القاهرة ـ «القدس العربي»: لا يُذكر اسم الراحل مراد وهبة (13 أكتوبر/تشرين الأول 1926 ــ 7 يناير/كانون الثاني 2026) إلا ويُذكر معه ابن رشد فقد حمل الرجل رؤية ابن رشد وفلسفته، ونادى بضرورة إحياء تلك الفلسفة العقلانية، التي بدورها هي الحل للكثير من المشكلات التي يمر بها العرب ـ حسب وجهة نظره ـ فابن رشد وفلسفته كالجسر ما بين العقلانية الأوروبية ـ وما تبعها من إصلاح ديني في القرن الـ16، وحركة تنوير في القرن الـ18 ــ وبين المجتمع الإسلامي في لحظته الراهنة. حتى إن وهبة يذكر في كتابه «مفارقة ابن رشد».. أن «ابن رشد الفيلسوف العربي ميت في بلاده حي في الغرب». من ناحية أخرى لم يقصر مراد وهبة بحثه الفلسفي على الندوات المتخصصة والمؤلفات، بل كان يحرر الكثير من المقالات، التي تواكب الحدث السياسي والاجتماعي المصري، إضافة إلى حوارات الصحف والفضائيات، بمعنى أنه كان من أشد المتفاعلين مع ما يدور في الواقع. الملاحظة الأخيرة واللافتة أنه لا يفصل بين الدين والسياسية ـ كما يقول التنويريون ـ بل يرى أنها عبارة خالية من المعنى لعدم منطقيتها. ويذكر وهبة في أحاديثة المتفرقة أن أكثر المؤثرين في حياته العلمية والفكرية هم، يوسف كرم، عبد الرحمن بدوي، وأستاذ الفلسفة الإسلامية محمود الخضيري. هذه بعض من آراء الرجل، سواء من خلال الحوارات أو المقالات، وكذا الندوات واللقاءات الفضائيات..
الأسلمة والتكفير
منذ سبعينيات القرن العشرين تصاعدت موجة الأسلمة ـ التعصب الديني ـ ومحاولة فرض السيطرة من قِبل المتأسلمين، كان ذلك بمساعدة النظام الحاكم وقتها، الذي دفع ثمنه رأس النظام نفسه (السادات) باغتياله في 1981. وتوالى استمرار هذه التيارات وانتشارها حتى التسعينيات، وتنفيذها بعض العمليات إلارهابية، سواء باغتيال شخصيات سياسية وفكرية، أو تنفيذ عدة عمليات ضد سائحين بهدف ضرب الاقتصاد المصري. وكل مَن يُعارض ذلك كان محكوماً عليه بالكُفر، وبالتالي دمه حلال.
ليأتي الكثير من الأصوات المُنددة بما يحدث ــ أغلبها كتابات صحف سيّارة لا منهج لها ولا هدف، إلا الوقوف مع النظام الحاكم وقتها ـ بينما قِلة حاولت تفنيد فكر هؤلاء وفق منهج علمي رصين، منهم.. حسن حنفي (1935 ــ 2021) في مؤلفه «الدين والثورة في مصر 1952 ــ 1981»، ثم فؤاد زكريا (1927 ــ 2010) في مؤلفيه «الصحوة الإسلامية في ميزان العقل»، و»الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة». ونأتي إلى مراد وهبة الأكثر صخباً، الذي قام بتفكيك المفاهيم المتأسلمة ومحاولة دحضها وفق مفاهيم أخرى، من خلال مصطلحات، منها.. المطلق والنسبي، العقل والنقل، الحرية والتبعية، التسامح والتكفير. ولم يكن له سوى ابن رشد ضالته في اعتماد التفكير العقلي عند قراءة النصوص وتأويلها ـ سبقه وتخصص في فلسفة ابن رشد الراحل عاطف العراقي (1935 ــ 2012) لكنه كان قليل الظهور إعلامياً ـ وكتب وهبة العديد من المقالات الشارحة والمُبسطة، وكذا مؤلفات للجمهور العادي، متصدياً من خلالها لأفكار المتأسلمين، منها.. «مُلاك الحقيقة المطلقة»، «جرثومة التخلف»، و»ما التنوير؟».
ضبط المفاهيم
ولنستعرض بعض المفاهيم لدى مراد وهبة، وكيفية تحديدها والعمل من خلالها في مؤلفاته وحواراته، التي قد تختلف كثيراً مع مَن يلوكونها ليل نهار، وفي نبرة دعائية ليس أكثر..
العلمانية
أُعرّفها بأنها التفكير في النسبي بما هو نسبي، وليس بما هو مطلق. أقصد أن الإنسان، لأن عقله نسبي كل إدراكاته نسبية، ولو نقلنا النسبي إلى المطلق سنقع في خطأ كبير هو تجاوز العقل الإنساني، المطلق يثبّت ما هو نسبي ويمنع التطور. وبالتالى نقيض العلمانية هو الأصولية الدينية، أى التفكير في ما هو نسبي بما هو مطلق وليس نسبياً.
فصل الدين عن الدولة
أنا ضد أن العلمانية تعني فصل الدين عن المجتمع، أو عن السياسة، لأن الدين حالة شخصية والإنسان من حقه أن يشارك حالته الشخصية في تعاملاته مع الآخرين، هو حر في ذلك. يعنى إيه فصل الدين عن السياسة، يعنى عايزين رئيس الدولة يكون بلا دين مثلاً، غير مقبول مجتمعياً وجماهيرياً. ولكن.. ما يجب فصله عن المجتمع وعن السياسة هو المعتقد الديني الذي يريد أن يفرض نفسه على المجتمع كله، وليس الدين نفسه. فمشكلتنا في التدين، لأن الدين إيمان، والإيمان عبارة عن رسالة وإخبار بالرسالة. الإنسان يؤمن بذلك بقلبه أولاً، هذا هو المعنى الأول للدين: الإيمان. بعد ذلك يضع الإنسان بنوداً لهذا الإيمان، هذه البنود هي العقيدة وهي المعنى الثانى للدين. إشكاليتنا في العالم العربي ليس في المعنى الأول وهو الإيمان، ولكن في المعنى الثاني وهو المعتقد، خاصة عندما يتحول إلى معنى ثالث وهو المعتقد الذي يظن صاحبه بضرورة فرضه على المجتمع، هذه هي الكارثة.
معاك يا ريس على طول الخط
ولكن لوهبة آراء هي محل الكثير من الخلاف، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسياسة، نذكر منها الآتي من خلال حواراته الصحافية..
فوبيا الإخوان
«أنا الوحيد في اليسار الذي كنت أهاجم الإخوان في عهد مبارك، وكان جميع اليسار بأطيافه ضدي واتهموني بأنني مصاب بفوبيا الإخوان، وحين أنشئ حزب التجمع ضم إخوانا ويسارا وماركسيين وقوميين، ولم يعرض عليّ أن أكون عضواً فيه».
التطبيع
وبسؤاله عن اختلافه مع السادات والاتفاق معه في فكرة التطبيع مع إسرائيل، يقول.. «سؤال في محله، والإجابة عنه تستلزم رؤية تسلسل الأحداث، ومبدئياً أود القول، إنه عندما أكون على قناعة بفكرة للتغيير، لا أهتم بما تثيره هذه الفكرة من عداوات، لأن المستقبل كفيل بحسم مشروعية هذه العداوات، أو عدم مشروعيتها. أما عن سؤالك ذاته فإنه ينطوي على أن ثمّة تناقضا في موقفي من السادات. وأنت محق في ذلك. ومع ذلك فإن التناقض يكون مشروعاً إذا تولد عنه تطور. لهذا فالسؤال يكون على النحو الآتي: كيف نشأ هذا التناقض ولماذا نشأ؟ تسلسل الأحداث أمر لازم للجواب. فأنا قبل اشتعال حرب 1973 كنت على قناعة بأن السادات ملزم بإشعالها، ولكن في حدود، وسبب ذلك مردود إلى أن حرب الاستنزاف التي بدأها عبد الناصر تستلزم الوصول بها إلى حرب مواجهة لتحرير الجزء المحتل من أرض الوطن. وكانت هذه القناعة على الضد من الرأي السائد في حينها، وهو أن السادات ليس جاداً في تنفيذ هذه المواجهة». فهل أجاب وهبة عن سؤال التطبيع؟!
الثورة
لما قامت الثورة اتصل بي أحدهم من الميدان يقول قمنا بالثورة، ثم ظهر شعار «لا إخوان ولا أحزاب» قلت «كويس» ولكن ما البديل؟ «مافيش». أين المثقفون؟ «مافيش». لذلك أنا مع الجيش منذ عهد عبد الناصر ـ كان وهبة مستشاراً سرياً لعبد الناصر وليس هناك بديل.. هنا أتحول إلى مفكر سياسي ـ لا فيلسوف ـ أما عن الثورة فهي ثورة إلكترونية وليست ثورة أحزاب مثلا، أو كتل وطنية، إبداعها يكمن في تحويلها للفيسبوك من وسيلة للنميمة والثرثرة إلى وسيلة للتحريض الثوري ولتغيير الواقع.. ولديّ مصطلحان: الوضع القائم والوضع القادم، أما الوضع القائم فسيظل قائما إلى أن تحدث له أزمة نتيجة لعدم قدرته على مواكبة التطورات الجديدة فتكون ضرورة تغييره باستدعاء الوضع المقبل الذي يعني الرؤية المستقبلية.. الثورة نجحت في تغيير الوضع القائم، لكنها فشلت في استدعاء الوضع المقبل، وسبب فشلها أنه لم يكن هناك مثقفون عندهم رؤية مستقبلية، ما سهل مسألة قفز الإخوان على الثورة، باعتبار أن لديهم رؤية، مما استلزم تصحيح المسار، لذلك فإنني أعتبر 30 يونيو/حزيران ثورة. («المصري اليوم» عدد 24 أكتوبر/تشرين الأول 2016).
الخونة
«طالما أن المثقف يشعر بأن مهمته الوقوف ضد السلطة في المرحلة الحالية ـ لاحظ المرحلة الحالية ـ فهو خائن وواهم، لأننا لدينا رئيس عظيم ومهموم بتطوير المجتمع والصدام معه خيانة، وبعض هؤلاء المثقفين يقولون له لا تترشح مرة أخرى، لأنك فقدت شعبيتك، وفي رأيي الصدام مع السيسي حالياً خيانة، لاسيما أنه يحاول القضاء على العشوائيات وينفتح على العالم ويعمل على تحسين مستوى الاقتصاد، وهو أول رئيس يواجه الإرهاب وحده وصدره مفتوح، وبعد كل ذلك يأتي هؤلاء المثقفون ويقولون له بسخافة «لماذا ترشح نفسك مرة أخرى؟».. في رأيي هذا انحلال حضاري، وأنا أطالب هؤلاء الذين يدعون الرئيس للاكتفاء بفترة واحدة بأن يرشحوا أنفسهم وينافسوا الرئيس السيسي، أهلاً وسهلاً، لكن بلاش سخافة». (جريدة «الوطن» في 30 سبتمبر/أيلول 2017). وربما صدق الرجل في عبارة واحدة.. «بلاش سخافة».
مراد وهبة .. الصوت الحاضر
ونختتم ببعض كلمات من المشاركين باحتفالية مكتبة الإسكندرية بمئوية مراد وهبة، في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025، التي جاءت بعنوان «مئوية الدكتور مراد وهبة.. الصوت الحاضر»..
«الاحتفاء بمراد وهبة يحمل دلالات مهمة خاصة في ظل ما يمر به العالم العربي من تشرذم وتفتيت وهيمنة الفكر السلفي على المجال العام، وأن استعادة مشروعه الفكري، يجب أن لا تقتصر على إعادة نشر كتبه، بل تستلزم النزول إلى الشارع ومخاطبة المجتمع بأكمله لا النخب وحدها». (حسن حماد، أستاذ الفلسفة في كلية الآداب جامعة الزقازيق)
«نجح مراد وهبة بجهده الشخصي في أن يكون صوت الفلسفة في مصر، فالفلسفة عنده كانت دعوة للتعايش السلمي وأفكاراً وصلت إلى مختلف مكونات المجتمع وأسهمت في ترسيخ قيم الحوار والعقلانية». (أنور مغيث، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة في جامعة حلوان)
«العقل لدى مراد وهبة كان أقوى من أي أيديولوجيا، وهي سمة نادرة، هذا العقل الذي شكّل لديه أساس كل شيء، فالرجل كان مثالاً فريداً في احترام الحرية وممارستها مع تلاميذه، إيماناً بأن الفلسفة موقف وشجاعة في طرح الأفكار». (كمال نجيب، أستاذ التربية في جامعة الإسكندرية)
«مفتاح شخصية مراد وهبة كان الضمير والشجاعة، فهو لم يكن فيلسوفاً أكاديمياً فحسب، بل مفكراً سياسياً واجتماعياً سعى إلى تفسير الواقع وتحليله وهو ما جعله حالة فكرية متفردة في المشهد الفلسفي العربي». (سعيد توفيق، أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة).
خالص العزاء للصهيونية
ونختتم بعبارات للأكاديمية وأستاذ الفلسفة (يُمنى الخولي) على صفحتها بفيسبوك، بعيداً عن حفلات التكريم، وكشكل من أشكال اختلاف الآراء، فتقول .. «مات مراد وهبة .. خالص عزائي للصهيونية العالمية. فقد آمن بالصهيونية كما لم يؤمن بها مخلوق من قبل ولا من بعد. يصعب أن نقول: الله يرحمه، لأنه لايستحق الرحمة مادام لم يرحم مئات الألوف من ضحايا غزة، فلم يغيّر موقفه قيد أنملة، ظلت إسرائيل في ناظريه فوق الحساب،. مثلا أعلى يحتذى في يسارها وفي يمينها.
هو الذي منحني درجة أستاذ مساعد، أعطاني الدرجات العليا في كل الأبحاث، وقال في تقريره ما لم يُقال في مدح بحوث من قبل، ومع هذا يظل طيفه صاعقا لي .. لأنه مَلكي أكثر من الملك نفسه .. صهيوني أكثر من الصهاينة أنفسهم».
بيبلوغرافيا
ولد (مراد وهبه جبران) في 13 أكتوبر 1926 في مدينة (القوصيّة) في محافظة أسيوط جنوب مصر. حصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة في جامعة فؤاد الأول عام 1947، والماجستير في الفلسفة الحديثة في الجامعة نفسها عام 1952، والدكتوراه في الفلسفة المعاصرة في جامعة الإسكندرية عام 1959. تدرّج في السلك الأكاديمي حتى ترأس قسم الفلسفة في جامعة عين شمس من 1977 وحتى 1986، ثم أستاذاً متفرغاً منذ ذلك التاريخ. وبين تلك الفترات عمل أستاذاً زائراً في جامعة موسكو من 1968 إلى 1969 ثم في جامعة الخرطوم من 1971 إلى 1972، وأخيراً جامعة هارفارد عام 1976.
كما شغل عدة مناصب منها.. مستشار دار المعارف في القاهرة (1967 ــ 1971)، رئيس تحرير ملحق الفلسفة والعلم في مجلة «الطليعة» (1974 ــ 1977)، رئيس وحدة الدراسات الإنسانية في مركز بحوث الشرق الأوسط في جامعة عين شمس (1975 ــ 1981)، كما أسس وترأس الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير عام 1994. إضافة إلى عضويته في «الاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية»، «المجلس الأعلى للثقافة» في مصر.
المؤلفات.. «المذهب في فلسفة برجسون» (1960)، «محاورات فلسفية في موسكو» (1977)، «فلسفة الإبداع» (1996)، «مستقبل الأخلاق» (1997)، «جرثومة التخلف» (1998)، «مُلاك الحقيقة المطلقة» (1998)، «الأصولية والعلمانية» (2005). و»المعجم الفلسفي» في عدة طبعات آخرها في (2007). إضافة إلى مؤلفات أخرى، منها.. «قصة الفلسفة»، «المذهب عند كانط»، «يوسف مراد والمذهب التكاملي»، «يوسف مراد فيلسوفاً»، «مدخل إلى التنوير»، «الأصولية والعلمانية»، و»قصة علم الجمال».
حصل على جائزة النيل في العلوم الاجتماعية عام 2018.