حرب أخرى بلا صواريخ تحوّل حياة سكان غزة إلى جحيم.. أكوام القمامة ومياه الصرف الصحي تهدد بأزمة خطيرة

أشرف الهور
حجم الخط
2

غزة- “القدس العربي”: لم تعد الخشية من الغارات الإسرائيلية الدامية هي وحدها ما يخيف سكان غزة، خاصة النازحين الذين يقيمون في مناطق الخيام، أو في مراكز الإيواء، فظروف الحياة المريرة التي خلقتها الحرب، والسياسات الإسرائيلية المتعمدة لخنق غزة، حولت حياة هؤلاء إلى جحيم لا يطاق.

أزمة النظافة

وتعد أزمة التخلص من مياه الصرف الصحي، وكذلك جمع القمامة من بين المنازل ومن مراكز الإيواء ومناطق إقامة الخيام العشوائية، معضلة صعبة للغاية، في ظل نقص الإمكانيات وزيادة عدد الضغط السكاني على منظومات العمل المختصة في السلطات المحلية، وفي إدارات وكالة “الأونروا”، المختصة بهذا الأمر، ما ينذر بانتشار خطير للأمراض المعدية، خاصة كلما جرى الاقتراب أكثر من موجات الحر وفصل الصيف الذي يطرق الأبواب.

وفي تلك المناطق المتواجدة تحديداً في وسط قطاع غزة، وفي غرب مدينة خان يونس، والتي تكتظ بأعداد كبيرة وغير مسبوقة من النازحين، بعد تركهم مناطق إقامتهم في مدينة رفح بسبب الهجوم البري المستمر، أصبح التخلص من مياه الصرف الصحي أو القمامة، مشكلة يواجهها كل من يقيم في تلك المناطق، والتي لم تستطع السلطات المحلية القيام بدورها بالشكل المطلوب، بسبب نقص الإمكانيات، سواء عربات جمع القمامة، والوقود اللازم لتشغيلها، وكذلك عدم توفر عدد كاف من الموظفين، يستطيع تقديم الخدمة لهذا العدد الكبير من السكان الذين تجمعوا في مكان واحد، بفعل الحرب.

وتمنع سلطات الاحتلال، منذ أكثر من أسبوعين، دخول إمدادات الوقود بالشكل المطلوب إلى قطاع غزة، بعد أن أغلقت معبري رفح البري وكرم أبو سالم.

وكان نحو مليون فلسطيني من قطاع غزة، من سكان مدينة رفح، ومن النازحين الذين كانوا يقيمون في المدينة، قد اضطروا، على مدار الأسبوعين الماضيين، على ترك المدينة، والمغادرة في رحلة نزوح جديدة للإقامة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، وفي مناطق أخرى وسط قطاع غزة، حيث أضيف هذا العدد إلى سكان تلك المناطق، والنازحين الذين كانوا يقيمون هناك، سواء في مراكز الإيواء أو في مناطق الخيام العشوائية.

ففي وسط قطاع غزة، مثل منطقة مخيم النصيرات وبلدة الزوايدة ومدينة دير البلح، التي تكتظ بالنازحين بشكل لم يشهد من قبل، كان حتى قبل اندلاع الحرب يقيم في الأولى نحو 100 ألف ساكن، فيما يقيم في الثانية نحو 20 ألف مواطن، فيما كان يقيم في مدينة دير البلح نحو 80 ألفاً، فيما تضاعف هذا العدد حالياً في كل هذه المناطق، مع استمرار موجات النزوح.

وانعكس الأمر سلباً على حياة السكان والنازحين، الذين يواجهون حالياً مشقة في التخلص من القمامة، فيما يواجه النازحون، إضافة إلى ذلك، مشكلة في التخلص من مياه الصرف الصحي.

وسبق أن أعلنت الأمم المتحدة أن هذا التدفق المستمر من رفح إلى مناطق النزوح الجديدة فاقَمَ أزمة المياه والصرف الصحي، إذ تفيض مياه المجاري وتنتشر القمامة على الطرق وبين مخيمات النزوح وركام المنازل المهدمة، في ظل الآثار الكارثية على الصحة.

ويقول مسؤول في إدارة الصحة والبيئة في وكالة “الأونروا” بمخيم النصيرات، وسط القطاع، إن الطواقم المتوفرة للعمل حالياً لا تكفي كل هذا العدد الكبير الذي وصل إلى مراكز الإيواء، التي تديرها منظمته الأممية، وإلى مناطق المخيمات المعتمدة في “الأونروا” داخل المخيم.

إمكانيات بسيطة

ويشرح هذا المسؤول، الذي طلب عدم ذكر اسمه، لعدم التصريح له بالحديث لوسائل الإعلام، إن ما يجمع من نفايات من مراكز الإيواء، والمتواجدة حالياً في جميع مدارس “الأونروا” في المخيم، وكذلك ما يجمع من داخل مناطق عمل “الأونروا” من مناطق اللاجئين المعتمدة في المخيم، بسبب وصول سكان جدد من النازحين، يقيمون إما في خيام، أو عند أقارب لهم، أو أسفل البنايات، وفي أماكن كانت مخصصة كمحال تجارية، يفوق بكثير قدرات العمل والآليات المتوفرة، لافتاً إلى أن حجم النفايات تضاعفَ أكثر من خمس مرات عمّا كان سابقاً، ما يجعل مهمة الجمع والتخلص منه أمراً صعباً للغاية.

وهذا الأمر أيضاً يواجهه العاملون في السلطات المحلية الحكومية، التي تقوم هي الأخرى بجمع النفايات من مناطق في المخيم والمناطق الأخرى، كبلدة الزوايدة ومدينة دير البلح، إذ تضطر عربات جمع النفايات، أو تلك المختصة في إصلاح خطوط الصرف الصحي التي تتعرض بشكل دائم لانسدادات تجعلها تفيض في الشوارع، وبين مناطق النزوح، للتحرك بشكل متواصل على مدار غالبية ساعات اليوم، في ظل نقص الوقود المخصص لها، والنقص الحاد في العمالة، ما خلق مكرهة صحية تهدد بانتشار أمراض خطيرة معدية بين السكان والنازحين على حد سواء.

وإضافة إلى مشكلة جمع النفايات، تواجه هذه الطواقم المختصة مشكلة في أماكن التخلص منها، بعد أن جرى إغلاق مكبي النفايات الرئيسين المتواجدين على الحدود الشرقية لقطاع غزة، والقريبين من الحدود مع دولة الاحتلال، في اليوم الأول للحرب، وأصبحت طواقم البلديات تقوم بتجميع النفايات في أراضٍ خلاء، امتلأت فوق طاقتها بسبب طول مدة الحرب.

وبالأصل، كان قطاع غزة يعاني، حتى قبل الحرب، من مشكلة إدارة النفايات، حيث كان يتم إنتاج 1,700 طن من النفايات يومياً، ولا يوجد سوى مكبين رئيسيين لاستيعاب هذه الكمية، وكان المكبّان يعملان فوق طاقتهما، بعد أن تراكمت كميات النفايات في المكب الرئيس في منطقة جحر الديك شرق مدينة غزة، من 20 إلى 35 متر فوق سطح الأرض.

وتوجد نقطة التجمع الرئيسة للنفايات الصلبة في مخيم النصيرات في منطقة مقابلة لشاطئ البحر، وحتى وقت قريب كانت هذه المنطقة شبه خالية من السكان، غير أن عملية النزوح المستمرة من مدينة رفح، جعلت المنطقة تفيض بالسكان، ما يعرض حياتهم للخطر.

تفشي الأمراض الخطيرة

وتقول السيدة سمر عبيد، التي نزحت مؤخراً إلى مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، إن اثنين من أطفالها أصيبا بنزلات معوية وإسهال، بسبب عدم توفر النظافة في محيط خيمة النزوح الموجودة في إحدى ساحات المخيم.

وتوضح هذه السيدة لـ “القدس العربي” أن الجميع في منطقة نزوحها يقوم برمي القمامة في أماكن قريبة من الخيام، وأن الكثير من هذه القمامة يتساقط من الأكياس، أو من الأواني البلاستيكية التي توضع فيها، خلال السير لمكان التخلص منها، وتضيف: “بيكون بين الخيام أشياء كثيرة مرمية على الأرض، منها بواقي معلبات اللحوم”، وتشير هذه السيدة إلى أن هذه المخلفات تترك بعد تعفنها روائح كريهة، تضاف إلى تلك الروائح التي تنتج عن عدم القدرة على التخلص بالشكل المطلوب من مياه الصرف الصحي، وتؤكد أن ذلك الأمر يؤدي إلى انتشار خطير للأمراض.

موقع الأمم المتحدة نقل عن الممرض عبد الرحمن أبو عمرة، الذي يعمل في مركز صحي تابع لـ “الأونروا”، القول إن التكدس الكبير داخل مراكز الإيواء وخارجها مع عدم وجود صرف صحي جيد، أدى إلى تفشي التلوث.

وأشار إلى أن تلوث مياه الاغتسال وتنظيف الملابس أدى إلى انتشار إصابات بأمراض جلدية، بما فيها الجرب، فيما تسبب تلوث مياه الشرب في ظهور حالات إصابة بنزلات معوية شديدة وإعياء وإسهال، كما تحدث أيضاً عن تلوث الصرف الصحي الذي أدى إلى “ظهور أمراض مثل التهاب الكبد الوبائي وبعض الأمراض الفيروسية الأخرى”، فضلاً عن تلوث الطعام الشديد مع عدم توافر مياه للغسيل الذي نجم عنه كذلك انتشار للأمراض.

وبين الحين والآخر تنشط مبادرات شبابية محلية تقوم على جمع النفايات ووضعها في مكان واحد، وهناك يجري حرقها، لعدم قدرة طواقم السلطات المحلية على حملها إلى المناطق المخصصة للتخلص منها، غير أن هذا الأمر يفاقم من المخاطر الصحية، بسبب الدخان المتصاعد منها، والذي يحمل روائح كريهة، ويتسبب في انتشار الأمراض.

وتداهم أدخنة النفايات المحترقة خيام النازحين بدون استئذان، كما تداهم المناطق السكنية القريبة من المكان، ويكابد محمود صالح كثيراً في مواجهة هذه الأدخنة الضارة، حيث يضطر لإغلاق نوافذ المنزل في هذا الجو الحار، ويقول لـ “القدس العربي” إن الأمر محفوف بالخطر، أولاً بسبب عدم قدرة أطفاله على احتمال عدم وجود تيار هوائي في المنزل بعد إغلاق النوافذ، والخشية من وقوع غارة قريبة، ما يؤدي إلى تحطم النوافذ والأبواب بسبب إغلاقها المحكم، حيث تعتاد الأسر في غزة، وحتى في فترة البرودة في فصل الشتاء على فتح النوافذ، في خطوة تقلل من خطر تحطمها بفعل الغارات القريبة.

تكدس القمامة

وفي مناطق النزوح العشوائية، أو حتى في مراكز الإيواء، تفوح روائح كريهة جداً من مناطق دورات المياه، حيث شيد ساكنو مناطق النزوح العشوائية التي تكثر فيها الخيام دورات مياه بدائية بسيطة، تصنع جدرانها إما من الخشب أو من قطع بلاستيكية، ويجري التخلص من مياه الصرف الصحي من خلال حفرة في الأرض، لا يوجد لها أغطية تحجب الرائحة، وتفيض بعد امتلائها بين الحين والآخر، فيما تفيض دورات المياه في مراكز الإيواء بشكل مستمر، لعدم قدرتها على تلبية احتياجات العدد الكبير من النازحين.

وأدى ذلكن إلى جانب تكدس أكوام القمامة، إلى انتشار الحشرات والذباب بشكل كبير، ويشتكي السكان من تعرضهم للسعات البعوض التي أثرت بشكل خاص على الأطفال.

ويقول محمد أبو شهلا، الذي وصل مؤخراً إلى وسط قطاع غزة في رحلة نزوح جديدة، قادماً من مدينة رفح، والتي لجأ إليها بعد خروجه من شمال القطاع: “الآن نحن كنازحين في صراع مع الحشرات، مع النمل والبعوض مساءً والذباب نهاراً”.

ويوضح لـ “القدس العربي” أن أحداً من النازحين الذين يقيمون في خيام بلاستيكية لا يمكنه تحمل ارتفاع درجات الحرارة تحت ظل الخيام، ولا انتشار الذباب بشكل كبير في هذه الأوقات.

ويقول هذا الرجل إن خيار الجلوس داخل الخيمة صعب في ظل ارتفاع درجات الحرارة، بعد أن شبهها بـ “موقد نار”، فيما الجلوس خارجها أمر أكثر صعوبة، بسبب تجمع النفايات حولها، وكذلك بسبب وجود برك صغيرة تتجمع فيها مياه الصرف الصحي، ذات الرائحة الكريهة.

ومن المؤكد أن هذه المشاكل الصحية، التي تنذر بعودة تفشي أمراض خطيرة مثل أمراض الالتهاب الكبدي، وكذلك النزلات المعوية، ستتفاقم مع استمرار الأوضاع على ما هي عليه، بسبب الحرب الإسرائيلية.

وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد حذر من أزمة بيئية وصحية وشيكة، بسبب تراكم تلك المخلفات وأكوام النفايات، وأكد أن مسألة إدارة النفايات الصلبة في غزة أصبحت حاجة ملحة، وتتطلب دعماً وحلولاً فورية، فيما حذرت منظمة الصحة العالمية من تأثير نقص المراحيض وخدمات الصرف الصحي على الناس في غزة، الذين لا يستطيع الكثير منهم الوصول إلى المرافق الصحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    حولوا القمامة إلى صواريخ فلسطينية أحرقوا بها تل أبيب يا حبيب ✌️🇵🇸😎☝️🚀🐒🚀🐒🚀🐒🚀

  2. يقول القاضي دربالة:

    جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في غزة فاقت كل الجرائم المقترفة في كل الحروب السابقة من حيث النوعية و الكمية ، فإذا ما حسبنا نسبة الشهداء والمصابين من الغزاويين لعدد سكانها ، فــ 36000 شهيد تشكل نسبة 1.8 من سكان غزة البالغ عددهم 2 مليون نسمة ، لو افترضنا أن هذه النسبة 1.8 سقطت في حرب على الولايات المتحدة ( إن شاء الله ) فعدد القتلى سيكون: 6,152,659.56 أي أكثر من 6 ملايين .. هل عرفتم الآن فداحة الخسائر البشرية التي اقترفتها آلة الدمار الإسرائيلية الهمجية .. هل حدث مثل هذا في التاريخ ؟؟؟ الولايات المتحدة الأمريكية لم تخسر في الحرب العالمية الثانية أكثر من 400 ألف قتيل !! بل إن ألمانيا خسرت قرابة 2 مليون قتيل فقط في سبع سنوات أي أقل من نسبة ما قتل لحد الآن في غزة بـ 3 مرات في 7 أشهر فقط .. حسبنا الله ونعم الوكيل .

اشترك في قائمتنا البريدية