ذاكرة أوروبا في سيارة عسكرية

استنفار وناقلات عسكرية تعبر شوارع مدينة «Bergamo» الإيطالية بأرتال مستقيمة، عربات مجنزرة ومفتوحة النهاية، يقفز منها الجنود بنشاط محموم لا نراه إلا في حماسة حروب الخصوم في معاركهم المصيرية.
يقفز الجنود في منتصف الليل، والناس نيام يخلعون أبواب المدينة ويحملون جثث عجائز إيطاليا، الذين أصابتهم عدوى فيروس كورونا، الذي فتك بكبار السن كقاتل مأجور يعتدي على قطة صغيرة، لا تستطيع المقاومة، توضع الجثث في العربات لتحرق بعيداً عن المدينة. بأكثر من يد يدخل فيروس كورونا عالمنا، كصياد نشيط في مياه راكدة، يغوص عميقاً فارضاً نفسه على رئتي العالم بيد، وبالأخرى يحمل ممحاة كبيرة ليمحو من خلالها أجيالاً كاملة من كبار السن، منتقلاً من مدينة إلى مدينة على أربعة ككلب صيد وفيٍّ للموت، يحمل الممحاة ويمحو ذاكرة المدن بوتيرة سريعة لا نراها إلا في الألعاب الأولمبية، يمحو أجيالاً كاملة في أوروبا الآن، ممحاة تلغي ذاكرة الدول والأجيال، التي أسست أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والمدن لا تستطيع دفن موتاها، فيدخل الجيش ليلاً ليخلع الأبواب، ويحمل الجثث ويحرقها بعيداً.
هي مرحلة ممحاة فيروس الكوفيد 19، مرحلة الحذف الذي يمتد في مدن العالم، تاركاً خلفه مساحات من الفراغ العصي على الملء بالحبوب المهدئة، أو غض البصر والنسيان، مرحلة الشطب العشوائي، بدون اسم أو عنوان، أو أهمية، فيكفي أن ترى عناوين الصحف الكبرى وهي تكتب «المدينة التي تنبع فيها الجثث» لتدرك أن الموت صار مثل الماء، وكل الأجساد منسوجة في ماء الموت الجاري، كأنها جسد واحد بلا اسم، وعصية على اللمس أو الإمساك، فيأتي الجيش ليلاً يخلع ويحمل ويحرق بعيداً. في الماضي عندما كنا نشاهد جداتنا النازلات على درج البيت بحذر طفل يجرب المشي لأول مرة، يدفعنا لنضع أيدينا على قلوبنا إلى أن تهبط أقدامهن الصغيرة بهدوء فوق الأرض، جيل كامل من الحكايات يدرب ذاكرتنا على المشي الخفيف، يعيد حكايتنا إلى بدايتها، يحفظ عنب الأيام وتجارب شعب كامل، عجائز يبدلون أعمارهم بحكايات جديدة، تحملنا معهم أيام الممحاة هذه إلى مرحلة جديدة من الخوف، تعبر العالم نحو شوارعنا، وتقذف قلوبنا بذعر بطيء يحذرنا بضرورة إجراء كافة تعليمات السلامة المتبعة في العالم، لا لكي ننجو نحن فقط، بل لكي نحمي ذاكرة مدننا من الغياب.
٭ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية