رواية «الطّرحان»: ملحمة الدم… الحب والاغتراب

نالت رواية «الطّرحان» للروائي الجزائري عبد الله كروم الجائزة الكبرى للرواية آسيا جبار في عام 2022 وقال عبد الحميد بورايو أحد أعضاء لجنة التحكيم في تقريظها (كشفت الرواية عن معرفة عميقة مكنت الكاتب من تجسيد الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشتها منطقة توات وما تولد عن ظروف تحكم الاستعمار وسلطة فئة التجار وبعض ملاك الأراضي من أصحاب المال والسطوة في استغلال الفئات الدنيا).
هي رواية صدرت في طبعتها الثانية عن دار خيال في 244 صفحة ويشكل العنوان والغلافان الأمامي والخلفي، إضافة إلى الأقوال المقتبسة عن أبي نواس وهرقليطس وبوذا، عتبات تفضي إلى المتن السردي الشيق بناء فنيا وفكريا، فالعنوان «الطّرحان» يحيل على تعامل تجاري استغلالي بين فئات الشعب والتجار قوامه، الإقراض بالرهن الذي سيؤدي لاحقا إلى تجريد صاحب الملكية من أرضه وبيته، أما صورة الغلاف بخلفيتها الصفراء والأرجوانية وهما لونان يحيلان على قساوة البيئة الصحراوية من مكابدة حر ورمال وطبيعة جرداء وعواصف رملية ثم هذه النخلة الشامخة رمز الثبات والعطاء والرجل في أسماله يتقدم في هذه الحرارة بين كثبان الرمل وعاصفته لتحصيل القوت، وأخيرا تأتي العبارات المقتبسة تكثف معنى المقاساة والحلم، أما الغلاف الثاني فتضمن بعض مقتطفات لأعضاء لجنة التحكيم في تقريظ الرواية، ما يعني ضرورة أن يأخذ القارئ هذا الروائي الشاب على محمل الجد، وإنه إزاء عمل فني مكتمل فكريا وجماليا التي تفيد جدارة الرواية بالتتويج بامتلاك الروائي للأداة والرؤية الفكرية والجمالية، وهي تتلخص في كون هذه الرواية هي رواية الحب والدم واليتم والاغتراب ورحلة الوعي كذلك. جاءت الرواية في خمسة فصول ويحيل عنوان كل فصل على الحرمان والتعب والمقاومة، بحضور رمزي له دلالة للنخلة، وهي عتبة كذلك تكثف مضمون الفصل وكتله السردية «وقفة على أعجاز نخل خاوية»، «ريح هزت جذع النخل»، «كلما تقلم النخل سمق»، «فسيلة غرسها الأب ورعاها الجد»، «ويبقى جذع النخل صلبا»، فالنخلة بما هي رمز للعطاء هي رمز للصبر وللثبات والتحدي لتتوالى الكتل السردية من 1 إلى 21 كتلة سردية رواية قصة البطل السباعي ولد نجوم وأنشوطته الوجودية من قصر أو قرية توات في ولاية أدرار الجنوبية إلى فيتنام، والعودة ثانية إلى مسقط الرأس.

السباعي ولد نجوم الشخصية الرئيسية وراوي الأحداث بضمير المتكلم يتخلل هذه الحكاية وصية خطية من الجد ومذكرات بعض شخصيات الرواية ورسائل متبادلة بينه وبين الفرنسية «نادين» وليست أكثر من أدوات فنية، لجأ إليها القاص تنير مسالك القص ولدفع أحداث الرواية وتأزيمها في مساحة زمنية تمتد من العام الرابع للحرب العالمية الثانية «عام الغلاء» إلى نهاية حرب الهند الصينية، التي تتساوق مع العام الثاني لثورة التحرير الجزائرية.
هي رواية تتساوق الأحداث فيها بين حروب ثلاث، الحرب العالمية الثانية وحرب الهند الصينية وحرب التحرير، فهذه الحروب هي الرحم الذي استلهمت منه أحداث هذا العمل الفني والحبل السري الذي ظل موصولا بأزمات الرواية وتفاصيلها. واستدعت الرواية تأثيثا خاصا ففي المكان استدعى ذلك جغرافيا منطقة توات الصحراوية، وانقسام السكان بين المرابطين والأشراف والزنوج والغارات القبلية وصعلكة بعض قطاع الطرق الذين يقيمون على حواف القصور، وتضيف بعض المقاطع الوصفية توصيفا خاصا للمكان القصر أو الواحة، ويستدعى الروائي المخزون الثقافي من غناء طبلة الشلالي وفكر صوفي وعلم الأنساب وما توفر في خزانة الجد من مخطوطات لتحيل على حرص الإنسان على التجذر في أرضه وعراقة نسبه وسيشكل ذلك مخزونا فكريا ونفسيا لمقاومة المستعمر الفرنسي، أما الرسائل المتبادلة مع نادين حبيبة السباعي ولد نجوم فهي تنفتح على الرؤية الخلاسية والتثاقف والتمازج الحضاري بعيدا عن ثقافة الاستغلال والاسترقاق.

تندفع أحداث الرواية مشعرة القارئ باقترابها من الأزمة الكبرى والعقدة الأكثر إثارة وتشويقا في حبكة محكمة وبناء فني سلس، حين جمع السباعي بعض المال وقرر العودة إلى توات بعد وفاة أمه الخادم وأخته النايرة المريضة، ليتزوج من الحبيبة الياقوت، فقد جمع مهرها لكن القوات الفرنسية كانت له بالمرصاد لتجنده قسريا مع شباب الصحراء في حرب فرنسا في الهند الصينية وليجهض المشروع الأسري الذي عاش له.

تبدأ الرواية بعودة السباعي ولد نجوم أعرج وللاسم دلالته ومغزاه، إلى واحة توات بعد اغتراب نفسي وجغرافي في الهند الصينية (فيتنام) بعد مشاركة قسرية في الحرب مجندا من قبل السلطات الاستعمارية مع زوجته الفيتنامية سو لونغ وولده أحمد، لكن القصر تغير وعن طريق تقنية الاسترجاع يعود البطل ليحكي قصته مسترجعا أحداث الماضي، فهو سليل رجل فقيه أحمد الكعوي الذي تعهد حفيده بالتربية والرعاية بعد وفاة والده وهلاكه في بئر (الفقارة) وهو يبحث عن تكثير وتجميع مائها لسقي النخيل، ما جعل البطل يعيش أزمة نفسية وجودية فقد أحس أنه مقطوع في إشارة إلى مأساة اليتم، لكن رعاية الجد هيأت له بعض الرضا، فقد حفظه القرآن وتعلم سنة في إحدى الزوايا الفقه، ما خفف من وطأة اليتم عليه، على الرغم من وجود ه مع أمه الخادم وأخته النايرة وتفيض الرواية في توصيف ذكريات الطفولة على ما فيها من مقاساة وكدح في رعاية النخيل أو جمع الملح ومقاومة أسراب الجراد، لتنفتح على ذكريات الطفولة وذكريات البطل مع صديقيه بازا والحساني واشتراكهم في نعمة الحب الطفولي ومأساته، فالسباعي يحب الياقوت وبازا يحب عيشة مباركة والحساني يهوى الخادم. وتكون ليالي السمر هي استذكار نعمة الحب ولهيب الشوق وقساوة الحرمان على وقع طبلة الشلالي وأغانيه الغزلية. لكن الحدث الذي غير مسار الأحداث وشكل منعطفا فنيا في الرواية وفي أحداثها هو رحيل الجد، لولا أنه أوصى بقطعة أرض وبيت للسباعي وآمه، وأحداث هجوم الجراد والفقر جعل السباعي يلجأ إلى النعيمي ليقرضه لكن الطّرحان جرده من أملاكه وغدا مع أمه وأخته بلا سقف يغطيهم، ما اضطر البطل إلى البحث عن عمل في منطقة رقان، حيث بدأت فرنسا التحضير للتجارب النووية في صحرائها وهام صديقاه بازا والحساني على وجهيهما بحثا عن العمل في بشار ووهران، وانتهى السباعي بستانيا في بيت رائد عسكري هو جونسون وعبر تقاطبية المكان يكتشف القارئ النعمة التي يحيا فيها الفرنسيون، والبؤس الذي آل إليه السكان الأصليون، وقد اهتمت به نادين وعلمته الفرنسية وقرأ معها روائع الأدب الفرنسي، فعرف هوغو وبلزاك ولامارتين، كما كاشفته عن شجبها للرؤية الاستعمارية واستغلال الشعوب الفقيرة، وتجسد هذا في كرهها لزوجها الراغب في الترقي والاستغلال عبر ترديده لعبارة «فرنسا العظيمة»، قصة عشق بين السباعي الذي قاسمته نادين الفراش في غياب زوجها العنين، إلا من أحلام العظمة والمجد الإمبراطوري، وأخيرا تركت زوجها وعادت إلى تولوز دون أن تنسى الحبيب السباعي، وتتبادل معه رسائل مودة وعشق، وقد انضمت إلى حركة السلام تحت تأثير الثقافة الصوفية وحركة غاندي وناوءت الاستعمار الفرنسي ودافعت عن القضية الجزائرية بعد اندلاع ثورة نوفمبر/تشرين الثاني الخالدة. بناء فني محكم يحيل على مضمون فكري ينفتح على الرؤية الخلاسية التي لا تشجب من الاستعمار إلا الظلم والاستغلال واحتلال أراضي الشعوب الأخرى، في حين ترحب بالفكر والثقافة وهو ما تجسد فنيا في العشق بين نادين والسباعي، والعلاقة المتأزمة بين نادين وزوجها الرائد جونسون.

تندفع أحداث الرواية مشعرة القارئ باقترابها من الأزمة الكبرى والعقدة الأكثر إثارة وتشويقا في حبكة محكمة وبناء فني سلس، حين جمع السباعي بعض المال وقرر العودة إلى توات بعد وفاة أمه الخادم وأخته النايرة المريضة، ليتزوج من الحبيبة الياقوت، فقد جمع مهرها لكن القوات الفرنسية كانت له بالمرصاد لتجنده قسريا مع شباب الصحراء في حرب فرنسا في الهند الصينية وليجهض المشروع الأسري الذي عاش له. والرواية تتضمن توصيفا لمعاناة المرأة، فهي فاتحة ضحايا الحروب والفاقة فالياقوت انتهت عانسا بعد تجنيد السباعي وعيشة مباركة، انتهت بغيا في بشار، أما الخادم فانتحرت بإلقاء نفسها في بئر بعد محاولة جندي فرنسي اغتصابها، وهكذا يجهض الحب وما يكتب له التتويج بالزواج، وكان قدر المحبين هو الحرمان. واحتاج الروائي لتكريس وجهة النظر هذه إلى توظيف أسطورة شعبية تشبه قصة قيس وليلى وجميل وبثينة وهي أسطورة «رمضان وقدرية» وما لها من دلالة في المخيال الشعبي، وهي تحيل على استحالة اللقاء تحت سقف واحد، ناهيك عن معاناة الأم الخادم ووفاة الأخت النايرة بالمرض. وهناك الاستغلال والجشع من فئة الإقطاعيين الذين يستغلون فقر الناس وحاجتهم فيقرضونهم بالرهن الطّرحان، أي الملكية التي يطرحها المحتاج إلى القرض رهنا لدى الدائن، الذي سينتهي مجردا منها في حضور الطالب أو الإمام» قلوش»، الذي يكتب عقود الرهن وللاسم دلالته فالقلوش هو مكيال، وكأن هذا الطالب تحول إلى مبارك وممالئ للإقطاعيين يرسم ويجد في الفقه سندا له ليجرد الناس من أملاكهم ويأخذ نصيبه من الصفقة.

لغة الرواية شفافة وسلسة ولا تعاني قلقا أو ضيقا في التعبير، والحوار مناسب لكشف أغوار النفس ومستواها الفكري ومكبوتاتها والضغوط اليومية وهي حقا ملحمة تنتصر لقضية الإنسان في نضاله ضد النشاز والقبح في العالم.

ويشكل الفصل الأخير اقترابا للكتل السردية من النهاية، فالسباعي الذي وصل إلى فيتنام مترجما بين الجنود الجزائريين، والضباط الفرنسيين انتهى أسيرا عند الفيت مين، لكن إعجابه بالثائر هوشي منه وببسالة الفيت مين وعدالة قضيتهم وحسن سيرته، انتهت بإطلاق سراحه ليكتشف الثقافة البوذية والحياة في الشرق الأقصى في (هوي هو) وقد انتهى معلما للفرنسية في إحدى المدارس ليتعرف على الراهب دلاماتشو ويحب سو لونغ ويتعلم رقصة الأرز، ثم عن طريق المسجد يتعرف على تقي الدين المولوي الإمام الذي بصره بأشعار الرومي ورقص الدراويش ليقرر أخيرا العودة بعد الزواج من سو لكن التواصل الروحي بين الجزائر وفيتنام، والقضيتين اللتين تدوران حول رفض الظلم والاستغلال، تجد رمزيتها في غرس نوى تمرة في باحة مدرسة، وقد احتفظ بها السباعي من يوم مغادرته لتوات.
تنتهي الرواية بعودة البطل إلى توات، حيث الثورة الجزائرية اندلعت منذ عامين وفي صحبة البطل زوجة فيتنامية وولد سوف يعيش جدلية التقاء الثقافتين البوذية والإسلامية واختلاف العادات واللغة والجغرافيا، لكن قطب الرحى واحد هو نضال الإنسان ضد الفقر والاستبداد والاستغلال.
لغة الرواية شفافة وسلسة ولا تعاني قلقا أو ضيقا في التعبير، والحوار مناسب لكشف أغوار النفس ومستواها الفكري ومكبوتاتها والضغوط اليومية وهي حقا ملحمة تنتصر لقضية الإنسان في نضاله ضد النشاز والقبح في العالم. وتنتصر بطرق فنية وفكرية وجمالية لنضال الإنسان في الصحراء ضد عسف الطبيعة، العطش والحرمان والجراد وقهر الإنسان للإنسان واستغلال الأغنياء للفقراء، وأخيرا قاصمة الظهر الاستعمار الذي باشر في منطقة رقان تجاربه النووية، التي ما زال الناس يعيشون ويلاتها إلى يومنا هذا.لاولو أن الروائي في آخر الرواية تكلف خطابا سياسيا مباشرا وشحنة أيديولوجية زائدة، شكلت مضايقة للبنية الفنية للرواية، ولو أبقى على الأمر كدلالة غير مباشرة تفيض من جنبات سرده الشيق، ثم هناك إشكالية بعض المفردات للدرجة التي أثبتها الروائي كفصحى وهي ليست كذلك ليخلق مشقة في ذهن القارئ العربي، الذي لا يقف لها على دلالة هذه المفردات إلا بعد عناء ومشقة، والخلفية الفكرية والفنية التي يستند إليها عبد الله كروم هي إضفاء الواقعية على السرد، وترسيخ خصوصية المكان الجغرافية والثقافية والفلكلورية ولكن الأمر يصير على حساب اللغة ذاتها وجماليات التلقي لدى القارئ العربي في المشرق والمغرب.
رواية شيقة فنيا وفكريا تشكل صرخة ضد القسوة والقبح والنشاز وتنتصر للإنسان وتشيد بمقاومته بنفس ملحمي من أجل عالم أكثر عدالة وخيرية.

‏كاتب جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية