رغم “وقوفها الكامل” إلى جانب أذربيجان.. تركيا لا ترغب في تفجر بؤرة نزاع جديدة مع أرمينيا

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول- “القدس العربي”: على الرغم من تكرار تركيا موقفها التقليدي بوقوفها “الكامل” إلى جانب أذربيجان، إلا أن أنقرة لا ترغب على الإطلاق في تفجر بؤرة نزاع جديدة بين أذربيجان وأرمينيا، التي بدأت معها مساراً تاريخياً لإعادة تطبيع العلاقات قد يؤسس لإنهاء العداء الأزلي بين البلدين، في ظل الاتصالات السياسية على أعلى المستويات واتخاذ قرارات تاريخية تتعلق باستئناف الرحلات الجوية وقرب فتح الحدود البرية.

ومع عودة الاشتباكات المسلحة بين باكو وبريفان وعلى نطاق هو الأوسع منذ حرب قره باغ، تجد أنقرة نفسها مضطرة لتجديد وتأكيد وقوفها الكامل لجانب أذربيجان إلا أنها تسعى بدرجة أساسية لحث الأطراف على وقف الاشتباكات واللجوء إلى الحوار والحل السياسي في محاولة لتفادي خسارة “الفرصة التاريخية” لإعادة تطبيع العلاقات مع أرمينيا وذلك ضمن مسار أوسع للعودة إلى سياسية “صفر مشاكل”.

وتولي الحكومة التركية في الوقت الحالي أولوية كبيرة للمسار الدبلوماسي بعيداً عن السياسة، التي سادت طوال السنوات الماضية والتي كانت تقضي بالتدخل عسكرياً بالخارج بشكل مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك مساندة أذربيجان في حرب قره باغ التي انتصرت فيها باكو على بريفان، إلى جانب التدخلات العسكرية المختلفة في سوريا والعراق وليبيا وغيرها من المناطق.

إلا أن هذه الاستراتيجية شهدت تحولات جذرية مع البدء بمسار جديد يسعى للعودة إلى سياسة “صفر مشاكل” التي سادت في بدايات حكم حزب العدالة والتنمية والتي مكنت من القيام بنهضة اقتصادية حقيقية في تركيا، قبل أن تساهم التدخلات العسكرية في تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد مؤخرا، والتي تسعى الحكومة لتقليل آثارها السلبية قبيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية الحاسمة المقررة منتصف العام المقبل.

ومع اندلاع الاشتباكات، وجهت أنقرة دعوات للتهدئة تميل إلى الوقوف أكثر إلى جانب أذربيجان، إلا أن تصاعد الاشتباكات ووقوع عشرات القتلى من الجانبين دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للتأكيد مجدداً على وقوف بلاده إلى جانب أذربيجان، داعياً إلى “تعزيز السلام”.

وقال أردوغان: “نأمل عدول أرمينيا عن هذا المسار الخاطئ في أقرب وقت وتكريس وقتها وطاقتها لتعزيز السلام”. وأضاف: “لا يمكن قبول الوضع الناجم عن انتهاك أرمينيا للاتفاق المبرم مع أذربيجان عقب الحرب”، وتابع: “على العالم أجمع أن يعلم أننا نقف إلى جانب أشقائنا الأذربيجانيين ضد الهجوم الأرميني الأخير مثلما نقف إلى جانبهم على الدوام”، وهي تصريحات تقليدية لكنها تبقى أقل حدة من التصريحات التركية التي سادت طوال السنوات الماضية.

وعلى الرغم من التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها العلاقات التركية مع العديد من الدول حول العالم، إلا أن عملية إعادة تطبيع العلاقات مع أرمينيا ورغم أنها تسير ببطء شديد إلا أنها تتمتع بأهمية خاصة كونها نجحت حتى الآن في تحقيق اختراق غير متوقع يمكن أن يؤسس لإنهاء العداء التاريخي بين البلدين.

وقبل نحو شهر، جرى اتصال هاتفي نادر بين أردوغان ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أكد خلاله الرئيس التركي على “الأهمية التي يوليها لمسار تطبيع العلاقات بين البلدين”، بحسب بيان للرئاسة التركية أفاد بأن الجانبين شددا على “الأهمية التي يوليانها لمسار تطبيع العلاقات التركية الأرمينية التي ستساهم في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة”.

وفي 15 ديسمبر/كانون الأول 2021، عينت تركيا سفيرها السابق لدى واشنطن سردار قليج، فيما عينت أرمينيا نائب رئيس البرلمان روبن روبينيان، كممثلين خاصين لمباحثات تطبيع العلاقات حيث جرت 4 جلسات حوار في موسكو وفيينا أفضت إلى خطوات لإعادة بناء الثقة بين البلدين دون الإعلان بعد عن تطبيع كامل للعلاقات الدبلوماسية، كما جرى عقد لقاء على مستوى وزيري خارجية البلدين هو الأول منذ سنوات.

وعقب الجلسة الأخيرة في فيينا، قالت وزارة الخارجية التركية إن تركيا وأرمينيا اتفقتا خلال محادثات لتطبيع العلاقات على أن الدولتين الجارتين ستبدآن تجارة مباشرة بينهما عبر الشحن الجوي في أقرب وقت ممكن. وذكرت الوزارة أن الدولتين اتفقتا أيضا على السماح لمواطني دول ثالثة بالعبور من حدودهما المشتركة في أقرب وقت ممكن وقررتا بدء الإجراءات المطلوبة لتنفيذ ذلك. وأشار البيان إلى أن مبعوثين اثنين من البلدين ناقشا أيضا إمكانية اتخاذ خطوات أخرى لتحقيق “التطبيع الكامل”.

وكانت الضغوط الأرمينية على أمريكا وأوروبا والضغط من أجل اعتراف العواصم الغربية بأحداث الحرب العالمية الأولى بين الأرمن والدولة العثمانية عام 1915 على أنها “إبادة جماعية” قد أدت مراراً إلى تفجير الخلافات بين أنقرة والعديد من الدول الأوروبية وقبلها أمريكا، ومن شأن إعادة تطبيع العلاقات إلى تجميد هذه المساعي الأرمينية ونزع فتيل الكثير من الخلافات التركية مع الغرب.

وعقب استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991 اعترفت تركيا بأرمينيا كجمهورية مستقلة، لكن ما لبثت أن تفجرت الخلافات بين البلدين عقب احتلال أرمينيا لإقليم قره باغ الأذربيجاني عام 1992، إلى جانب الإرث التاريخي الصعب المتعلق بأحداث الأرمن إبان الدولة العثمانية بقي ملف قره باغ من أهم ملفات الخلاف بين البلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية