ريتشارد دوكينز: «ضحية» العدوان الصهيوني

ضحايا العدوان الصهيوني لا يتساقطون فقط في غزة والضفة، بل يتساقطون حول العالم كله. ضحايا العدوان الصهيوني ليسوا بشراً وحجراً فقط، ليست هي الأجساد والأشلاء والبيوت والمستشفيات والمدارس التي تضمها فقط، بل كذلك الأفكار والمبادئ والمثل والرموز التي حملتها على عاتقها وروجت لها وباعتها لنا فاشترينا بلا حساب.
سقط بياعو الأفكار ويا لها من سقطة مدوية مفزعة! سقطوا بهدير يصم الآذان تماماً كما هدير الصاروخ ساقطاً على البيت المجاور، ولماذا المجاور؟ لأنه وفق خبريات أهل غزة، لا يسمع قاطنو المبني الواقع عليه الصاروخ صوته، فصواريخ اليوم التكنولوجية المتطورة التي تقصف بها أمريكا من خلال الجيش الصهيوني أطفال غزة هي أسرع من الصوت، لذا من يُقصف بها لا يسمعها، ومن يسمع صوتها يعرف أنه ناج منها، ويدرك في الوقت ذاته أنها أصابت آخرين بأطفالهم ونسائهم ورجالهم وعجائزهم، هي دوامة من الشعور براحة النجاة وألم عذاب الضمير، التي لا تنتهي.
تماماً مثل هذه الصواريخ التي تدك البيوت وتعجن الأجساد بداخلها بلا رحمة، يسقط بعض المفكرين، لربما الكثير منهم وبعدد يفوق توقعاتنا وبدرجة تفوق تحملنا، بعنف انفجاري يدك كل المبادئ والأفكار والمثل التي كانوا يروجون لها، كل الصور التي كانوا يرسمونها لأنفسهم، كل الإنسانيات التي كانوا يدعونها لتوجهاتهم، لتبقى أسفل كل تلك المثاليات المتداعية أشلاء احترامنا ومحبتنا وإيماننا بهم. سقط هؤلاء كالقنابل الفسفورية، حارقين ليس فقط المبادئ الإنسانية التي طالما ادعوها، إنما كذلك احترامنا لهم وتقييمنا لمكانتهم وكل درجة ثقة أوليناها ذات يوم لأصواتهم المشبوهة القبيحة. سقطوا بكذبهم فأحرقوا ادعاءاتهم واحترقوا معها، غير مأسوف ولا مترحم عليهم.
حين أرسل لي زوجي صباح الخميس تغريدة ريتشارد دوكينز، العالم والمفكر الذي طالما تابعت كتاباته ومقابلاته ومناظراته التي وجدتها عظيمة في تحديها ومنطقها، وهي التغريدة التي يتمنى من خلالها لو أنه استطاع أن يسير في مظاهرة مؤيدة لإسرائيل، شعرت ويا لتفاهة شعوري هذا! بخيانة شخصية، بهزيمة فكرية، وبأزمة وجودية متجددة متفاقمة مع كل يوم من أيام عذابات غزة التي تمر علينا. في الحقيقة لم أكن في يوم من دعاة صنع الرموز، كما أنني لم أنظر لمن شكلوا قدوات علمية وشخصية لي في الحياة على أنهم كائنات فوق بشرية موضعها فوق قاعدة رخامية غير قابلة للمعاينة أو النقد، لكنني في النهاية بشر؛ أتبنى فكرة وأؤمن بها وأجاهد من أجل نشر «فائدتها» وفق اعتقادي، وأتحطم بالتأكيد حين تسقط رموز الفكرة وحاملو لوائها، وأجاهد نفسي حتى لا آخذ الفكرة بإثم الساقط بها.
ودوكينز صاحب المقولة الشهيرة أن البشر لربما أتوا للحياة عن طريق التطور الدارويني لكنهم غير مجبرين مطلقاً على العيش في مجتمع دارويني يأكل فيه القوي الضعيف، هذا الرجل الذي طالما أبهرني بشرحه وتفصيله للنظرية الداروينية وبمقابلاته العلمية الرصينة في إثبات فاعلية وواقعية النظرية وفي الوقت ذاته ضرورة محاربة مخرجاتها الغريزية التي تُخلي البشر من إنسانيتهم وأخلاقياتهم… هذا الرجل يؤيد إسرائيل.
في لحظة اختلطت النظريات والأفكار بقائلها، وهوت كل المبادئ والأفكار والفلسفات النقدية التي طالما آمنت بها في هوة عميقة سحبها إليها دوكينز بسقوطه المدوي فيها. منطقياً، أعلم أن الأفكار والمبادئ لا ترتبط بالأشخاص، وإلا لهوت أعظم المبادئ والمثل الإنسانية في كل لحظة مع زلات البشر الذين لا يمكن لهم أبداً أن يجاروا مثاليتها، ومنطقياً أعلم أن دوكينز العالم الرصين ممكن أن يكون، إنسانياً، عنصرياً بشعاً فاشلاً في مقاومة أحكامه المسبقة المترسبة في نفسه، أعلم كل ذلك وأكثر، إلا أن لحظة الانفجار وما يتبعها من انهيار للصروح لا تختار الهدف الصحيح فتنفجر فيه دون غيره، ولا تركز على الخطيئة فتستهدفها دون غيرها، لحظة الانفجار تأخذ كل شيء معها: المفكر وفكرته وكتبه ومثالياته وذكريات التعرف عليه وقراءة كتبه وجهود الكتابة عنه وتحليل نظرياته وساعات الحديث عنه والنقاش حول أفكاره، كل هذا يتداعى في لحظة الانفجار، كل هذا يختفي أسفل ركام الزيف والتعنصر والوحشية، كل هذا يحترق في ثوان ومعه نفس وروح من آمن بهذا المفكر وعمل من أجل نشر أفكاره.
أعلم أن ريتشارد دوكينز كان ولا يزال وسيبقى عالماً رصيناً في مجال علوم الحيوان، وأعلم أن كتبه حول النظرية الداروينية والفلسفات التي بنيت عليها ستبقى ثمينة في تاريخ العلوم البشرية، اتفق البشر مع ما كتب أو اختلفوا، لكن ما لا أستطيع أن أؤمن به بعد اليوم هو أن تكون في نفسه ذرة خير. من يستطيع أن يأخذ جانب الكيان الصهيوني في حرب القرن هذه على أطفال غزة تحديداً، لا يمكن أن يكون إنساناً «جيداً»، والإنسان الذي يخلو من الجودة الإنسانية، مهما بلغ علمه وتفكيره النقدي وثقافته، سيكون ضرره على البشرية أبعد بكثير من فائدته.
ستستعيد غزة عافيتها بعد حين، وسأستعيد أنا وغيري ثقتنا بالأفكار والمبادئ والمثل والعلوم الطبيعية والإنسانية بعد حين، وسيبقى دوكينز وأمثاله في قاع الحفرة المظلمة العميقة، لربما نقرأ كتبه، نستفيد من علومها، لكننا سنفعل دون أن ننسى أن نلعن كاتبها وأن نقدمه كمثال للعالِم الذي يَخونه منطقه وتُخليه عنصرياته من غريزته وذكائه العاطفي الإنسانيين. سيموت دوكينز كما سنموت كلنا ذات يوم، وستبقى غزة والتاريخ الشاهد على عذاباتها والموثق للمواقف تجاهها. وسيكون «يوم الحساب» التاريخي عسيرا، حين يوضع هتلر وأمثاله على كفة الميزان، ونتنياهو ومساندوه مثل دوكينز وأمثاله على كفته المقابلة، وجوه لعملة واحدة، ومكاييل متساوية لذات الوزن الشرير القبيح.
مسكين ريتشارد دوكينز، لا يعلم أنه كذلك ضحية للعدوان الصهيوني الفاحش، لقد سقط وانفجر ورُدم هو وأفكاره تحت التراب، وحالياً نحن في طور محاولة استخراج الأفكار البريئة من إثمه وإنعاشها في نفوسنا، تاركينه، بلا شك، ليتحلل بعنصرياته تحت الركام.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    من السماء وفكرت انها تتصل به وتم الاتصال به لكي تشكره على ما يكتب عن الحب الطاهر والمبادئ الجميلة والمجتمع لو به منك اثنين لكانت الدنيا غير الدنيا ورجائي ان تتقبل مني اعجابي بك كإنسان وبعد عدد اتصلات طلب منها مقابلة لكي يناقش اخر ما كتب وتعرفت عليه ولا اريد أطول اكثر من هذا وبعد ما تعرفت عليه اكتشفت كل ما يكتب كذب ونفاق ولا يمت للحقيقة بشيء وشخصيته عنيفة ومتسلط وغير إنساني على الاطلاق وجميع المبادي كذب. إذا كنت ذكرت ما ذكرت للتوضيح أصحاب المبادئ في علمنا هذا إذا أردنا معرفة هؤلاء يجب ننتظر حتى يفضحون أنفسهم مثل ريتشارد دوكينز وتعرفت في حياتي على شخصيات الجميع يتمنى منهم الابتسامة وهم لا يستهلون صباح الخير. وشكرا ( 2 )

  2. يقول د. خالد سليمان:

    لا أدري كيف سولت لك نفسك اسباغ كل تلك الصفات الايجابية العبقرية على داوكنز! شاهدي الفيديو القصير التالي المعنون
    Richard Dawkins Is A Fool
    ورابطه: https://www.youtube.com/watch?v=UE0bL0c4AQU&list=PLlwGnXdvknJ5WlPeQJLlC_S02Hrq3_Jnt
    ، وهو جزء من مقابلة معه، وقد تدركين مدى حماقته ومجافاته للتفكير العلمي

    1. يقول وليد بشراتي:

      صدقت. قلت ما في خاطري

  3. يقول رياض:

    كيف لك ان تقرئي كتاب وتلعنين في نفس الوقت. هذا المهرتق ها هو يثبت كذب وحساسة ما يسمى نبي العلمانية في الحياة الدنيا. فكيف سيكون حال أتباعه عندما يكتشفون كذبه يوم القيامة. لا يمكن إلا أن يكون أطفال غزة وأهلها المؤمنين الصابرين على حق مبين. كل من لا يؤمن بأن القصاص قادم في الآخرة لمن يجلس في كرسي اف 16 ويضغط على زر يدمر فيه احلام الناس ويمزق أجسادهم أقول: لو لم أكن أؤمن بهذا اليوم وبأنهم ذاهبون الى حياة افضل والى رب رحيم اصطفاهم لكنت أول المنتحرين من هول ما أرى وأشاهد. لا يمكن لأي شخص ان يسمى عالما اذا كان لا يدعو الى عبادة الله يقول الحق سبحانه ( افغير الله تأمروني اعبد ايها الجاهلون) وصفوا بالجهل وهذا حالهم. د. ابتهال ستولدين ولادة جديدة من رحم معاناة غزة .. سيكون مكان الولادة غزة. انا متأكد.

  4. يقول رياض:

    تصحيح بسبب سرعة الطباعة: كيف لك ان تقرئي كتاب وتلعنين في نفس الوقت كاتبه. هذا المهرتق المسمى بنبي العلمانية ها هو يثبت كذبه وخساستة في الحياة الدنيا. فكيف سيكون حال أتباعه عندما يكتشفون كذبه يوم القيامة؟ لا يمكن إلا أن يكون أطفال غزة وأهلها المؤمنين الصابرين على حق مبين. لكل من لا يؤمن بأن القصاص قادم في الآخرة لمن يجلس في كرسي اف 16 ويضغط على زر يدمر فيه احلام الناس ويمزق أجسادهم أقول: لو لم أكن أؤمن بهذا اليوم وبأنهم ذاهبون الى حياة افضل والى رب رحيم اصطفاهم لكنت أول المنتحرين من هول ما أرى وأشاهد. لا يمكن لأي شخص ان يسمى عالما اذا كان لا يدعو الى عبادة الله يقول الحق سبحانه ( افغير الله تأمروني اعبد ايها الجاهلون) وصفوا بالجهل وهذا حالهم. د. ابتهال ستولدين ولادة جديدة من رحم معاناة غزة .. سيكون مكان الولادة الجديدة غزة. انا متأكد.

  5. يقول سيف كرار... السودان:

    بلغة الحسابات والمعادلات الكيميائيه وغيرها… تقول… لاتدخل في حرب بدون توازن للقوى العسكري.. حماس لاتملك جيوش وقوات مسلحة مثل إسرائيل، لذلك اختل التوازن العسكري مما أدي إلي آلاف الموتي الأبرياء….

  6. يقول حبيب الصفا:

    (النظرية )الداروينية مجرد احتمال ذكره صاحبه لتفسير بعض الظواهر، وهو إلى الان لم يرق من الناحية العلمية إلى درجة الظن فضلا عن اليقين ،،،نعم الحضارة الغربية المتوحشة تروج لهذه الفرضية المحضة وتظهرها للآخرين وكأنها قضية واقعية مفروغ منها لتقنع الإنسان بقيمها الحضارية اللاأخلاقية ،،،ولذلك أنا اختلف مع العزيزة إبتهال الخطيب حين ظنت في أول الأمر كما تقول ان مؤلفات هذا الرجل في دراسة الداروينية كانت بحثا علميا بريئا وأنها تحترم تلك الدراسات ،،بل هو ترويج للتوحش الغربي يلبس لباس البحث العلمي ،،،وما وصل اليه من تأييد الصهاينة هو نتيجة طبيعية لتلك الدراسات الترويجية ،،طبعا هذا لا يمنع من انني استمتع عقلا وقلبا بقراءة ما تكتبه الخطيب من مقالات راقية ونافعة ،،شكرا لها

  7. يقول حسن:

    ايضا يوفال نواح هراري الكاتب الاسرائيلي نفس السقوط . اذ برر في مقابله حينها العدوان على غزه

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية