حرب غزة تنهك إسرائيل اقتصاديا وتلقي بها إلى مصير مجهول

إبراهيم نوار
حجم الخط
1

الحرب على جبهات متعددة لا تعني الجبهات الجغرافية فقط، وإنما تعني أيضا الجبهات الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية والقانونية وغيرها. وبسبب طبيعة حرب غزة التي فرضتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني بأنها حرب وجود «إما أنا وإما أنت» وليست مجرد حرب منتصر ومهزوم، يصبح من الضروري على الفلسطينيين تبني استراتيجية لإنهاك إسرائيل على كل الجبهات، جغرافيا في غزة والضفة والقدس الشرقية، واقتصاديا وسياسيا وإعلاميا وقانونيا. كما يصبح من الضروري أيضا تبني استراتيجية للإنهاك طويل المدى، وليس تلك التي يستنفذ فيها المقاتل قوته في ضربة واحدة ثم يخور. وفي تناول الحديث عن الحرب ضد إسرائيل على الجبهة الاقتصادية، فإن العلاقة المباشرة وغير المباشرة بين الحرب والاقتصاد تقول بوضوح إن الاستمرار في الحرب يحتاج إلى اقتصاد قوي، كما قال محافظ بنك إسرائيل أمير يارون في مناسبتين مختلفتين خلال الأسبوع الماضي. الأولى كانت محاضرة ألقاها في أكاديمية العلوم الإدارية الإسرائيلية في 30 من الشهر الماضي، والثانية كانت في كلمته التي ألقاها في المؤتمر السنوي لصحيفة «جيروساليم بوست» في 3 من الشهر الحالي، وهو المؤتمر الذي انعقد هذا العام في نيويورك. في كل من الكلمتين، والمناقشات التي دارت حولهما كان يارون واضحا في أنه كلما طالت مدة الحرب قلت قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على التحمل، وزادت حاجة الحكومة إلى التمويل بالعجز والاقتراض من الخارج وأيضا إلى تخفيض الإنفاق، وهو ما يستنزف قوتها، ويقلل قدرتها على مواصلة الحرب. ما لم يقله يارون هو أن زيادة حاجة إسرائيل إلى المساعدات الخارجية لتمويل الحرب يضع قيودا على استقلالها المزعوم، ويكشف حقيقة أنها لا تختلف في علاقتها بالولايات المتحدة عن جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية التي تعيش أنظمتها السياسية في ظل الحماية العسكرية والمساعدات الاقتصادية الأمريكية. كما أن متابعة خسائر إسرائيل الاقتصادية خلال الأشهر الثمانية الماضية تظهر بما لا يدع مجالا للشك تناقص قدرة إسرائيل على جذب الاستثمارات الأجنبية والتصدير للخارج وجلب السائحين والمحافظة على مستوى كاف من النمو لتمويل الحرب. وتظهر مؤشرات خسائر الحرب كذلك تناقص حصيلة الحكومة من الضرائب، وارتفاع تكاليف استيعاب وتسكين النازحين الإسرائيليين الذين تم نقلهم من مدن ومستوطنات محيط قطاع غزة، ومدن ومستوطنات الشمال المواجهة للحدود اللبنانية، الذين يزيد عددهم عن 100 ألف شخص.

تراجع النمو

كلما طالت الحرب فإنها ستجبر إسرائيل على اتخاذ إجراءات مالية مؤلمة، حتى تأتي اللحظة التي تتعارض فيها احتياجات تمويل الحرب مع احتياجات الاستثمار في القطاعات التي تحقق النمو مثل التعليم والبنية الأساسية. الطريق الأسهل في هذه الحالة هو زيادة الاعتماد على الخارج، وتمويل كل من الحرب والاستثمار بالاعتماد على القروض والمساعدات. هذا ما قاله محافظ بنك إسرائيل أمير يارون منذ عدة أيام في المؤتمر السنوي لصحيفة «جيروساليم بوست». وقال يارون إنه إذا كان من المسلم به أن الاقتصاد المزدهر يحتاج إلى الأمن، فإنه يجب أن يكون واضحا أيضا أن الأمن يحتاج إلى اقتصاد قوي. وأضاف أن الاقتصاد الإسرائيلي تأثر سلبا بظروف الحرب على غزة، لكنه يواجه يوما بعد يوم تحديات كبيرة ستترك آثارها السلبية. وذكر على وجه التحديد تحدي نقص البنية الأساسية بما فيها التكنولوجية، وتحدي نقص قوة العمل مشيرا إلى انخفاض مساهمة جزء من القوة البشرية في العمل مثل المرأة في التجمعات الدينية اليهودية المحافظة، وأن تحدي زيادة مساهمة المرأة في الاقتصاد يحتاج إلى مجهود كبير لتطوير قوة العمل الإسرائيلية الماهرة، لإعادة التوازن إلى هيكل قوة العمل الفعلية في إسرائيل.
ومع استمرار الحرب فإن أعدادا أكبر من العاملين تخرج من عملية الإنتاج للمشاركة في الحرب. وقد أعلنت الحكومة رفع سقف الحد الأقصى لعدد جنود الاحتياط المستدعين من القطاعات المدنية للمشاركة في الحرب بنحو 50 ألف شخص إلى 350 ألفا بدلا من 300 ألف بنسبة زيادة تصل إلى 17 في المئة. وفي حال اتساع النطاق الجغرافي للعمليات العسكرية في 3 جبهات رئيسية هي قطاع غزة والضفة الغربية ومنطقة الحدود مع لبنان، فإن سحب أعداد أكبر من القطاعات المدنية من شأنه أن يترك أثرا سلبيا عميقا على مستوى النمو وتوازن هيكل الإنتاج. وكان البنك المركزي الإسرائيلي في مراجعته الأخيرة للوضع الاقتصادي قد خفض معدل النمو المتوقع في العام الحالي إلى 2 في المئة. لكن التطورات الأخيرة على صعيد الحرب ومخاطر اتساعها على جبهات متعددة دفعت مؤسسات مالية ووكالات تصنيف ائتمانية عالمية إلى تقديم توقعات أقل وأن تؤدي المشكلات العالقة في قطاعات أخرى، كالبناء والزراعة، إضافة إلى تأثير ارتفاع مستوى التوتر الأمني على الصعيد الإقليمي وحالة عدم اليقين وغياب الاستقرار السياسي محليا الذي يؤدي إلى إعاقة حالة التعافي بالشكل المأمول هذا العام. وقدرت مؤسسة «ستاندرد آند بورز» أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل خلال العام الجاري بنحو 0.5 في المئة فقط هذا العام، وهو ما يعادل رُبع تقديرات بنك إسرائيل البنك المركزي وصندوق النقد الدولي التي تصل إلى نحو 2 في المئة. لكن الجميع يتفق على أن استمرار الحرب على غزة يأخذ الاقتصاد إلى مصير مجهول.
كذلك فإن توقعات بنك إسرائيل مبنية على أساس أن الحرب ستستمر حتى نهاية العام الحالي، وأن تداعياتها الاقتصادية ستستمر حتى نهاية العام 2025 وهو ما يكلف الاقتصاد الإسرائيلي طبقا للحسابات المعدلة بواسطة البنك ما يقرب من 253 مليار شيكل أي ما يعادل 67 مليار دولار تتضمن النفقات العسكرية والاحتياجات المدنية المرتبطة بالحرب، وكمية الضرائب المفقودة بسبب الحرب حتى عام 2025. هذا التقدير من جانب بنك إسرائيل لتكلفة الحرب بقيمة 253 مليار شيكل يزيد بنحو 53 مليار شيكل أي بنسبة 25 في المئة تقريبا عن تقدير سابق أعده البنك بقيمة 200 مليار شيكل بعد أسابيع قليلة من بداية الحرب. وحذر المحافظ من أن تمويل الحرب قد يستهلك نسبة أكبر من الناتج المحلي، خصوصا إذا حصل قادة الحرب على «شيك على بياض». ونظرا لأن الحرب لا يمكن أن تستمر من دون اقتصاد قوي، فإنها لا يجب أن تحصل على «شيك على بياض» يؤدي لإضعاف الاقتصاد. وفي عرضه لتفاصيل احتياجات تمويل الحرب قال أمير يارون أن ما يقرب من نصف التكلفة، أي حوالي 118 مليار شيكل إسرائيلي جديد تغطي الاحتياجات العسكرية فقط، إضافة إلى ذلك فإن تمويل الاحتياجات المدنية يستهلك نحو 38 مليار شيكل حتى عام 2025 بما في ذلك نفقات إخلاء النازحين، وإيجاد سكن بديل لهم. ويقدر البنك المركزي أن خسائر الضرائب المفقودة بسبب فقد أيام العمل والإنتاج تصل إلى 35 مليار شيكل، إضافة إلى ما يقرب من 23 مليار شيكل لتعويض خسائر الحرب.

تدهور الزراعة والتشييد والسياحة

مع تراجع النمو الاقتصادي بشكل عام، فإن قطاعات الزراعة والتشييد والسياحة والتكنولوجيا كانت هي الأكثر تضررا بين قطاعات الاقتصاد المختلفة. ويعود ذلك بصورة جوهرية إلى تأثير الخلل في قوة العمل بالنسبة لقطاعات الزراعة والتشييد، بسبب توقف دخول العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة للعمل في إسرائيل. وترتفع نسبة العمل الفلسطيني في هذين القطاعين إلى ما يقرب من 30 في المئة، الأمر الذي يضطر إسرائيل حاليا إلى استيراد عمالة بأعداد كبيرة من الخارج، للحلول محل العمال الفلسطينيين، وتعويض نقص العمالة الإسرائيلية بسبب ارتفاع نسبة استدعاء جنود الاحتياط للمشاركة في الحرب. كذلك فإن استدعاء جنود الاحتياط ترك تأثيرا كبيرا على قطاع الشركات التكنولوجية الناشئة، التي تعرضت لأضرار مزدوجة نتيجة لانخفاض العمالة وتراجع حجم الاستثمارات بما يصل إلى 30 في المئة خلال الأشهر الثمانية الماضية. أما قطاع السياحة، فقد تعرض لانخفاض حاد في عدد السياح، وفقا لبيانات مكتب الإحصاء المركزي، فخلال الشهور الأربعة الأولى من العام الحالي، انخفض عدد السياح القادمين إلى إسرائيل بنسبة 40 في المئة مقارنة بالفترة نفسها العام الماضي. وفي الوقت نفسه فقد تراجع نمو الصادرات والاستثمار.

زيادة العجز والديون

حيث أنه يتم تمويل نسبة متزايدة من النفقات المترتبة على الحرب بالديون، فإن التكلفة الاقتصادية للحرب تتضمن أيضا 9 مليارات شيكل عبارة عن فوائد على الديون الحكومية. نسبة الفوائد المستحقة على الديون ستواصل الارتفاع مع زيادة حاجة الحكومة للاقتراض وقد تجاوزت حاليا 5 في المئة للمرة الأولى منذ عام 2011. وقد دخلت إسرائيل الحرب وهي تملك احتياطي من العملات الأجنبية بقيمة 200 مليار دولار تقريبا تعادل 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. هذا المستوى المرتفع من الاحتياطي ساعد على طمأنة الحكومة بشأن مواجهة احتياجات تمويل الزيادة في الإنفاق العسكري. وقد مرت إسرائيل بهذه التجربة عدة مرات مثل الفترة بين عامي 1967 و 1972 عندما بلغ متوسط الإنفاق العسكري ما يتراوح بين 20.3 في المئة من الناتج، ثم واصل الارتفاع ليصل إلى 28.7 في المئة خلال الفترة من 1973 إلى 1975 ثم عاد بعد ذلك للاستقرار حول 20.8 في المئة في السنوات العشر التالية. لكنها تواجه ظروفا مختلفة هذه المرة.
وتركز السياسة الاقتصادية في الوقت الحاضر على عدم التوسع في الديون، وألا يخرج الدين العام عن نطاق السيطرة، ومع ذلك فإن الصدمات الاقتصادية المحتملة يمكن أن تقذف بالاقتصاد إلى هذا المسار الخطير وأن تلقي به إلى المجهول. وتضمنت التداعيات الاقتصادية لحرب غزة انكماش الاقتصاد الإسرائيلي بمعدل سنوي بلغ 21.7 في المئة في الربع الأخير من عام 2023. ومع أن هذا الانكماش انقلب إلى نمو إيجابي في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 14.1 في المئة، فإن إسرائيل تبدو مهزوزة اقتصاديا بسبب العجز المالي، وصدمات العرض الطلب. في الربع الأخير من عام 2033 زاد من حدة الانكماش هبوط الاستهلاك بنسبة 27 في المئة في حين وصلت نسبة الهبوط في الاستثمار إلى 70 في المئة سنويا. وطبقا لتقرير حكومي كشفت عن بعض محتوياته هيئة الإذاعة الإسرائيلية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، فإن التكلفة الشهرية لاستدعاء جنود الاحتياط للخدمة تبلغ 5 مليارات شيكل أو ما يعادل 1.3 مليار دولار. وإضافة إلى ذلك تم تقدير تكلفة أيام العمل الضائعة بسبب استدعاء الاحتياطي بحوالي 1.6 مليار شيكل ما يعادل 427 مليون دولار.
وطبقا للتقديرات المعدلة في شهر اذار/مارس فقد تم تحديد ميزانية العام الحالي بقيمة 584 مليار شيكل (ما يعادل 160 مليار دولار) وكان قد تم قبل ذلك تعديل العجز المالي المتوقع بزيادته إلى ما يعادل 6.6 في المئة من الناتج مقابل 2.25 في المئة قبل الحرب. لكن عددا من الخبراء الاقتصاديين يعتقدون أن هذا العجز غير واقعي وأنه من المتوقع أن يكون في حدود 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي أو أكثر. وتتضمن الحلول المقترحة لتمويل العجز إصدار أوراق مالية حكومية بقيمة 60 مليار دولار، إضافة إلى زيادة الضرائب، وتخفيض الإنفاق العام. لكن ما يخشى منه خبراء وزارة المالية والشخصيات المستقلة هو خروج الإنفاق العسكري عن نطاق السيطرة، الأمر الذي قد يسبب شللا اقتصاديا لسنوات قادمة على غرار ما حدث بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973 عندما وصل الإنفاق العسكري إلى حوالي 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وكانت النتيجة أن الاقتصاد تعرض لموجة تضخم واسعة النطاق، كما عجز عن تحقيق نمو حقيقي لمدة عشر سنوات تقريبا.

حدود المساعدات الأمريكية

بدأت إسرائيل تدرك أخيرا أن المساعدات الأمريكية التي تحصل عليها ليست شيكا على بياض، وإنما هي لا يجب أن تتعارض مع السياسة الخارجية الأمريكية، وذلك على الرغم من قوة اللوبي الصهيوني في الكونغرس بمجلسيه، وكذلك في البيت الأبيض. وقد وصل الأمر في هذا الشأن إلى اتخاذ قرار رمزي في واشنطن الشهر الماضي بتعطيل إرسال شحنة أسلحة إلى إسرائيل، وتم بعد أيام التصريح بإرسالها. ومع طول مدة الحرب فإن حاجة إسرائيل إلى الإمدادات العسكرية والمساعدات الاقتصادية من الولايات المتحدة ستزيد بمعدلات سريعة، خصوصا إذا امتدت الحرب إلى جبهات متعددة في وقت واحد. وتعتمد إسرائيل في تسليحها بنسبة كبيرة على الولايات المتحدة كما تعتمد عليها أيضا في المساعدات الاقتصادية.
ويقدر مجلس الشؤون الخارجية الأمريكي أن مجموع المساعدات الحكومية العسكرية والاقتصادية التي حصلت عليها إسرائيل من الولايات المتحدة منذ قيام الدولة في ايار/مايو 1948 حتى الشهر الماضي بحوالي 310 مليارات دولار (بعد ترجيحها بمعدل التضخم السنوي). وبينما تلقت إسرائيل مساعدات اقتصادية سخية بين عامي 1971 و2007 فإن معظم المساعدات تتركز في المجالات العسكرية. وبعد حرب غزة قامت الإدارة الأمريكية بإصدار قانون يقضي بتقديم مساعدات عسكرية إلى إسرائيل بقيمة 12.5 مليار دولار على الأقل. وتحصل إسرائيل ضمن هذه المساعدات على 3.3 مليار دولار سنويا في صورة منح، أي لا تستردها الولايات المتحدة، بشرط أن يتم استخدامها في شراء أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية أمريكية. وتتضمن أموال المساعدات كذلك 500 مليون دولار سنويا لتمويل مشروعات أمريكية- إسرائيلية مشتركة وشراء أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية من شركات صناعة السلاح الإسرائيلية. ومن أهم المشروعات التي يتم تمويلها أو إنتاجها بشكل مشترك منظومات الدفاع الصاروخي الرئيسية «القبة الحديدية» للدفاع الصاروخي القصير المدى، ومنظومة آرو للدفاع الصاروخي الاستراتيجي، ومنظومة «مقلاع داوود».
وطبقا لاستخدام الحصيلة النهائية للمساعدات العسكرية الأمريكية فإنها تغطي ما يقرب من 15 في المئة من نفقات الحرب في إسرائيل. وفي 24 من ايار/مايو الماضي رحبت الإدارة الأمريكية بطلب تقديم مساعدات عسكرية إلى إسرائيل بقيمة 18 مليار دولار لتغطية تكلفة شراء 50 طائرة إف-15 المطورة. كما تردد أن إسرائيل تتعاقد مباشرة مع شركات سلاح أمريكية لاستيراد طائرات استطلاع مسيرة ومعدات عسكرية متقدمة تكنولوجيا.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول abuelabed.:

    ان شاء الله الى الجحيم.

اشترك في قائمتنا البريدية