خاص ـ «القدس العربي»: توفيت الأديبة والمترجمة الفلسطينية سلمى صبحي الخضراء الجيوسي، اليوم الخميس عن عمر يناهز 95 عاماً. ونعتها وزارة الثقافة الفلسطينية، بأن الراحلة «كرست حياتها لنشر الفكر والثقافة الفلسطينية والعربية» وكانت «علما من أعلامها ورمزا من رموز الإبداع والعطاء».
ولدت سلمى الخضراء الجيوسي عام 1928، وترعرعت في مدينة عكا وفي حي البقعة في القدس الغربية، بعد نكبة 48 عاشت في الأردن. درست الثانوية في كلية شميت الألمانية في القدس، ثم درست الأدبين العربي والإنكليزي في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم عادت إلى القدس وعملت في «كلية دار المعلمات». حصلت على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة لندن، ودرَّست في جامعات عربية، ثم سافرت إلى أمريكا لتدرّس في عدد من جامعاتها، إلى أن أسست عام 1980 مشروع «بروتا» الذي يهتمّ بنقل الأدب والثقافة العربية إلى العالم الأنغلوسكسوني، وقد أنتج هذا المشروع مجموعة من الموسوعات وتصانيف في الحضارة العربية الإسلامية، وروايات ومسرحيات وسيرا شعبية وغيرها. وفي النقد الأدبي صدر لها باللغة الإنجليزية عدد من الكتب، مثل: «الشعر العربي الحديث» (1987)، و«أدب الجزيرة العربية» (1988) و«الأدب الفلسطيني الحديث» (1992).
لكن كتابها النقدي الأشهر، والمعتمد عند الرعيل المؤسس لنقد الشعر الحديث، هو «الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث» في جزأين عام 1977، وقد نقله إلى العربية الناقد والمترجم العراقي عبد الواحد لؤلؤة. يدرس هذا الكتاب تطور الشعر العربي الحديث منذ عصر النهضة حتى سبعينيات القرن العشرين بوصفه شكلا فنّيا، ويبرز أنّ هذا التطور كان عضويّا ينبع من داخل الفن نفسه ويسير في خط لا تقرره التطوّرات الاجتماعية والثقافية وحدها، بل كذلك تقرره – إلى حد بعيد- الحاجة الفنية التي يمليها الفن نفسه. ويتألف الكتاب من ثمانية فصول هي: «الجذور الثقافية للشعر العربي الحديث»، و«بواكير التطور في القرن العشرين»، و«استمرار التطور الشعري في الوطن العربي»، و«التيار الرومانسي في الشعر العربي الحديث»، و«ظهور الاتجاه الرمزي في الشعر العربي الحديث»، و«عبود ومندور وأثرهما النقدي في الشعر»، و«تغيرات جذرية بعد 1948»، و«إنجازات الشعر الجديد حتى مطلع السبعينيات»، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة وملاحق مفردة لنظرية محمد مندور في النبر، ولتجارب قديمة كبرى في الشكل. فالكتاب مرجع شامل للحركات والاتجاهات التي عرفها الشعر العربي الحديث، ولتطور النقد الذي عاصرها جميعا.
وقد ترجمت في مطلع الستينيات عددا من الكتب عن الإنكليزية منها كتاب لويز بوغان «إنجازات الشعر الأمريكي في نصف قرن» (1960) وكتاب رالف بارتون باري «إنسانية الإنسان» (1961)، والجزأين الأوليّن من رباعيّة الإسكندرية للورنس داريل «جوستين» و«بالتازار»، وكتاب آرشيبالد ماكليش «الشعر والتجربة» (1962). كما لها ديوان شعر يتيم بعنوان «العودة من النبع الحالم» (1960)، وهو ينتمي جماليّا إلى فترة الخمسينيات من تطوّر حركة الشعر العربي الحديث.
نالت العديد من الجوائز العربية منها: جائزة شخصية العام الثقافية للدورة 14 من جائزة الشيخ زايد للكتاب 2020، وجائزة الإنجاز الثقافي والعلمي، لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية 2007، وجائزة سلطان بن علي العويس 2006، وسام الثقافة والعلوم والفنون فئة الإبداع 2019، وجائزة محمود درويش للإبداع 2023.
تقول سلمى بنبرة استعاديّة أسيانة: «دعني أعود لاستحضر أيّام الصبا في القدس والتي لا أستطيع أن أنساها. كانت القدس في صباي تسير نحو حداثة أكيدة، منفتحة، عامرة بالخير والأمل. لم تكن تعتمد التفسير الديني لكل شيء ولم تكن تعتمد على مشيخة الفكر وإخضاعه للخرافة والتكفير وتحريم كل ما هو حديث. كان كل شيء في مكانه، أمينا على زمنه، يحترم حتى المتدينون جدا الحرية الشخصية في تبنّي الفكر الحديث وأساليب الحياة أو عدم تبنيهـا. كان عمّي متدينا جدّا، زوجته ترتدي الملاية، وكنا نحن سافرات، ولم نصطدم قط معهم، فلا نحن انتقدنا أسلوبهم في الحياة ولا هم انتقدوا أسلوبنا. كان عند الجيل الصاعد شوق كبير إلى الدخول إلى العالم الحديث. وما كان ممكنا أن تعيش بيننا الأفكار التكفيرية والخرافات الدينية والمعتقدات الخالية من العقلانية. لست أذكر أني شاهدت مرة واحدة صراعا بين الناس على مذهبهم.»
رحمة الله عليها ، إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحمة الله تعالى عليها وأسكنها فسيح جناته ?
رحمة الله على الدكتورة سلمى.فقد التقيتُها أول مرة في حفلة عشاء على ضفة دجلةفي صيف 1980، أقامتها وزارة الثقافة ببغداد في استقبال المرحوم الدكتور عبد الوهاب كيالي. فقدكانت تسأل عني من وزارة الثقافة وكلفتني على الفور بترجمة اطروحتها للدكتوراه من جامعه لندن. وبعد أن أكملتُها توالت التكليفات،وأبرزها كتاب “الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس”وبقيتُ أتعاون معها في أعمال كثيرة على الرغم من بُعد المسافات بيننا في بلاد مختلفة. كانت الدكتورة في حركة دائمة بين بلاد الله الواسعة بحثاً عن دعم للكتب الكثيرة التي أشرفَت على ترجمتها ونشرها في مشروع”بروتا” الذي أسسته وحدهاودخلت كتبها إلى العالم الثقافي والأكاديمي في أوربا وأميركا.ويبدو لمن لايعرف هذه الأديبة الكبيرة أنها تدير مؤسسة نشر كبيرة. ولكن الذي يعرفها كما عرفتُهاأنا لن يستغرب ما كتبتُه عنها يومها بعنوان ” عشرون امرأةً في امرأة…
رحمة الله عليها .
رحم الله الصديقة العزيزة والأديبة والمبدعة د.سلمى ، وغفر لها وجزاها عن خدمة اللغةالعربية خير الجزاء.