رواية «النجدي» لطالب الرفاعي: الصراع بين الإنسان والطبيعة

بعد سلسلة من الأعمال القصصية منها «أبو عجاج طال عملك» (1992) و«أغمض روحي عليك» 1995 و«مرآة الغبش» 1997 و«حكايات رملية» 1999 و«سرقات صغيرة» 2011 و«الكرسي» 2012 والروائية منها: «ظل الشمس» 1998 و«رائحة البحر» 2002 و«سمر الكلمات» 2006 و«الثوب» 2009 و«في الهُنا» 2014 صدرت للكويتي طالب الرفاعي رواية أخرى تضاف لما ذكر من رواياته عن دار السلاسل بعنوان «النجدي» (الكويت: 2017) والنجدي هو الاسم الذي غلب على بطل الرواية علي النجدي.
وفي كلمة قصيرة على الغلاف الخلفي كتب أحد أحفاد علي النجدي، قائلا «النجدي رواية تستحضر بخيال متوقد أحداث الساعات الأخيرة من حياة جدي (النوخذة ) علي ناصر النجدي « وهي- أي الرواية – إذ تتخذ من تعرضه لعاصفة بحرية غادرة مساء الاثنين 19 كانون الأول/ ديسمبر 1979 خاتمة للحكاية، تقدم رصدا دالا لجزء من تاريخ أهل الكويت، وعلاقتهم بالبحر، مثلما رواه القبطان الأسترالي آلن فاليرز ، في كتابه المهم «أبناء السندباد»Sons of Sindibad وقد استفتح الرفاعي روايته بفقرة من ذلك الكتاب. تقول الفقرة « لا تبدو مدينة الكويت المسورة في أفضل حالاتها إذا نظر إليها المرء من الميناء، إلا أن واجهتها البحرية التي تمتد مسافة ميلين اثنين من أكثر الواجهات البحرية إمتاعا في العالم» .» لما يراه الناظر في تلك الواجهة من أحواض لصناعة السفن، والقوارب الكبيرة والصغيرة، وهي تقف متلاصقة على طول تلك الواجهة البحرية الممتدة شرقا وغربا بمحاذاة الشاطئ الضحل المنبسط».

الجزء الأخير

ويبدو أنّ المؤلف الرفاعي اكتفى من حديث الأحفاد بالجزء الأخير من الرواية، وهو الذي يقع في الصفحات من 111 إلى 172 التي يروي فيها السارد المشارك (النجدي) حكاية العاصفة التي أودت بحياة بعض الأشخاص، وقد يكون النجدي أحد هؤلاء، إذ يقول في نهاية المرويات «أنا ولدك يا بحر، نسبي إليك، نوخذة، السفينة ستأتي إليّ، بومْ بيان الحبيب، سأبقى في البحر لحين مجيئها، لن أفارق البحر». وقد يجد القارئ في هذا ما يوحي بأن علي النجدي قد غرق فيمن غرق ذات ليلة من ليالي شهر ديسمبر الباردة من عام 1979 وقد يفهم من العبارة أن النجدي يتوقع قدوم السفينة بيان التي ستنقذه من البحر، لكنه، مع ذلك، يتمنى أن يبقى فيه حتى إن كان ذلك يعنى الغرق، فهو مثلما يسمي نفسه ابن البحر، وإليه ينتمي، وينتسب. وتعود بنا الحكاية لطفولة النجدي، فعندما كان صبيا صغيرا تمنى أن يصطحبه أبوه في رحلاته البحرية للصيد، لكن أمه التي تخشى عليه ما يحدث في البحر من كوارث يتناقل أخبارها الناس في الكويت من حين لآخر، تمنعه من ذلك، بيد أنه ينكبّ على يديها يقبلهما كي تسمح له بتحقيق ما يرغب فيه، وينشده، وهو أن يكون بحارا. وبمرور الوقت لانت عريكة الأم، ولانت قناة أبيه، فاقتنع بضرورة اصطحابه معه، والسماح له بالمشاركة في الرحلات البحرية، ليس للصيد وحسب، بل للغوص، والبحث عن المحار واللؤلؤ. وما هي إلا سنوات معدودات حتى قلده قيادة المركب، واستحق بذلك لقب (نوخذة) الاسم الذي يقابلُ كلمة القبطان في غير الكويت.

البطل هو الراوي

وفي متتاليات الحكاية الكثير من التفاصيل التي يرويها المؤلف على لسان النجدي، إذ لا يفتأ يروي لنا ما جرى له، ولمن معه من البحارة في رحلات الصيد والغوص. فهذا هو العمل الوحيد الذي أجاده الكويتيون في ذلك الزمان قبل اكتشاف النفط. فكان أكثرهم يعيشون على الصيد البحري، واستخراج اللؤلؤ، وفي الأثناء تزوج النجدي من (شمّة) التي أنجبت له ابناءً ربتهم قبل وفاتها التربية التقليدية الجيدة. على أنّ النجدي كان قد تأخر في زواجه، ذلك أنه اشترط قبل الزواج أن يرى الفتاة التي تُخطب له رأيَ العين قبل أن يوافق، وقبل أن تجرى معاملات عقد النكاح، وإلا فهو لن يتزوج البتة. وفي هذا كأنَّ المؤلف يقدم لنا نموذجا للشباب الكويتي الثائر على العادات والتقاليد المتحجِّرة. فالأم والأخت والأب يحاولون إقناعه باستحالة ذلك، إلا أنه يبدي عنادا. وقد أتيح له في خاتمة المطاف رؤية شمَّة قبل الزواج، لكن هذه الرؤية تبدو للقارئ مفتعلة، وليست كما ينبغي. ومهما يكن من أمر فقد استعاد النجدي تفاصيل الزفاف بعد أن بلغ من العمر عتيا. وتوفيت شمَّة التي كانت (نوخذة) في البيت فيما هو (النوخذة) في المراكب، والسفن: «ملأ الحزن قلبي يوم موتها، أداري دمعتي في وداعها.. همستُ لها ملفوفة بعباءة جنازتها السوداء: لماذا يا شمّة تركتني وحيدا؟»

ومما أنقذ رواية الرفاعي من الرتابة حديث السارد الشيق عن العاصفة، وصعوبة المواجهة بين النجدي وصحبه سلمان، وعبد الوهاب، وغيرهما.. والطبيعة الغضبى التي تأتلف فيها قوى البحر الهائج، والرياح العاتية المزمجرة، والبرد الشديد القارس.

رتابة السرد

عدا أحاديث الصيد، ومرويات الغوص، ورائحة السمك، وشميم فترة الروبيان، يجد القارئ نافذة أخرى كأنّ المؤلف الرفاعي توقع فيها ما يدفع الملل عن القارئ، وهي زواجه مرة أخرى من نورة. علاوة على هذا الجانب ثمة شيء آخر يدفع الملل عن القارئ الذي لا يُظن أنّ في تكرار الحديث عن الغوص في معظم الحكاية ما يسليه، ويسره، ويبعث فيه الشعور بالترقّب. كالإشارة لكتاب سيف الشملان عن تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت. والإعلان عن قدوم القبطان الأسترالي آلن فاليرز، أو الحديث عن إتمام بناء سفينة العائلة «بيان» في 1937 وهي السفينة التي كان النجدي يشير لقدومها لإنقاذه، متوقعا أن تخترق العاصفة البحرية، والرياح المزمجرة الغضبى.

فهذا وغيره قد يكسر حدة الرتابة في محكيات الصيد والغوص، بما فيها من تفاصيل متكررة تثير الضجر في بعض الأحيان، إن لم يكن في كلّ الأحيان.وفي هذا السياق ثمة ما يلفت النظر، وهو سقوط طفل لامرأة من شَحَر عُمان في البحر، وقد تطلب إنقاذه الكثير من الجهد، والمحاولات الفاشلة تارة، وشبه الفاشلة تاراتٍ أُخر. يجري ذلك وسط هياج الحشد الهائل من أهل الشحر في المركب، وصياح الأم وليدي.. وليدي.. والخوف من أن تفترس أسماك القرش الطفل. ومما زاد هذا السرد توترا الحمولات الزائدة في المركب، وانتشار الشعاب والصخور على كثب منه. والغضب الذي يجتاح الحشود والحركة والهياج الذي يهدّد المركب بالميلان، والانقلاب على أحد جانبيه بسبب الثقل الزائد، وفي هذا المناخ المتوتر يرتفع الصياح والصراخ بالحذر: علّوا الشراع. ارفعوا العارضة. تفرَّقوا داخل المركب بدلا من التجمع في ناحية واحدة. وقد تكون الغاية من التركيز على هذا الجزء من حكاية النجدي لفتَ النظر لما يتصف به النجدي من صلابة، وأنه (نوخذة) بحقّ، وسيظل طوال حياته كذلك. إذ هو على الرغم من كل ذلك قوي الشكيمة، والعزيمة، لا يضعُف، ولا يلين. «فتحت عينيَّ عاشق بحر، ولم أزل» و»ولدتُ من خاصرة البحر» و»أصدقائي يأتون للصيد في البحر.. وأنا أجيءُ لأعيش ذكريات عمري».

عاصفة في البحر

ومما أنقذ رواية الرفاعي من الرتابة حديث السارد الشيق عن العاصفة، وصعوبة المواجهة بين النجدي وصحبه سلمان، وعبد الوهاب، وغيرهما.. والطبيعة الغضبى التي تأتلف فيها قوى البحر الهائج، والرياح العاتية المزمجرة، والبرد الشديد القارس. يستنفد النجديّ ورفيقاه ما لديهم من وسائل المقاومة، بعد ما ثبت لهم ألا حول لهم ولا قوة. هم يحاولون إنقاذ أنفسهم، والعاصفة تبذل جل ما لديها من عناد، وتدفع بهم وبمركبهم في حركة دائرية مثل دوامة تجذبهم، وتشد بهم شداً إلى أعماق البحر. ولا شك في أن الخطر تزايد باندفاع المياه داخل المركب، ما يؤدي إلى اليأس من النجاة، أو إلى ما يشبه اليأس، يقول عبد الوهاب: البرد والمطر يجمّدان كتفيّ. قال النجدي ردا على تساؤل عبد الوهاب إنه يذكر يوم تعرض لما يشبه هذه العاصفة في مضيق هرمز على كثب من جزيرة سلامة، يقول هذا بينما الآخر، يتوسل: أرجوك.. سامحني.. سأموت.. ويهتف به النجدي لا تيأس.. سننجو.
وهذا الصراع بين الإنسان المستضعف، وقوى الطبيعة الغضبى، ربما هو العِظَة الوحيدة التي يخلصُ القارئ، ويفوز بها، من قراءته لهذ الرواية. ولولا ذلك لكانت مجموعة ضخمة متراكمة من (السواليف) عن الصيد والغوص، لا تخلو من تكرار، ولا من رتابة مملة، وتفاصيل زائدة، ومفردات عن أسماء الأسماك، وأدوات الصيد، وأجزاء المركب، وألقاب البحارة، ما يضيف لمعجم القارئ ألفاظا لا يعرف إلا القليل، الذي لا يؤبه له، من معانيها. عدا عن ذلك لا تختلف تقنيات السرد في النجدي- باستثناءات نادرة- عما هو مألوف، ومعروف، في السرد التاريخي، أو شبه التاريخي، الذي يروي للقارئ ما تعرض له بحّار مغامر، أو قبطان (نوخذة) من مجريات في البحر، وحوادث، بعضها حلوة، وبعضها مرة.

أكاديمي وناقد من الأردن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية