتشيل كوري عندما وقفت أمام الجرّافات الإسرائيلية التي تهدم بيوت الفلسطينيين. حدث ذلك أمام عدسات المصورين وبحضور النشطاء الإنسانيين الذين هرعوا لإيقاف الجرافة التي استهدفت الفتاة بدون جدوى. ولم يكن هناك موقف أمريكي واضح إزاء تلك الجريمة. لذلك استمرت سياسة استهداف كافة الفئات التي ترفض «إسرائيل» نشاطها ابتداء بالفلسطينيين مرورا بالنشطاء الحقوقيين وصولا لموظفي الإغاثة الدوليين. وقد بلغ عدد الذين قتلوا من الفئة الأخيرة منذ بدء العدوان على غزة 196 بينهم 175 يعملون مع المنظمات الإغاثية التابعة للأمم المتحدة. وعندما قتلت القوات الإسرائيلية المجموعة الأخيرة التي شملت سبعة من عمال الإغاثة ادّعى الناطق باسم حكومة الاحتلال أن ذلك كان نتيجة «خطأ».
هذه المرة صدرت إشارات خجولة من البيت الأبيض لحكومة نتنياهو بأنها إذا لم تغيّر سياسة القتل والتدمير فسوف تعيد النظر في تزويدها بالسلاح والدعم. إنه تصريح خجول لا يرقى لمستوى الجرائم المرتكبة من قبل قوات الاحتلال. وهناك أصوات ترتفع من داخل أمريكا بضرورة وضع شروط صارمة على استخدام الأسلحة الامريكية التي هي الأداة الأولى للقتل والتدمير. وبعد أن بلغ السيل الزبى، تصاعدت أعداد الأمريكيين المعارضين للسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، إلى 55 بالمائة في مقابل 36 بالمائة من مؤيدي تلك السياسات. هذا التغير جاء بعد أن استمرت «إسرائيل» بقتل الفلسطينيين حتى تجاوز عدد الضحايا منذ أكتوبر الماضي 33 ألفا أغلبهم من المدنيين، وقد انتشرت المجاعة على نطاق واسع، ما دفع المنظمات الإغاثية لتوسيع نطاق عملها، ومن بينها منظمة «المطبخ المركزي الدولي» التي قتل سبعة من موظفيها مؤخرا.

كاتب بحريني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    لولا عصابة البانتاغون الأمريكي العفن النتن الذي يرسل أسلحته القذرة لقتل أطفال ونساء غزة العزة هذي شهور وشهور لما كان هذا حال الفلسطينيين اليوم 🤔🇵🇸☹️☝️🔥🚀🔥🚀🔥🚀🔥🚀

  2. يقول فصل الخطاب:

    بل جرائم عصابة البانتاغون الأمريكي العفن النتن الذي يرسل أسلحته القذرة لقتل أطفال ونساء فلسطين منذ 1948 هي التي لا تنتهي 🤔🇵🇸☹️☝️🚀🔥🚀🚀🚀🚀

  3. يقول فصل الخطاب:

    لولا عصابة البيت الأسود الصهيوني الأمريكي التي تحمي عصابة الشر الصهيونية المدعومة بالسلاح الفتاك الأمريكي الذي يحول أجساد الفلسطينيين إلى أشلاء لما كان هذا حال الفلسطينيين اليوم ✌️🇵🇸☹️☝️🚀🔥🚀🔥🚀

اشترك في قائمتنا البريدية