رحيل الفيلسوف جياني فاتيمو: نهاية الحداثة أو ما بعد الإنسانية

«الجمال وحده يتمتع بامتياز أن يكون مرئيا أكثر من غيره، والأكثر فتنة»
(سقراط)

كل رحلة في الفلسفة تقود إلى سقراط الذي كان عزيزا على قلب جياني فاتيمو، لقد قال ذات يوم ربيعي في فاس، إن سقراط انتزع روحي من العدمية وأدخلها في عالم الجمال والحب والمعرفة، ولذلك فإن اهتمامي بالهرمينوطيقا العدمية انطلاقا من الانفجار الجمالي الذي يسعى إلى إعادة الفن إلى مملكة الفلسفة، فبأي معنى يمكن الإعلان عن نهاية الحداثة ومولد ما بعد الحداثة؟ ألا يكون الابتعاد عن الفن هو الذي قاد إلى النهاية؟ وهل يشكل الفن ماهية ما بعد الحداثة؟
كان فاتيمو شغوفا بنيتشه حين أعلن عن موت الميتافيزيقا، التي أدارت ظهرها للفن، وأضحت سجينة العدمية باعتبارها نفيا للمعنى، ولذلك قام فاتيمو بتأسيس معنى الفلسفة، انطلاقا من معنى الفن المطلق والمختبئ وراء الجمال المتوحد بالحب، فمولد التراجيديا تحول إلى مولد لما بعد الحداثة، وإعلان عن نهاية الحداثة التي تقود إلى ما بعد الإنسانية.
في إمكان النقد الهرمينوطيقي العدمي الكشف عن المعاني الجديدة التي أخذها الفن والجمال في فكر ما بعد الحداثة، والدفع بها إلى التأويل الأنطولوجي للحقيقة، هكذا قام فاتيمو بالتمهيد الجوهري لفلسفة الصباح التي تأتي مقابل فلسفة المساء، بمعنى أنه انتقل من جمهورية أفلاطون إلى «هكذا تكلم زرادشت» لنيتشه. وبما أن فاتيمو درس عند غادامير، فإنه تأثر بفكر هايدغر، ولذلك كان يجمع بين فن التأويل وحدث الكينونة، من أجل الوصول إلى الحقيقة باعتبارها تمزيقا لحجاب الواقع، وتسعى إلى التحرر من الهيمنة السياسية والتكنولوجية، فالعولمة أصبحت سمة للسيطرة الشاملة حتى على الحقيقة، وأمست بالذات ما يضاد الحقيقة، ومن خلال نيتشه ينبغي تحرير التأويل من سيطرة الحقيقة الوهمية. يقول: لا وجود للواقع وإنما توجد تأويلات» وفقدان القيم لقيمتها، في المجتمع الشفاف، مجتمع الكينونة واليقظة في الصباح، باحثا عن الوعي الذاتي بعدما هاجر الوعي الشقي.
سلامي إلى روح الفيلسوف الصديق جياني فاتيمو الذي غادرنا دون وداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية