حجّ‭ ‬الزعيم‭ ‬اليساري‭ ‬المغربي‭… ‬ولحى‭ ‬الضباط‭ ‬المصريين‭!‬

13 - سبتمبر - 2018

0
حجم الخط

يقدّم‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬ثار‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بخصوص‭ ‬حج‭ ‬علي‭ ‬بوطوالة،‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬الطليعة‭ ‬اليساري‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬وما‭ ‬تبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬طلبه‭ ‬إعفاءه‭ ‬من‭ ‬مسؤولياته‭ ‬التنظيمية‭ ‬‮«‬رفعا‭ ‬لكل‭ ‬حرج‭ ‬أو‭ ‬التباس‮»‬‭ ‬مناسبة‭ ‬مهمة‭ ‬لتفحّص‭ ‬‮«‬كليشيهات‮»‬‭ ‬احتلّت‭ ‬أركان‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬ليس‭ ‬بين‭ ‬العامّة‭ ‬وحسب‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬القسم‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬النخب‭.‬

توجهت‭ ‬سهام‭ ‬النقد‭ ‬والسخرية‭ ‬للزعيم‭ ‬اليساري‭ ‬على‭ ‬خلفيّة‭ ‬مزاعم‭ ‬موقع‭ ‬الكتروني‭ ‬عن‭ ‬ذهابه‭ ‬مع‭ ‬الوفد‭ ‬الرسمي‭ ‬المغربي،‭ ‬لكن‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬السخرية‭ ‬والهجوم‭ ‬انصبّ‭ ‬على‭ ‬ممارسته‭ ‬طقساً‭ ‬دينياً‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬ينادي‭ ‬بالعلمانية،‭ ‬وقد‭ ‬ردّ‭ ‬بوطوالة‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬التدين‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬إساءة‭ ‬لسمعة‭ ‬الحزب‭ ‬واليسار‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬التدين‭ ‬حق‭ ‬شخصي‭ ‬والعلمانية‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬هذا‭ ‬الحق‮»‬،‭ ‬وكلا‭ ‬الرأيين‭ ‬مهمّان‭ ‬ويحملان‭ ‬فهما‭ ‬حضاريا‭ ‬للعلمانية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إعفاء‭ ‬الزعيم‭ ‬اليساري‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬مسؤولياته‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬راق‭ ‬بالمعنى‭ ‬السياسي‭ ‬لكنّه‭ ‬يحمل،‭ ‬ضمناً،‭ ‬تراجعاً‭ ‬ضمنيّاً‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬قرّ‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬كثيرين‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬وجودي‭ ‬طاحن‭ ‬مفترض‭ ‬بين‭ ‬‮«‬العلمانيين‮»‬‭ ‬و«الإسلاميين‮»‬‭.‬

يساعد‭ ‬خبر‭ ‬آخر‭ ‬نشرته‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬أمس‭ ‬عن‭ ‬إلزام‭ ‬القضاء‭ ‬المصري‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬بعزل‭ ‬الضباط‭ ‬الملتحين‭ ‬على‭ ‬إضاءة‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬فالمحامي‭ ‬الذي‭ ‬أقام‭ ‬الدعوى‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬‮«‬بقاء‭ ‬وعودة‭ ‬الضباط‭ ‬الملتحين‭ ‬لوزارة‭ ‬الداخلية،‭ ‬مخالف‭ ‬للدستور،‭ ‬وللدولة‭ ‬المدنية،‭ ‬ويشكل‭ ‬خطورة‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري،‭ ‬وتهديداً‭ ‬للوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬والسلم‭ ‬والأمن‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الضباط‭ ‬الـ150‭ ‬تقدّموا‭ ‬كلهم‭ ‬بطلبات‭ ‬إخطار‭ ‬لوزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬المنتسبين‭ ‬إليها‭ ‬لإطلاق‭ ‬لحاهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬التزامهم‭ ‬بقوانين‭ ‬الوزارة‭ ‬و«الدولة‭ ‬المدنية‮»‬،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فاعتبارهم‭ ‬خطرا‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬وتهديدا‭ ‬للوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬والسلم‭ ‬والأمن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬فقط‭ ‬لأنهم‭ ‬متدينون‭ ‬هو‭ ‬تطرّف‭ ‬فظيع‭ ‬لا‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬ادعاءات‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬المدنية‮»‬‭ ‬العتيدة،‭ ‬وهو‭ ‬يعني،‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يعنيه،‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬أصحاب‭ ‬اللحى‭ ‬‮«‬إرهابيون‮»‬‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬حلق‭ ‬لحيته‭ ‬‮«‬مدني‮»‬‭ ‬ودستوري‭ ‬ولا‭ ‬يشكّل‭ ‬تهديداً‭ ‬للأمن‭ ‬والسلام‭! ‬وعليه‭ ‬ماذا‭ ‬يفعل‭ ‬المحامي‭ ‬الدستوريّ‭ ‬الخطير‭ ‬بمفتي‭ ‬الجمهورية‭ ‬المصريّة‭ ‬وأئمة‭ ‬الأزهر‭ ‬والمساجد‭ ‬وبمن‭ ‬يرغب‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬مصر‭ ‬أن‭ ‬يلتحي‭ ‬لأسباب‭ ‬غير‭ ‬دينية،‭ ‬ثم‭ ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬التديّن‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ممنوعاً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬المدنية‮»‬،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك‭ ‬فكيف‭ ‬تكون‭ ‬دولة‭ ‬مدنية‭ ‬وقد‭ ‬نصّبت‭ ‬نفسها‭ ‬حارساً‭ ‬على‭ ‬وجوههم‭ ‬ونواياهم؟

إلى‭ ‬فضحه‭ ‬التهافت‭ ‬الذي‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬مؤسسة‭ ‬القضاء‭ ‬المصريّ،‭ ‬فإن‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬يزاود‭ ‬على‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬والسلطات‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬القمع،‭ ‬يهدف‭ ‬عمليّاً‭ ‬إلى‭ ‬تكريس‭ ‬حالة‭ ‬رعب‭ ‬وإرهاب‭ ‬للمجتمع‭ ‬المصري‭ ‬برمّته،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعطي‭ ‬مصداقية‭ ‬لوصف‭ ‬الرئيس‭ ‬التونسي‭ ‬السابق‭ ‬المنصف‭ ‬المرزوقي‭ ‬النظام‭  ‬المصري‭ ‬بأنه‭ ‬يمارس‭ ‬أكبر‭ ‬إرهاب‭ ‬دولة‭ ‬معاصر‭.‬

في‭ ‬حالتي‭ ‬الزعيم‭ ‬اليساريّ‭ ‬المغربي‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬نقده‭ ‬بسبب‭ ‬الحجّ‭ ‬وضباط‭ ‬الداخلية‭ ‬المصرية‭ ‬الملتحين‭ ‬تم‭ ‬استخدام‭ ‬شعارات‭ ‬أيديولوجية‭ ‬فضفاضة،‭ ‬كالعلمانية،‭ ‬والدولة‭ ‬المدنية،‭ ‬بشكل‭ ‬يسيء‭ ‬لهذين‭ ‬المفهومين‭ ‬ويُستخدما‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانا‭ ‬يتعارضان‭ ‬مع‭ ‬التديّن،‭ ‬لكنّ‭ ‬الواقعة‭ ‬المصرية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تقصدها‭ ‬اللبس‭ ‬والخلط‭ ‬فإنّها‭ ‬في‭ ‬صلبها‭ ‬تقوم‭ ‬بمماهاة‭ ‬بين‭ ‬المظاهر‭ ‬الدينية‭ ‬الشكليّة،‭ ‬كاللحى،‭ ‬والاتهام‭ ‬الضمني‭ ‬المجاني‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الضباط‭ ‬بالتعاطف‭ ‬أو‭ ‬الانتماء‭ ‬مع‭ ‬جماعة‭ ‬‮«‬الإخوان‭ ‬المسلمين‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مقاربة‭ ‬خاسرة،‭ ‬فهي‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬ضباط‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬والجيش‭ (‬وربما‭ ‬كامل‭ ‬موظفي‭ ‬الدولة‭ ‬‮«‬المدنية‮»‬‭ ‬المصرية‭) ‬أن‭ ‬يعادوا‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ (‬لأن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شبهة‭ ‬تعاطف‭ ‬مع‭ ‬الإخوان‭) ‬كي‭ ‬يأمنوا‭ ‬على‭ ‬دمائهم‭ ‬وأرزاقهم‭ ‬وعيالهم،‭ ‬وهي‭ ‬وصفة‭ ‬لاستعداء‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬بأكمله،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬شعب‭ ‬متديّن‭ ‬بالفطرة،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬إعلان‭ ‬صريح‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الدولة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تعادي‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين،‭ ‬كتيّار‭ ‬سياسيّ‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تعادي‭ ‬دين‭ ‬الأغلبية‭ ‬المصرية،‭ ‬وهو‭ ‬غباء‭ ‬فظيع‭ ‬لا‭ ‬يعادله‭ ‬غباء‭.‬

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية