حرائق غزة و«آيس كريم» أمريكا

يشبه العالم وهو ينتظر فقط ماذا ستسفر عنه مجازر الإبادة الإنسانية في غزة، مع تحسر على ما يحدث، دون التدخل الفعلي لردع الإجرام الصهيوني، يشبه هذا جمهور السينما وهو يتابع فيلما مأساويا تتعرض فيه الشخوص لحالات من التعذيب والقسوة والألم النفسي، والحياة التي ليست من ورود، قد تنزل دموع بعض المشاهدين رقيقي المشاعر، وقد ينفعل البعض مساندا الضعف الدراماتيكي في المشاهد الحكائية، وفي الأخير تنتهي الفرجة ويُسدل الستار ويعود الجمهور إلى الواقع لكن تستمر الحكاية معه، قد يعيد إنتاجها أمام أصدقائه في المقهى، ويسبل عليها من ألوان الحركة التراجيدية التي تجعل الآخرين يتفاعلون معها أيضا، وينتجون هم أيضا مشاهدهم التي سوف تُحكى وهكذا تتوالى الحكاية على مستوى التخييل، فهل المأساة الغزاوية حكاية مشهدية؟

حرائق غزة وثلاجة المشاعر

عالم هوليوود هو المسيطر على ما نراه في واقع غزة، حيث الصورة تلعب دورا كبيرا في إدامة الحدث، وتتعمد إسرائيل والقوى الكبرى، وعلى رأسها أمريكا تسريب المزيد من الصور الفظيعة التي تذيب القلب، وتصلح أن تكون نارا ملتهبة في معامل الصلب والحديد، حينها تكون قادرة على صهر المعدنين، لشدة قساوتها وعدم مقدرة الإحساس الإنساني على تحملها، تسربها لأنها تريد للإنسان، خصوصا العربي والمسلم إلى مستوى الهشاشة التي تؤدي به إلى اليأس، لفقدانه القوة القادرة على ردع الكيان الغاصب المسنود من أمريكا، ومن يدور في فلكها من أوروبيين وعرب مطبعين. أما هذه الصور نحن الذين ندين ونحترق لبشاعتها نردد فقط «العين بصيرة واليد قصيرة»، ونموت حسرة على ما يحدث، نرى الجبن العسكري الصهيوني القاتل للأطفال والمدنيين العزل، ونتابع القرار السياسي الوحشي القاضي بتجويع الغزاوي، ونعدد مشاهد الهياكل الجائعة الصائرة إلى الموت والأشلاء المتناثرة جراء القصف، فيصيبنا الذهول مما يحدث متسائلين أين مشاعر هؤلاء القساة؟
ينكشف كل شيء مع صورة بايدن وهو «يلحس» الآيس كريم، تشمله نشوة عارمة وهو يتحدث عن المساعدات لأهالي غزة ووجوب وقف ما يتعرضون له، فتنتاب الأحرار الدهشة مما يحدث أما أعينهم، الجلاد بيده آيس كريم مثلجة، ويتحدث في أشد الأمور سخونة وإنسانية، مشهد لا يعبر سوى عن المشاعر المتثلجة لهؤلاء، بل إنهم أصلا بلا مشاعر، فهل الأمريكي الذي أباد الهنود الحمر واحتل وطنهم يمتلك بعضا منها؟ إنه مستوى التوحش، بل مستوى من «إدارة التوحش» لإرضاء النزوات البهيمية الأشد شراسة، فشخصية «الكاوبوي» لا تتوازن إلا عندما تتحرك حلبات العنف الدموية التي يتصارع فيها الخصمان حتى الموت، وهو ما يحدث مع غزة، ففي عرف البرابرة الأمريكيين والصهاينة والأوربيين والمطبعين، ما يحدث في غزة هو مجرد فيلم هوليوودي، والمتابعة مجرد فرجة سينمائية.

شيفر واعتقال الحرية في أمريكا

حينما يخرج الأحرار في الولايات المتحدة تعبيرا عن رأيهم المساند لغزة، تتحرك أمريكا الأخرى، تلك القاتلة للمواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد، أمريكا خارج كادر الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة، تضع ذلك في الثلاجة، كما وضعت مشاعرها وتعتقل الممثلة الأمريكية هانتر شيفر مع خمسين من الذين خرجوا في مظاهرة تدين ما يحدث في غزة. لا يكاد المرء يصدق ما يحدث، أمريكا بلد تمثال الحرية تعتقل الحرية! إن ما يحدث لا يعبر سوى عن أن أمم الغرب لم تتحرر من ذاكرتها الاستعمارية، حينما تعتقل الشرطة الأمريكية ممثلة، من نجوم هوليوود، معنى ذلك أن أمريكا تدين المتخيل، الذي ربما يفكر في إدانة الفعل الاستعماري، الفعل الهمجي الذي يقوده التوحش، والرغبة في تدمير العالم والإنسان الآخر خارج دائرة العيون الزرق والبشرة البيضاء، فما تحمله الولايات المتحدة عن باقي العالم هو هذه الصورة المشهدية، التي تتحرك على شاشة ولا تثير في الأمريكي سوى مشاعر الفرجة المجردة من أي إحساس بالمساندة.

لم يعد للضمير في أمريكا والغرب عموما ذلك الألق الذي يجعل منه منهاج حياة تذكر بأن على هذه الحياة شيء اسمه إنسان، يتألم ويبكي ويُقهر، ويحمل بين جنبيه روحا، وكل هذا يتطلب منه أن يكون خزانا من المواساة، ما هو هذا الإنسان دون شعوره بأخيه الإنسان، الذي يعاني ويلات الظلم والعنصرية والاستعمار والقصف والإبادة الجماعية؟

خرجت هانتر شيفر لتعبر عن الصوت الذي تناساه أو أراد تناسيه الإنسان الغربي، صوت العدالة، ذكرته بالإنسان الذي مات في أعماقه، فاعتقلها لأنها غردت خارج أنموذح «الإنسان الأعلى»، السوبرمان الذي يخرق كل القوانين والأعراف ليحقق أو يحافظ على مصالحه الفانتازية، فنموذج هانتر شيفر لا يصلح أن يشكل مخيال الشاشة العابرة للعالم، التي لا تروي سوى حكاية تفوق وشراسة الأمريكي الذي يتحكم في العالم بزر في مكتب السيد الرئيس في البيت الأبيض. حركة الشارع الأمريكي لم يعد لها وقع النضال على غرار شوارع العالم الإنسانية الكادحة من أجل رغيف الخبز وعلبة دواء، يجب أن تتحرك فقط للمطالبة بما يمكن تسميته «العبث اللهوي»، الذي يخرج الأمريكي من أي منظومة للقيم، لهذا أصبحت اللوحة المفككة للمشهد الإنساني وعدم و»ميكانيكية تجريد الشخوص من الإنسانية»، كما وجدت نتالي ساروت في روايات كافكا، وعبرت عن كل ذلك المتحولة إلى الإسلام الأمريكية كريستين نيكول ريتشي (عابدة ريتشي)، باعترافها بأن حياتها كانت للنوم والخمر والراب، لم يكن لحياتها معنى، تسكر ثم تتجه إلى الحفل الذي كان جمهوره يحضر فقط لتُمْتِعه، هذه هي أمريكا والغرب على العموم، اعتزلت الراب وتسمت بـ»عابدة»، والاسم له دلالاته الصوفية، فرابعة العدوية حاضرة في المعنى، الذي فقده الغرب.
البحث عن الهوية الإنسانية أصبح ديدن الفرد الغربي، حتى الشارع انتفض ضد هويته اللهوية لصالح الهوية الملتزمة بقضايا المظلومين في رقاب الإمبريالية الغربية والتوحش الرأسمالي العالمي، راح يستعيد حركة مارتن لوثر كينغ ومالكولم إكس والمخرج الأمريكي مايكل مور صاحب وثائقي «الرأسمالية، قصة حب (2009)». إن هذا الغرب هو نتاج ما بين الحربين العالميتين ونهاية الحرب العالمية الثانية، حيث اليأس خيم على الإنسان، فهوى في منحدرات العبث واللاجدوى، وعبر عن ذلك الدادائيون بعيد الحرب العالمية الأولى، ومنهم الشعراء هوغو بول وهالزنبك الألمانيين وتريستان تزارا الروماني، كان يجمعهم الخوف من الفناء والتلاشي، فـ»سخروا من القوى التي كانت تدفع العالم إلى الخراب حينئذ»، وكانوا يقولون بأن الفن نوع من القذارة والقمامة والحياة كذلك، وكانوا يستعملون الكلام الفارغ للتعبير عن موقفهم، فأي معنى للإنسان في ظل هذا الانمحاء الهوياتي والانتماء إلى الفراغ؟

بوشنل وموات الضمير الأمريكي

لم يعد للضمير في أمريكا والغرب عموما ذلك الألق الذي يجعل منه منهاج حياة تذكر بأن على هذه الحياة شيء اسمه إنسان، يتألم ويبكي ويُقهر، ويحمل بين جنبيه روحا، وكل هذا يتطلب منه أن يكون خزانا من المواساة، ما هو هذا الإنسان دون شعوره بأخيه الإنسان، الذي يعاني ويلات الظلم والعنصرية والاستعمار والقصف والإبادة الجماعية؟
لا يمكن للتغول الرأسمالي محو أثر الإنسان المتبقي في نَفَسِ الأمريكي إلى الأبد، وكل التقارير الصحافية تؤكد أن الشباب الأمريكي بعد مأساة الإبادة الإنسانية في غزة أصبح أكثر تعاطفا مع القضية الفلسطينية، لأن الوعي الجمعي الإنساني واحد ولا يفرق بينه وبين جوهره سوى التضليل الإعلامي والدعاية الكاذبة، ولعل آرون بوشنل الطيار الأمريكي والمهندس في مجال الإعلام الآلي ضمن القوات الأمريكية، والذي حسب مصادر مقربة منه يكون قد وصلته ورفاقه أنباء بوجوب الجاهزية لمهمة في غزة، طبعا المهمة ليست للنزهة، بل لقصف المدنيين، لم يحتمل هذا الخبر وراح حاملا روحه على راحتيه، يقدمها قربانا احتجاجيا أمام السفارة الدموية للكيان الغاصب في الولايات المتحدة بإحراق نفسه وهو ينادي الحرية لفلسطين. لا يموت الضمير إلى الأبد، ولا ينشغل الناس عن جوهرهم إلى ما لا نهاية، لأن البرنامج الحيوي الحامل لجينات الروح الإنسانية الأولى التي أخرجت آدم من مرحلة الخلق بالطين إلى التسوية بالروح ما زالت تسري في أوصال كل إنسان تذكره ببذرته الأولى التي وضعته في مضمار الوجود حرا من كل قيد حاملا للنفس الإلهي الوقاد.

كاتب جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية