حسن سرحان: مصطلح السرد المستحيل لم يستعمله أحد باللغة العربية

في محاولة جادة ورصينة اجترح الناقد العراقي المقيم في فرنسا حسن سرحان مصطلحا نقديا عربيا جديدا، ليضعه في السردية العربية التي تهتم بعموم السرد والرواية تحديدا، متخذا من نماذج عراقية وعربية مختلفة أنموذجا لطرحه هذا المصطلح النقدي، الذي أمضى ست سنوات في بحثه والتعمق فيه، وكتب عشرات المقالات ليتوجها بكتاب حمل عنوان «السرد المستحيل» الذي حاول فيه منح هذا المصطلح مداه الأوسع في النقدية العربية، باعتبار أن هذا النوع من الدراسات يعنى بالحكي غير الطبيعي، أو السرديات التي تتضمن حكايات غير واقعية وغير طبيعية، قد تكون صادرة من شخصيات ميتة أو مأزومة عقليا، أو من الفاقدين القدرة على الكلام، أو الذين يعانون من عوق غير طبيعي، ويتم اعتمادهم كأبطال في الحكاية السردية.
الكتاب الصادر عن دار خطوط وظلال الأردنية عام 2021 يتحدث عنه الناقد حاتم الصكر في مقدمته له: «هذا الكتاب يطور المفاهيم السائدة، ويبحث في زوايا النصوص المقروءة هنا، عن إمكانات جديدة للسرد الروائي والقصصي». ويعد الصكر أن الكتاب له فضيلة كونه يوفق «بين التنظير والبحث عن مرتكزات، بمثابة مشغّلات للسرد وقراءته، والفحص النصي المقترب من الملفوظ السردي؛ لغرض التثبّت من مصداقية تلك الفرضيات والحدوس، التي يشتملها منهج المؤلف وإجراءاته النقدية» وهو الامر لذي أكده الناقد في تصريح لـقناة «الجزيرة نت» من أنه ابتكر هذا المصطلح الذي» لم يسبق، أحد أو يستعمله على حد علمي في اللغة العربية».

سعي ونقد مضاد

الناقد حسن سرحان الذي أنجز باللغة الفرنسية رسالة ماجستير عن الرواية الفرنسية المعاصرة في جامعة تور في فرنسا، وبعدها في 2011، أكمل أطروحة الدكتوراه في جامعة السوربون ­ باريس، عن روايات آلان روب ­غرييه، يسعى منذ سنوات إلى تثبيت دعائم رؤيته النقدية للسردية العربية، وهو يواصل نشر هذه الرؤى في الصحف العربية، ورغم أن الكاتب يعد أن عمله، «لا يخلو من جهد كبير ليس في مواضيع الكتاب، بل في تبويبها كون الكتاب بحاجة إلى معيارية توازنية في المحتويات» ولهذا يوضح في المقدمة أن ما يوحد الدراسات التي يحتويها الكتاب «اهتمامها بالنظرية السردية واختصاصها بالرواية والقصة القصيرة، دون غيرهما من فنون الأدب» وأنه رصد مسارات الرواية العربية الراهنة من خلال «تشخيص آليات خطابها السردي وتحديد الأشكال الفنية والثيمات المتحكمة في عملية إنتاج هذا الخطاب» ورغم أن السرديات العربية متنوعة وعديدة، لكن البحث عن السرد المستحيل بحاجة إلى إيجاد «تماثل توجهات الخطاب السردي العربي في الشكل وفي الرؤية، على الرغم من اختلاف واقع الكتّاب في البلدان العربية وتباين تجاربهم» ولهذا فإن الأهم الذي يراد إيصاله إلى المتلقي، إن الدراسات والمقالات» تنتمي في مجملها إلى ما يمكن أن أسميه بـ»النقد المضاد» وهو يفسر أنه لا يعني النقد العدائي، «الذي كتبه روائيو القرن التاسع عشر (بلزاك، فلوبير، جورج ساند، الأخوان كونكور، من بين آخرين) يهاجمون فيه بطرق مختلفة (المراسلات، مقدمات الروايات، الرسائل المفتوحة، مقالات الصحف وأحيانا داخل الروايات نفسها».

03-5

حسن سرحان

تعريف

سرحان يعرّف مصطلحه النقدي بأنه يمتلك الحقيقة والصدق وإنه «النقيض للنقد المجامِل، الخامل، الاستهلاكي، الاتكالي، الذي اعتاد العيش في الظل والحياة في الهامش، وارتضى عبوديةَ التبعية للجاهز والمتوفر». يذهب الناقد إلى أبعد من هذا، حين يؤكد وجود نوع آخر من النقد المجامل وهو، «الشهادات التي تفتقر إلى الشجاعة العلمية، أكثرُ التعليقات المكتوبة اليوم من قبل صحافيين أو روائيين، أو قرّاء عاديين، لم يعودوا يرون بأساً في نشر آرائهم العفوية والساذجة» ويستدرك بطريقة ذكية مفهومه لمصطلح يشتغل عليه، فيفسره كما يقول، ولا يفرضه على غيره، من أنه «كل نقد لا يبحث «في» أو «حول» أو «عن» ولا يرى نفسه سلفاً خطاباً ثانياً يستمرئ أصحابُه تبعيته» ويزيد في التعريف إنه «النقد المضاد الذي أقصده لا يستحي من التصريح بأنه نصٌ أوّل، مستقل، لا تابع ولا خاضع لشيء سبقه من ناحية الحضور الزمني، أؤمن بقوة أن بإمكان النقد أن يكون سبباً لوجود نفسه». ويزيد ثالثة في التعريف من أنه «مندمج في النص حدَّ الالتحام به والتماهي معه والذوبان فيه، بمقدار سعيه إلى الانفصال عنه والتمايز والافتراق، وربما التباعد وفك الارتباط» كونه مؤمنا، كما يذكر، بأن الأدب لن يتطور في العالم العربي، على النحو المأمول إلاّ عندما يجيد الإنصاتَ لصوت النقد المضاد، ويعي كتّابُه من أصحاب «المعجزات المقدسة» وتابعوهم أهميتَه في تحديد المسارات ورسم خريطة التحولات ولو أن دون ذلك خرطَ القتادِ». ويلتقط الناقد ما ينفرد به الأدب العربي من كونه يتمتع «بظاهرة تكاد أن تكون خاصة به، وذلك أنه لا يصغي للنقد المضاد، إذ يرى نفسه أعلى مقاماً من البحث النقدي، ويجتهد كتابُه ومؤازروهم من النقاد الفاشلين، في التقليل من قيمة النقد المعارِض، وينشغلون بالحط من شأن الناقد، الذي يقول ما لا تهوى أنفسُهم وترغب أمزجتُهم».

علم السرد المشكوك فيه

في فصل حمل عنوان (السرد المشكوك فيه – عندما يفقد القارئُ الثقةَ بالسارد) يمضي الناقد في تقشير مفهوم مصطلحه ومحاولة تأطيره وإيصاله إلى المتلقي فيضع ثلاثية الاشتغال، السرد المشكوك فيه والمبهم والمستحيل.. على أن الاشتغال بها بدا متأخرا، «بعد أن شكلت هذه الظواهر حرجا وتحديا لم يعد بالإمكان أن يتجاهله الباحثون والدارسون» وهو هنا يفرق بين النقد والباحثين والمبدعين الكتّاب لأن «لا غضاضة في أن يتكلم الموتى، ولا جُناح في أن يسرد الحكايات فاقدو أو ضعيفو الذاكرة والمصابون بالهلوسة والانفصام، وغيرها من الأمراض العقلية. المشكلةُ تخص علم السرد أكثر من غيره فهو الملزَم بدراسة هذه المظاهر الجمالية» إذ هو يفصل بين نوعي السرد بما هو متعلق بالسارد «فالسارد في السرد المستحيل ممكن الوجود نصيا، وإن عزّ عليه الوجود واقعا. أما السارد في السرد المشكوك فيه فلا شيء يمنعه من الحضور إن على مستوى الواقع، وإن على مستوى النص، لكنه غير مؤتمن من ناحية المعلومات التي ينقلها إلى مستمِعه، وهنا نقطةُ التقائه مع السارد المستحيل». وهو يمضي في تصنيفه الذي يريد به التمييز «في علم السرد بين نوعين من الساردين: السارد الموثوق فيه والسارد غير الموثوق فيه».

فصول أخرى

الكتاب يقع في عدة فصول في الرواية تبدأ من (مهيمنات ثيماتية – في الرواية العربية المعاصرة) (موت الرواية – حول محدودية الثيمات في الرواية العربية المعاصرة) (من أجل مسارات جديدة للرواية العربية – مراجعة ثانية للعلاقة بين الثيمة والشخصية) إضافة إلى فصل (محنةُ الناقد وانشغالات الروائي) و(لمن يروي السارد حكاياته؟ مراجعه للعلاقة بين الراوي، المروي له والقارئ) وفصل (رواية ما بعد الحداثة والأدب الشعبي) وكذلك ( الراوية العراقية إلى أين ورواية المنفى العراقية – مراجعة نقدية) وغيرها من الفصول التي كانت عبارة عن مقالات ودراسات منشورة تتعلق بالسرد والرواية تحديدا بما فيها الرواية التاريخية والنسوية، متناولا في فصول أخرى روايات تطبيقية.. فاردا فصلا عن (القصة العربية القصيرة – والسرديات الكبرى) متناولا نماذج عربية.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية