«جري الوحوش» الصراع بين المال والبنون والفلسفة العلمية

بين التقدم العلمي والتسليم بقُدرات العلماء في ما يخص الاكتشافات الحديثة، ومدى استفادة الإنسان المُمكنة منها طرح الكاتب الدرامي والسيناريست الراحل محمود أبو زيد فكرته الإيمانية العميقة في فيلم «جري الوحوش « الذي أنتج عام 1987، حيث وضع العلم بمستوياته الخارقة أمام المشيئة الإلهية، وجعل كل المُعطيات الحياتية والعلمية تدور في فلك الحقيقية الثابتة وهي القضاء والقدر، الذي لا يُمكن أن تُنازع قدرته قُدرة أخرى مهما بلغت حسابات البشر الدنيوية.
لقد انطلق أبو زيد من مبدأين أساسيين مُتفق عليهما وهما المال والبنون، باعتبارهما زينة الحياة الدنيا كما ورد في القرآن الكريم إذ جعل للفيلم خطين متوازيين، رمز إليهما بخط المال الذي يُمثله البطل نور الشريف، الرجل الثري صاحب المشروعات الضخمة والأرصدة البنكية المُرتفعة وخط آخر رمز إليه بشخصية البطل الثاني محمود عبد العزيز، ذلك المنجد البسيط القانع برزقه القليل وصحته الوفيرة.
وبين الخطين الرئيسيين جاء الخط الثالث للأحداث مُتمثلاً في رجل العلم حسين فهمي، الطبيب العائد من أمريكا باكتشافات علمية مُتقدمه تتجاوز من وجهة نظرة فرضيات الحياة ومُسلماتها، فهو رجل لا يؤمن بشيء غير العلم الذي له الأولوية القصوى في القُدرة على تغيير مسارات الكون طالما وجدت الإمكانيات لتحقيق النظريات الناتجة عن الأبحاث والتجارب. وبين كل هذه المحاور يأتي الصراع الذي أوجده الكاتب ليستخلص بُمقتضاه المفهوم الأساسي لمعنى الوجود والمصائر الإنسانية، فالبطل الثري نور الشريف يمتلك المال ويفتقر إلى البنون ويبحث عن حل لأزمة عدم الإنجاب التي تؤرقه وتُفسد عليه حياته، ومن ثم يجد ضالته في مزاعم الطبيب ووعوده بتحقيق رغبته في مُعالجة العُقم ويسلم له أمره تمام التسليم.
ووفق التجارب العلمية يستلزم الأمر البحث عن جزء صغير في جسم إنسان سليم ليتم زرعه داخل خليه ما لتتم مُعالجة القصور في جسم المريض فاقد القُدرة على الإنجاب، ولتأكيد النظرية البحثية تُقام التجربة ذاتها بطريقة مدروسة على جسم قرد بوصفه أقرب الكائنات الحية للإنسان من الناحية التشريحية والفسيولوجية. ولتحقيق المُعجزة وإثبات صحة النظرية العلمية، تدخل التجربة في طور التنفيذ بعد أخذ الجزء الحساس من جسم عبد القوي المنجد الذي يتمتع بالفحولة والبنية الجسمانية القوية، حيث يُستدرج من قبل نور الشريف الذي يساومه ويقنعه بالمقايضة على الجزء المطلوب من جسمه مقابل مبلغ كبير من المال! وهنا يبدأ الرهان على العلم بوصفه الطاقة الكامنة المُختبئة في عقل العلماء، وتمضي الأحداث بين صعود وهبوط وصراع مُحتدم بين المُعطيات المادية للنظرية العلمية، والسر الأعظم في تكوين الإنسان ومسيرته وقدره وهي الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله، فمن وجهة نظر الطبيب لا يوجد تعارض بين الاكتشافات العلمية الحديثة، والمشيئة الإلهية وهي القوة المنطقية التي يقع تحت تأثيرها صاحب الحاجة نور الشريف رجل الأعمال الآمل في إنجاب طفل تحت أي ظرف وبأي ثمن.
وعلى الرغم من تسليم محمود عبد العزيز أو عبد القوي المنجد وقبوله الصفقة، إلا أنه يشعر بالقلق ويرتاب في الأمر مُنقاداً بإحساسه الفطري إلى الحقيقة، وهي فشل عملية زرع الجزء المقتطع من جسمه داخل جسم آخر غريب، وهي القناعة ذاتها التي ينطلق منها حسين الشربيني الذي يُدافع عن المنطق الديني، رافضاً فكرة المُقايضة بالكلية على البنون بالمال، لأن الله هو موزع الأرزاق فمن شأنه وحده تحقيق العدالة بين عبادة على النحو الذي يراه وتقضي به إرادته. ولتمسكه بهذا المبدأ الإيماني يتصاعد الصراع بينه وبين الطبيب الذي يتهمه بالجهالة، وينحاز إليه بطبيعة الحال الطامع في الجمع بين المال والبنون الرجل العقيم صاحب الثروة والنفوذ.
وبينما يبلغ الصراع أشده يتمادى الطبيب في تجاربه مٌقتنعاً تمام القناعة بالقياس العلمي بين الإنسان والقرد، في هذه الحالة التي يزعم نجاحها، فيما يتبدل حال عبد القوي إلى الأسوأ إزاء إحساسه بالعجز وفقدانه لرجولته فتتوتر حياته الزوجية وتتضاعف مشكلاته النفسية ويزداد حدة وعصبية. ويُبرهن الكاتب محمود أبو زيد على فساد فكرة المُفاضلة والمُقايضة بين المال والبنون بمظاهر الفشل العديدة في النظرية العلمية وحياة عبد القوي وإحباط ويأس نور الشريف ومراوغة وسفسطة الطبيب المادي المُتفرنج حسين فهمي، وسُخط نورا زوجة عبد القوي وتمردها وازدياد يقين حسين الشربيني المُدافع عن مبدأ القضاء والقدر والمُحتكم للآيات والنصوص القرآنية في آرائه الرافضة لمُحاولات تحدي الطبيب لناموس الكون وحكم العدالة الإلهية في توزيع الأرزاق على العباد بالحد والقسطاس.
ويتبنى المخرج علي عبد الخالق الفكرة من أولها إلى آخرها فيُمعن في تجسيدها وتصويرها، مُستخدماً أدوات التعبير كافة من تصوير وإضاءة وحركة كاميرا وموسيقى ومونتاج وأداء تمثيلي للأبطال، بتوجيهات معينة تصب في بؤرة الوعي والإدراك ليتسنى للمُتلقي استنباط الرسالة واستيعابها.
وتأتي نهاية الفيلم تراجيدية ومُفزعة فعبد القوي الذي فرط في صحته لقاء المال أصيب بالجنون ورجل الأعمال صار كئيباً يعيش عيشة ضنكة بعد أن خاب مسعاه، أما الطبيب فظل على عناده ولم ينج من الرهان الخاسر إلا من بقي على يقينه وإيمانه المُطلق بعدالة الخالق الذي حرم على نفسه الظُلم وأوصى عبادة الأتقياء بالرضا.

كاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية