حس المفارقة في المجموعة القصصية «حيرة أمل»

«حيرة أمل» هو عنوان المجموعة القصصية للكاتب المصري المستشار بهاء المري، جاءت المجموعة في 109 صفحات، وتتكون من 28 قصة. يتكون العنوان في كلماته الظاهرة من اسمين ارتبطا بعلاقة قوية جدا، هي علاقة الإضافة، الكلمة الأولى هي حيرة بما تستدعيه من حس الارتباك وفقدان الرؤية الواضحة للهدف، وهي كلمة مفردة مؤنثة وفيها تاء تأنيث، والكلمة الثانية هي أمل، بما تستدعيه من رغبة عارمة في الحياة، وتحقيق الهدف، لكن ارتباط الكلمة الأولى بالثانية انعكس على وضوح الرؤية وعلى تحديد الهدف.
كلمة أمل ترتبط في مجتمعنا كثيرا بالبنت، ومنذ الطفولة الباكرة لكثير من أجيالنا ارتبط اسم أمل بكتاب القراءة، خصوصا في المرحلة الابتدائية في سنيها الأولى.
ويأتي الإهداء ليسهم في الكشف عن طبيعة هذه المجموعة من حيث الاعتناء بالصورة في اللغة فيقول، «إلى المتمسكين بالفضيلة الداعمين لها، فإن لم ننمِها فيجب أن لا نهدمها».
وهنا تظهر الصورة الممتدة من حيث جعل الفضيلة حبلا نتمسك به، ومرة أخرى الفضيلة نبات حي يجب علينا تنميته، ومرة ثالثة الفضيلة بناء يجب علينا أن لا نهدمه أبدا. وتظهر رؤية العالم من حيث وجوب التمسك بالفضيلة. ومن هنا فإن القارئ يدخل إلى هذه المجموعة وهو محمل بهذه الارتباطات. فإذا دخلنا إلى عالم هذه المجموعة فإننا نجدها مكونة من ثمان وعشرين قصة، موزعة على مئة صفحة تقريبا، وهذا يحمل دلالة واضحة على سمة القصر والاكتناز في القصص، بما يتواءم بوضوح مع ما تم تكريسه من ملامح هذا الفن.
تتكون عناوين القصص في معظم كلماتها الظاهرة من كلمة واحدة في الغالب، لكن ذلك لم يمنع من وجود كلمتين في العنوان، وقليلا جدا نجد أكثر من كلمتين. وعلى مستوى السارد، يأخذ السارد بالضمير الثالث/ هي في حالته الأنثوية هيمنة كبيرة، لكن ذلك لا ينفي وجود السارد بالضمير الثالث هو في حالته الفردية، وهناك أيضا السارد بالضمير الأول أنا. لكن السارد أحيانا يعطي سلطة الحكي للشخصيات الأخرى في القصة. تلمس في معظم قصصها العلاقات المتنوعة بين الرجل والمرأة.
وهذه العلاقات قلقة في الغالب، حيث تفتقد شخصيات المجموعة للاستقرار العاطفي.
ويتعدد المكان، لكن المكان المهيمن دائما ما يكون المدينة، على نحو ما نجد حضورا واضحا لمدينة الإسكندرية، ومرة يكون السجن ومرة أخرى قاعات المحكمة ومرة الريف المصري.
أما عن الزمان فكثيرا ما نجد التوافق الزمني، لكن الارتداد له حضور واضح والاستباق موجود لكن بنسبة قليلة. وقد توزعت اللغة في هذه المجموعة بين اللغة السردية واللغة الوصفية واللغة الحوارية، وهي دائما لغة فصحى، وقد تصل أحيانا إلى حد مبالغ فيه، على نحو ما نجد من قول بطلة قصة «بصمة أخرى» لصاحب محل موبايلات: «بعت لي هذا الهاتف وهو معطوب». أما اللغة الوصفية فهي تنهض بتوقيف الحدث الذي يتم سرده لكي تجعل القارئ يندمج في حس الصورة، وقد وظفها الكاتب توظيفا حسنا، حيث رأيناها تمثل نقلة دلالية بين الحدث قبل الوصف من ناحية، وبينه بعد الوصف من ناحية أخرى، وبذا يجعلها الكاتب ذات إسهام مع الحدث في الدلالة. ففي قصة «الجزاء» نهضت اللغة الوصفية بالتمهيد للانتقال من سعادة بالغة بفرحة اللقاء لدى البطل بحبيبته ومفاجأته بزواج هذه الحبيبة. وهنا نجد الكاتب يستخدم الطبيعة في التعبير عن المشاعر، ففي القصة السابقة «الجزاء» عبر المطر المنهمر عن قلق المشاعر لدى الحبيب الذي خرج من السجن فوجد حبيبته متزوجة، في حين كان يمني نفسه باستقبال حافل منها. وكثيرا ما نجد سمة فائض المعنى في هذه المجموعة، حيث يتم استثمار علاقات لغوية في الدلالة مثل، «صقيع الوحدة» في قصة «أنوثة بائسة» حيث وصفت بطلتها وحدتها وهي بعيدة عن بيتها في الساحل الشمالي بالصقيع. وتسجل سمة المفارقة حضورا كبيرا في هذه المجموعة القصصية، والكاتب يستخدمها بطريقة فنية، حيث يجعل سير القصة في اتجاه يتم تكريسه وحينما يستسلم القارئ لسرده ويمضي معه على أمل الوصول للنهاية المتوقعة، يفاجأ بتغيير المسار فجأة متحولا إلى الاتجاه العكسي تماما، فينتج عن ذلك توتر حاد يترك أثره الواضح في نفس القارئ، على نحو ما نجد في قصة «حيرة أمل» التي أعطت عنوانها للمجموعة ككل، حيث كادت تقتنع بكلام زوجها عن زميلته الدراسية التي ظهرت فجأة في حياته، والتي أحست الزوجة من لقائهما باستيقاظ الحب القديم بأنها مجرد زميلة وانتهى وقتها، وأن حبه الحقيقي لزوجته، لكنها تفاجأ به يدخل مكتبه ويخرج صورة حبيبته ويبكي. وهنا تظهر سمة أخرى لهذه المجموعة وهي سمة الانغماس في الواقعية، حيث تبدو الرومانسية من خلال نقاب شفيف مفسحة المجال للواقعية. ففي قصة «روب وجلباب» نفاجأ بأن الطالب المتفوق جدا في الكلية يخلع روبه العلمي وجلبابه ويلبسهما في الحفل لزوجة أبيه التي منحته كل الدعم كي يحصل على تفوقه هذا رغم حالة الفقر الكبير.
كما تظهر سمة أخرى وهي سمة الفضيلة والحفاظ على التنمية المستدامة، من خلال تحسين الحسن وتقبيح القبيح، لكن بطريقة فنية، على نحو ما نجد في قصة «القتلة» فرغم نجاح المحامي بحيله القانونية في جلب البراءة لهم، فإنهم يقرون في النهاية بأنهم كادوا يصدقونه في أنهم ليسوا هم القتلة.
تحضر كذلك سمة التخييل، مثل ما نجد في قصة «أنا في انتظارك» حيث يأتينا يقين بأن الزوجة المفارقة لزوجها باقتراح منه لكي تهدئ أعصابها في فيلته في الساحل الشمالي، وتلتقي جارا لها ويستمع لما يعتمل في نفسها، ويقبلها، تأتي نهاية القصة بأنها وجدت فيلتها وحيدة في الساحل الشمالي فتكتب رسالة على الواتساب لزوجها أنا في انتظارك فلا ندري هل هذا الجار موجود فعلا، أم أنه محض وهم.
تغوص هذه القصص داخل الشخصية، خصوصا شخصية المرأة، وقد سجلت هذه السمة حضورا كثيفا، مما يكشف عن معرفة بنفسية المرأة وقراءة لخريطتها النفسية، على نحو ما نجد في قصة «حيرة أمل» من كشف عن طبيعة الأنثى التي تستيقظ فيها مكامن الغيرة على زوجها. وقد حدث ذلك أيضا مع الرجل على نحو ما نجد في قصة «الجزاء» حيث يتخيل بطل القصة حبيبته في انتظاره ويمني نفسه بلقائها. ومن السمات في هذه القصة قوة الملاحظة، حيث يشارك الحيوان الإنسان في الحب، ففي قصة «دون عنوان» نجد حمار البطل يحب حمار البطلة، وهنا يطل علينا بيت المنخل اليشكري «وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري» وتتفاعل القصص مع الواقع الاجتماعي لمصر في الفترة الراهنة.
وإذا كان عنصر التكثيف حاضرا بقوة في هذه المجموعة القصصية «حيرة أمل» للكاتب بهاء المري فإن حس المفارقة كان هو النسق المعتمد في معظم قصصها.

كاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية