حرية تعبير، سذاجة، أم تجديف؟ رسومات في صحيفة دانماركية تُحرّك الشارع العربي

حجم الخط
0

حرية تعبير، سذاجة، أم تجديف؟ رسومات في صحيفة دانماركية تُحرّك الشارع العربي

منير عبد المجيدحرية تعبير، سذاجة، أم تجديف؟ رسومات في صحيفة دانماركية تُحرّك الشارع العربييولاندس بوستن (Jyllands-Posten)؟ من كان علي معرفة بهذا الاسم العجيب؟. لاحظ من فضلك الاسم بالأحرف اللاتينية، ومن ثمة لفظه وطريقة نطقه بالعربية.يولاندس بوستن هو الاسم التي تحمله أكبر صحيفة دانماركية يومية (هذا يُقاس بعدد الإشتراكات والمبيعات بطبيعة الحال)، وهي ليست رسمية، أو ناطقة باسم أي حزب سياسي (كما وُصفت مؤخراً في الإعلام العربي)، إلا أنها يمينية الإتجاه، أسوة ببقية الصحف التي تُحسب علي إتجاه سياسي ما. وهذه مسألة معروفة في الصحافة العالمية الحرة أيضاً.القصة من البدايةلم يجرؤ أي من الرسامَين اللذيْن قاما بتزيين كتاب الأطفال للمؤلف كور بلوتاين عن النبي محمد الإشهار عن إسميهما، خشية ردود فعل الجالية المسلمة (حوالي مائتي ألف يشكلون 3% من عدد السكان الإجمالي، والإسلام يُعّد ثاني أكبر ديانة بعد المذهب الإنجيلي اللوثري)، مما أثار زوبعة من الإنتقادات في الأوساط الإعلامية.المحرر الثقافي في صحيفة يولاندس بوستن يُرسل كتاباً يدعو فيه 40 رسّاماً يحثّهم علي رسم النبي، 12 منهم يلبي الدعوة.يوم الجمعة بتاريخ 30 ايلول (سبتمبر)، وعلي الصفحة الثالثة في القسم الثقافي نُشرت رسومات كاريكاتورية بلغ مجموعها 12، واحدة منها تُظهره حاملاً قنبلة في عمامته، علي سبيل المثال وليس الحصر.الصمت مطبق كلياً ذاك اليوم، ردّة الفعل الوحيدة جاءت من حفنة من أصحاب أكشاك الصحف المسلمين، الذين رفضوا تعليق الصحيفة في محالهم.إحتاج الأمر عدة أيام لتسارع الأحداث علي نحو غير إعتيادي. إمام في مدينة اورهوس (التي فيها المكاتب الرئيسية للصحيفة) يطالب الصحيفة بالإعتذار، وفي يوم الجمعة التالي يوجه الأئمة عند صلاة الجمعة إنتقاداً شديد اللهجة.11 سفيراً معتمداً من البلاد الإسلامية (تقودهم السفيرة المصرية) يطالبون مقابلة رئيس الوزراء الدانماركي (يرجي ملاحظة نطق إسمه بالعربية هنا أيضاً) أندرياس فو راسموسن (Anders Fogh Rasmuen)، بغية الحصول علي وعد بشجب خطوة يولاندس بوستن. رئيس الوزراء يرفض مقابلة السفراء ويكتفي بإرسال كتاب يوضح فيه عزمه علي عدم التدخل في المسألة، كونها ترتبط بمبدأ حرية التعبير والصحافة التي تشكل العمود الفقري للنظم الديمقراطية، ويشير إلي إمكانية اللجوء إلي القضاء للبتّ في القضية.بعد عدة أيام يجتمع ما يقارب 3 آلاف مسلم في ساحة روذهوس بلاسن وسط مدينة كوبنهاغن، في مظاهرة صاخبة تعبيراً عن غضبهم.آلاف من رسائل القراء في كل الصحف الدانماركية (مع أو ضد) تناقش بحدة مبدأ حرية التعبير، يقوم علي إثرها جهاز المخابرات الدانماركية بإخفاء أو حراسة عدد من الرسامين، بعد تعرضهم إلي تهديدات مباشرة.الخبر بدأ ينتشر في العالم. مظاهرات في الباكستان تندد بالدانمارك. منظمة المؤتمر الإسلامي (57 دولة) نددت في بيان اتسم بالدبلوماسية برسومات يولاندس بوستن، وذلك أثر إنعقاد جلساتها الأخيرة في جدة (السعودية). وطالبت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) بمقاطعة المهرجان الثقافي صور من الشرق الأوسط (Images of the Middle East) الذي سيقام في الدانمارك صيف هذا العام، وعلاوة علي ذلك طالبت مركز التعاون الثقافي للتعاون مع الدول النامية (المسؤول عن تنظيم مهرجان صور من الشرق الأوسط) بإنتقاد الحكومة الدانماركية بسبب الموقف الذي اتخذته نحو المشكلة. وذلك قبل أن يجتمع المدير العام للمنظمة الدكتور عبد العزيز التويجري بالدكتور محمد فؤاد البرازي رئيس الرابطة الإسلامية في الدانمارك قبل بضعة أيام.في الدانمارك وجّه 22 سفيراً دانماركياً متقاعداً، أدوّا خدماتهم في مختلف الدول الإسلامية، إنتقاداً شديد اللهجة إلي الصحيفة، وفي ذات الحين رئيس الوزراء بسبب عدم رغبته مقابلة سفراء الدول الإسلامية. تلا ذلك إنتقاد مماثل من رئيس الحزب الليبرالي الأسبق أوفه إليمان ينسن، أحد الشخصيات السياسية المرموقة في البلاد.وفي الوقت ذاته سافر وفد يمثل مكاتب الوقف الإسلامي الدانماركي بزيارة إلي الشرق الأوسط مطالبين بموقف رسمي يضغط علي الحكومة الدانماركية للقيام بمبادرة حسن نيّة.منظمة التعاون الإسلامي هددت بدفع أعضائها (51 عضواً) إلي إتخاذ خطوات بمقاطعة إقتصادية وسياسية للدانمارك.إضافة إلي آلاف ردات الفعل في كل أنحاء العالم، حيث لا مجال وسعة هنا لذكرها، فإن القصة لم تنته بالتأكيد، لا بل قد تكون بدايتها.هل هي مسألة سوء فهم؟ربما، لا بل نعم ولا. هي تتعلق، وهذا أمر مؤكّد، بما يجري في الدانمارك، بل في الغرب عامة، من نقاشات ودراسات وتغيير حكومات وتشكيل أحزاب جديدة وخطط استراتيجية وغير استراتيجية… لتصب كلها في مسألة المغتربين، اللاجئين والمهاجرين المسلمين. هل هم عبء أم ثروة في في الغرب؟، هذا هو بيت القصيد، فكيفما قلبت وأدرت المسألة فإنها ستقود إلي التساؤل ذاته.لنعود إلي الدانمارك، التي يقودها حزب اليسار الراديكالي (لا يغرنكم الإسم، كلمة يسار أطلقت علي نوابه الذين كانوا يتكتلون في جهة اليسار من صالة البرلمان)، وهو حزب يميني ليبرالي شكل حكومة الفترة الإنتخابية الثانية علي التوالي مع حزب الشعب المحافظ، وبدعم وأصوات حزب الشعب الدانماركي اليميني المتطرف (زعيمته ومسؤوليه حُوكموا مرّة تلو الاخري بتهم عنصرية) الذي حاز علي 13% من أصوات الناخبين. وكون الحزب الأخير يشكل القاعدة البرلمانية للحكومة، فإنه بالمقابل فرض ويفرض سياسته التي تتميز بالتشدد والتطرف، خاصة تلك الموجهة إلي الجاليات المسلمة. وقيام الحكومة، برئاسة أندرياس فو راسموسن بسنّ القوانين المتعلقة بهذه الجاليات، والتي مررّها حزب الشعب عنوة وترغيباً، يجعل من الدانمارك واحدة من أكثر الدول الغربية تطرفاً في هذا المجال.القوانين المتشددة، جو الحوار الأرعن الذي بات يسود الآن الشارع الدانماركي، زاد من حدة عزلة الجالية المسلمة. وحالة العزلة هذه قد تؤدي إلي أخطاء، هي شبيهة بتلك التي أصابت السود في أمريكا، والأخطاء تأتي من الجانبين، الدانماركي والمسلم، الذي إن أردت أم لا، يؤدي إلي ذاك الفصل المأساوي بين هم و نحن . الدانماركيون، وبعد عدة أجيال من المغتربين، لم يتعودوا علي تقبّل هؤلاء كجزء من شريحة إجتماعية دانماركية أكبر. فالمغتربون ما زالوا أجانب ، وأولادهم وأولاد أولادهم يُدعون بالجيل الثاني من المغتربين، رغم ولادتهم في الدانمارك، وتمتعهم بالجنسية الدانماركية، ومعرفة شبه معدومة بلغة الآباء والأجداد، فإنهم غرباء وأجانب. هذه الحجة تؤكدها أرقام البطالة العالية في صفوف هؤلاء، في بلد يحتاج إلي يد عاملة. أليست هذه مفارقة مذهلة؟. فلماذا التعجب من إرتفاع نسبة الجريمة لدي الأجانب (53 جريمة قتل عام 2005 منها 21 علي يد الأجانب). هذا، بالتأكيد، ليس تبريراً، بل تحصيل حاصل. لماذا ينتمي عدد أكبر وأكبر من الشبان إلي الحركات الأصولية الإسلامية؟، هل هو بسبب الضغط الإجتماعي المرعب الذي يُمارس عليهم يوماً بعد يوم؟ أم هو بسبب الأئمة الذين ينفخون بشدة علي نار مستعرّة كل يوم جمعة، وفي كل حلقة إجتماع دينية في مسجد ما هنا وهناك؟. علي فكرة، الدانمارك هي البلد الغربي الوحيد الذي لا يوجد فيه جامع كبير، وكل محاولات الجالية المسلمة بتشييد هكذا مسجد عارضها بشدة كل من له رأي نافذ في هذا البلد.النقد، كإنصاف، لا يوجه إلي الدانمارك الرسمية التي لا تعرف حتي هذه اللحظة كيفية التعاطي مع مشاكل الدمج والإندماج، والدانمارك-الشارع فقط. بل إلي الجالية المسلمة، وبالتحديد العربية، التي تقوم بعزل نفسها، عوض أن تساهم في الحوار. والمساهمة في الحوار لا يمكن أن تتّم إلا بلغة واحدة: النقاش المفتوح، الهادئ، إحترام الرأي المعاكس، وتوظيف واستغلال هبة الديمقراطية المقدسة. ردّة فعل رئيس الوزراء الدانمركي بعدم التدخل في مسألة رسوم يولاندس بوستن الكاريكاتورية ورفضه مقابلة السفراء المسلمين هفوة، قد يؤدي التراجع عنها فيما بعد كارثة سياسية لشخصه كرئيس للوزراء. إلا أنه، وبلفتة ذكيّة، وكما بدا واضحاً في خطابه للأمة عشية العام الجديد، بدا أنه لا يحبذ ما فعلته الصحيفة، وهذا كافٍ ووافٍ. وإتصال وزير الخارجية الدانماركي بأمين الجامعة العربية عمرو موسي، بغية وضع الغطاء علي الطنجرة، لفتة دبلوماسية اخري تؤكد عدم رضي الموقف الرسمي الدانماركي علي فعلة يولاندس بوستن.قد يقول قائل أن هذه الرسومات لا تدخل حيز حرية التعبير فحسب، بل تتجاوزه إلي حد التجديف بحق الإسلام والمسلمين. هذا صحيح إلي حد ما، وليس كاملاً، فالمحرر الثقافي في يولاندس بوستن لم يحسب لثانية واحدة حجم القصة الذي بلغته حتي الآن. سذاجة وغباء؟ ربما. ردّة الفعل كان ويجب أن لا تتجاوز التظاهر والإستنكار، أو حتي الشروع برفع دعوي قضائية قد تؤدي إلي توبيخ، وفي أحسن الحالات عقوبة الصحيفة.علي نحو يومي يقوم الرسامون بتقديم رئيس الوزراء هنا علي شكل رجل بدائي من العصور السحيقة حاملاً هراوة. ومداعبات الرسامين تصل إلي كل شخص معروف في هذه البلاد، بدءاً بالملكة وحتي أصغر وزير أو سياسي. وهنا لا أقصد إجراء أي تشبيه، بل أود الإشارة إلي تقليد سار في الغرب.صور من الشرق الأوسطالدعوة إلي مقاطعة هذا المهرجان غبية، تماثل غباء صحيفة يولاندس بوستن. ورغم أنه ليس من الجلي إنها نتجت عن جولة قام بها وفد من اللوبي العربي هنا إلي بعض البلاد العربية. الوفد صرّح، علي لسان الناطق باسمه، أن جولته الشرق الأوسطية كانت شرح الظروف والأوضاع التي أدت إلي نشر الصور في يولاندس بوستن.لماذا الإقدام علي هكذا جولة؟ لماذا لا يقوم هذا اللوبي بحشد قواه وإمكاناته هنا في البلاد، بدل تبديدها في لقاءات متشجنة لا تؤدي سوي إلي تعقيد المسألة والإضرار بالجالية المسلمة والدانمارك. هذا البلد الذي حواهم ومنحهم اللجوء والحماية، في الوقت الذي كانوا في أشّد الحاجة إليها. حينها لم تقم تلك البلاد الشرق أوسطية بحمايتهم، بل عملت إلي لفظهم عنوة.لقد اخترنا الدانمارك موطناً لنا، لذا فإننا ملزمون بواجبات المواطنة والولاء. هذا لا يمنع من الإنتقاد واللجوء إلي كل السبل المتاحة للدفاع عن قضية ما. لكن هذا يفترض أن يجري محلياً، وليس في الشرق الأوسط.إبتداءً من 12 آب (اغسطس) وإلي 20 ايلول (سبتمبر) ستكون المدن الدانماركية الرئيسية مسرحاً لفنون وإبداعات 22 بلد شرق أوسطي متمثلة بـ 500 فنان (سينما، موسيقي، رقص، شعر، تصوير..)، في تظاهرة ثقافية ذات أبعاد كبيرة، وذلك في فعاليات مهرجان صور من الشرق الأوسط. فما هي الآلية التي دفعت بالبعض إلي المطالبة بمقاطعة هذا المهرجان؟ ومن يتضرر من هذه المقاطعة؟ الدانمارك؟ نعم قليلاً، أما المتضرر الأكبر فهو بالتأكيد الشرق الأوسط، ونحن كجالية نتضرر مرتين، مرّة لأننا دانماركيون، وثانية لأننا كنا شرق أوسطيين.آمل أن يساهم هذا الرأي بتبديد بعض الشكوك، وفهم اللعبة الديمقراطية في هذه البلاد، الجانب المّر منها أيضاً. وآمل أن يدفع عدداً أكبر من الفنانين للمساهمة في تظاهرة صور من الشرق الأوسط (راجع www.dccd.dk للمزيد من التفاصيل).ہ ناقد من سورية يقيم في الدانمارك0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية