دور مراكز البحث ومعاهد الدراسات الإسرائيلية الاستراتيجية في صناعة القرار

إضافة إلى مركز الإحصاء؛ باتت إسرائيل تمتلك خلال العام الحالي 2020 العشرات من مراكز البحث ومعاهد الدراسات الإستراتيجية التابعة للجامعات والوزارات المختلفة . وبطبيعة الحال لكل مركز أو معهد اختصاص مناط بنشاطه من ندوات ومؤتمرات وصولاً إلى إصدار تقارير وبحوث دورية ؛ تتضمن نتائج واستخلاصات على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو العسكري؛ تفيد بمجملها في اتخاذ قرارات إستراتيجية تخطط إسرائيل لها مسبقاً. ويعتبر معهد الدراسات الإستراتيجية في هرتسيليا نموذجاً هاماً بالنسبة لقادة إسرائيل خلال العقدين الأخيرين لصناعة القرارات الإستراتيجية .

مؤتمرات دورية

للدلالة على دور مراكز البحث ومعاهد الدراسات الإستراتيجية في اتخاذ وصناعة القرارات الإسرائيلية ؛ نلقي الضوء على نشاط معهد الدراسات الإستراتيجية الإسرائيلية في هرتسيليا ؛ الذي عقد خلال الفترة مابين (2000-2019) تسعة عشر مؤتمراً بغية فحص ما يسمى المناعة في إسرائيل؛ وقد أسس لذلك المؤتمر مستشار الأمن القومي السابق الجنرال عوزي أراد، بعد فشل مؤتمر كامب ديفيد لـ»السلام» مع الفلسطينيين في صيف العام المذكور، ويهدف مؤتمر هرتسيليا الدوري إلى مراجعة السياسات الإسرائيلية للعام السابق، وتحديد السياسات الممكنة للعام القادم ومراحل أخرى قادمة قد تمتد لخمس سنوات أو لعشرين عاماً، وتبعاً لذلك تعتبر استخلاصات وتوصيات مؤتمرات هرتسيليا الدورية بمثابة نقطة ارتكاز مهمة تعتمد عليها الحكومات الإسرائيلية عند اتخاذ قرارات استراتيجية في مستويات الأمن والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية والمفاوضات ومساراتها أيضاً ناهيك عن قرارات الحرب بعد توصيف الأخطار التي تهدد إسرائيل.
وفي الجانب العملي، يحضر المؤتمر الإسرائيلي السنوي في هرتسيليا رؤساء حكومات إسرائيلية سابقون ورؤساء هيئة أركان، إضافة إلى رؤساء دولة سابقين، وإستراتيجيين وقادة عسكريين وأكاديميين من الجامعات الإسرائيلية المختلفة.

الديموغرافيا الزاحفة

وقد بحثت مؤتمرات هرتسيليا التسعة عشر خلال الفترة الممتدة بين الأعوام (2000 -2019) في قضايا تعتبرها إسرائيل إستراتيجية. وكان الهاجس الأمني والديموغرافي العربي من سلم أولويات تلك المؤتمرات، حيث سجلت توصيات ، للحد مما تعتبره إسرائيل مخاطر أمنية وديموغرافية مستقبلية على هويتها اليهودية؛ ولهذا تمً إصدار قوانين إسرائيلية عديدة تمنع التزاوج بين أفراد من الأقلية العربية الفلسطينية داخل الخط الأخضر مع أقرانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذهبت المؤسسات الإسرائيلية إلى أبعد من ذلك محاولة ترسيخ فكرة يهودية إسرائيل عبر قوننتها ، فضلاً عن الاستمرار في تطوير قوتها العسكرية .
ناقشت غالبية مؤتمرات هرتسيليا في محاورها مكامن القوة والضعف في الجيش الإسرائيلي، وتمً تسجيل نتائج وتوصيات من أجل سد الثغرات وتحديث الجيش الإسرائيلي على الدوام كونه الذراع الأهم للحفاظ على الأمن الإسرائيلي في الدرجة الأولى، حيث تطبق إسرائيل مقولة موشيه دايان الذي شغل منصب رئيس الأركان ثم منصب وزير الحرب والتي مفادها « أن إسرائيل ليست لديها سياسة خارجية وإنما سياسة دفاعية فقط « ،أي أنه عوضاً من أن تكون الإستراتيجية الشاملة في خدمة تحقيق أهداف السياسة الخارجية، كما هي الحال في معظم دول العالم، فإن «إسرائيل» تضع سياستها الخارجية في خدمة استراتيجيتها الشاملة أو مفهومها الأمني.
ومن الأهمية الإشارة إلى أن انعقاد مؤتمرات هرتسيليا تزامن مع بروز مصطلح يهودية الدولة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة بوتيرة متسارعة، وذلك على الرغم من أنه ليس حديث العهد.
وقد حاولت توصيات مؤتمرات هرتسيليا المنعقدة منذ عام 2000 وحتى عام 2019 ترسيخ فكرة يهودية «إسرائيل»، حيث كانت الفكرة المذكورة إحدى ركائز الفكر الصهيوني، وبغض النظر عن أن درجة هذه اليهودية وبعض مضامينها قد كانت مثار جدل بين تيارات معينة في الحركة الصهيونية، فإن هذا الزخم الكبير لهذه المقولة والذي توج بإصدار قانون القومية أخيراً، يعتبر بحد ذاته عاملاً جاذباً ليهود العالم وخاصة بعد تراجع أرقام الهجرة إلى فلسطين المحتلة خلال العقد الأخير. وقد بحثت مؤتمرات هرتسيليا أيضاً أوضاع الاقتصاد الإسرائيلي وأهم أزماته من بطالة وديون وتضخم، وأوصت غالبيتها بآليات عمل وتبني سياسات محددة للخروج من الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد الإسرائيلي أو الحد من تداعياتها على المجتمع الصهيوني، وذلك بغية تحقيق معدلات رفاه اجتماعي واقتصادي مرتفعة ترقى إلى معدلات النمو السكاني الإسرائيلي من جهة وتحافظ في نفس الوقت على عوامل جذب المزيد من يهود العالم إلى الأراضي المحتلة في ظل جفاف العديد من منابع الهجرة اليهودية في أمريكا ودول الاتحاد الأمريكي وكندا .

أمن إسرائيل

يمكن الجزم أن مفهوم القرار السياسي بالنسبة لإسرائيل وعلاقته بمختلف مناحي الحياة ؛ هو مفهوم مختلف عن المفهوم التقليدي، إذ إن القرار السياسي هو الأساس وبقية الأمور في خدمته . وفي هذا السياق يمكن الجزم بأن السياسات الإسرائيلية الإستراتيجية العليا وفي المقدمة منها تعزيز فكرة يهودية الدولة، حيث أصبح واضحاً أن مصطلح يهودية الدولة يمثل خلال العقدين الأخيرين جوهر ومضمون الغايات والأهداف الكبرى لإسرائيل ، وتحولت مقولة الدولة اليهودية بصورة غير مسبوقة ولا معهودة إلى القاسم المشترك بين مختلف التيارات والكتل والأحزاب والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية في إسرائيل على حد سواء. واللافت أن توصيات مؤتمرات هرتسيليا المنعقدة منذ عام 2000 لم تخرج عن المألوف في النتائج والتوصيات المتعلقة بالحفاظ على امن إسرائيل كأولوية .

 كاتب فلسطيني مقيم في هولندا

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

  1. يقول شاكر جياب:

    بارك الله بجهودكم أستاذ نبيل
    نعم الكيان الصهيوني يصرف حوالي ٣،٥ بالمائة من ميزانيته العام على مراكز البحوث والدراسات وكل الخطط والبرامج على كل المستويات تستند على هذه البحوث والدراسات فأين نحن من ذلك.

إشترك في قائمتنا البريدية