رواية «موجيتوس»… صفحة منسية من تاريخ الأندلس

حجم الخط
0

 يظل تناول الأحداث التاريخية سرديًا هو الأصعب بالنسبة للكاتب، نظرًا لعدة أمور منها، تشعب تلك الأحداث وتشابكها، وتعدد شخصيات العمل من ناحية، ومحاولة الهروب من أسر التأريخ بجموده وسطوته، وجفاف مادته، التي تعتمد بالأساس على الوثائق التي تعطي الحدث مصداقيته من ناحية أخرى، ونظرًا لاختلاف قراءات الحدث الواحد لدى المتلقي من ناحية ثالثة، ولانشغال الكاتب الروائي طوال الوقت بالحرص على استيفاء عمله شروط الكتابة الإبداعية، من لغة وخيال وإثارة وتسويق وإمتاع للمتلقي من ناحية أخيرة. فما بالنا إذا كان هذا الحدث التاريخي من الأحداث المهملة التي لم يتوقف لديها المؤرخون طويلًا، فمروا به مرورا عابرًا في كتاباتهم؟

هذا ما اختاره منير عتيبة في روايته «موجيتوس»، حيث استطاع أن يلتقط حدثًا تاريخيًا منسيًا، لينسج من خيوطه المتناثرة ثوب روايته المدهشة، التي نقل خلال أحداثها تصوره الخاص لهذا الحدث العابر، الذي لم يدون كما ينبغي في كتب التاريخ الأندلسي، ربما لينقل لنا صورة قريبة من بؤرة تلك الحقبة المهمة في التاريخ الإنساني، وربما هو نوع من الإسقاط الفني على الواقع الراهن. تقع الرواية في سبعة عشر فصلًا، تحكي حكاية عشرين رجلًا من الأندلس زمن عبدالرحمن الناصر، يقررون في ما بينهم غزو صقلية، بزعامة أحدهم ويدعى «الطماشكة». ترصد الرواية بشكل فني متوازن الصراع الديني في تلك الفترة، بين الإسلام والمسيحية، وتتوقف طويلًا عند سؤال الهوية. يمتد زمن الرواية لمئة عام تقريبًا، يحكي أحداث تلك الأعوام المئة بطل الرواية «مجاهد»، الذي تحول إلى الإسلام خلال طفولته، ليتغير اسمه من «موجيتوس» إلى مجاهد.
اهتمت الرواية بشكل خاص بتسليط الضوء على سلطة الكنيسة خلال تلك الفترة «فترة حكم ملوك الطوائف»، متعددي الولاءات حسب مصالحهم الخاصة، مما كان له كبير الأثر في كسر شوكة المسلمين أمام قوة ملوك النصارى، وتقديم التنازلات الكبرى.
ولذا نستطيع أن نقرر أن هذه الرواية – وإن كانت رواية تاريخية – ولكنها اعتمدت بشكل ملحوظ على لعبة التخييل التاريخي، ولم تسقط في فخاخ التوثيقية التأريخية بالمعنى المعروف، إذ نجد في تفاصيل الأحداث الحضور الإنساني، من خلال قصص العشق بين «موجيتوس وعجب» التي لم ينس حبها، على الرغم من زواجه من «ماريا»، وقصة «عبدالله البلوطي وأسماء» ابنة الفقيه الذي رفض زواجه منها بحجة أنه غير عربي، على الرغم من إسلامه وإجادته للعربية، وكذا قصة «عبدالرحمن بن سالم وصبح» وغيرها مما يؤكد أن واقعية التاريخ لا تتصادم في أي حال من الأحوال مع إنسانية أحداثه، ولذا أعطى منير عتيبة أبطال روايته مساحة للتعبير عن إنسانيتهم.
كما أن الرواية استطاعت عبر فصولها السبعة عشر أن ترصد العلاقة المضطربة بين الشرق والغرب، منذ فجر التاريخ، تلك العلاقة القائمة بالأساس على تبادل المصالح، واستنزاف الغرب لثروات الشرق، خلال حقب التحولات الكبرى في التاريخ الشرقي عمومًا، والإسلامي على وجه الخصوص، تلك العلاقة التي طرفاها الموت والحياة، وهو ما تبدى بوضوح في الغزوات المتتالية التي قام بها العشرون رجلًا أبطال الرواية للمدن والقرى التي مروا بها خلال حملتهم لغزو صقلية. كما أن الكاتب استطاع ببراعة إدارة حركة شخوصه على مسرح أحداث الرواية، على الرغم من تعدد تلك الشخصيات وتباينها وتعدد ميولها وأفكارها، كل هذا من خلال لغة راقية رائقة تقترب كثيرًا في مجملها من لغة الشعر، لاسيما الفصول الخاصة بكريستينا، التي تروي فيها حكايتها المؤلمة، وكيف اغتصبها الشريف وهي طفلة حين فشل في ذلك مع أمها، وكيف ذبح أخاها مارك.
كما أن تداخل الواقعي والأسطوري في أحداث الرواية أضفى عليها نوعًا من الغموض والغرابة التي تستهوي المتلقي، كما هو الحال مع شخصيات مثل إبراهيم بن عامر وعيسى بن أحمد، والطفل الذي أنجبته ماريا «كريستينا» لمجاهد «موجيتوس» برأس عجوز وجسد طفل، وغير ذلك من الأحداث والشخصيات التي عمد الكاتب إلى غرائبيتها، موظفًا تلك الغرائبية والخرافات الشعبية في متن العمل.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية