زعماء يبيعون الوهم في الأزمات

أنفقت كثير من الدول مليارات الدولارات على مدى عشرات السنوات لتطوير ما يعرف بالأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والأسلحة التكسينية القاتلة للحياة، ورغم التاريخ الطويل للبحوث في هذا المجال والتقدم العملي الهائل، لا يزال الإنسان عاجزا عن خلق فيروس مثل «كيوفيد 19» المعروف بكورونا في المختبر، حسب إجماع العلماء، وخلاف هذا يعتبر مبالغة في قدرات البشر، ونتاج عقلية المؤامرة والتهويل.
وما يساق من تبادل للاتهامات، ليس سوى عروض تبريرية، تعكس عجزا مزمنا عن معالجة الوباء لا أكثر، وتأتي في سياق عملية تضليل الرأي العام المحلي، وعلى مستوى أوسع، الرأي العام العالمي، والأمرالأكثر إثارة للدهشة، فرضية إيران حول «خلق الولايات المتحدة الأمريكية فيروسات خاصة بالجينات الإيرانية»! رغم أن الولايات المتحدة باتت تشكل البؤرة الثالثة لانتشار الوباء عالميا.
باستثناء دول الشرق الاوسط وافريقيا، المنشغلة أصلا في الحفاظ على البقاء حكاما ومحكومين، بدأت النقاشات المتعلقة بمرحلة ما بعد الأزمة الصحية لفيروس كورونا، فبعد أشهر قليلة ستتلاشى حالة الخوف والهلع الحالية، لكن العلل، التي كشفها الفيروس، سواء في بنية المجتمعات، ومنظومات الأمان والحماية فيها، أو على مستوى دور منظومة إدارة الدولة وملحقاتها الإعلامية في عمليات التضليل، التي مارستها على الرأي العام المحلي، أو على مستوى إشكاليات الاتحادات والمنظمات الدولية والإقليمية بصيغها المتعددة.

الأزمة الصحية العالمية، دفعت البعض لإعلان وفاة الديمقراطية الغربية اختناقا بكذب الحكومات على الشعوب بشكل متواصل

في عصر ثورة المعلومات، ازدادت المعرفة، لكن الوعي تراجع، هناك ضخ هائل للمعلومات عبر شبكات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، خلق لدينا وهم أننا أصبحنا نملك معرفة كافية لاتخاذ قرارات صحيحة في حياتنا العامة، ما مدى دقة ما نحصل عليه من معلومات؟ كم عدد الأفراد الأفراد الذين يملكون القدرة المالية للبحث عن المعلومات الدقيقة؟ كم منا يملك الخبرات والأدوات الضرورية لكشف عمليات التضليل، التي تُمارس على المواطنين العالميين على شبكة الإنترنت؟ عشرات الأسئلة حين نفكر في الإجابة عليها، ندرك حقيقة أننا عالقون في الشبكة، كصيد، ولا نملك سوى عجزنا الحالي. من يتحكم بقواعد اللعبة، مجموعات المصالح من النخب السياسية الحاكمة والطبقة فاحشة الثراء وشركاتها العملاقة، يملكون قواعد البيانات والمعلومات، ويستثمرون بها لضمان مصالحهم واستمرار نفوذهم، أما الفرد في مجتمع الإنترنت ووسائل التواصل، فقد تحول إلى رقم في عمليات اقتصادية سياسية معقدة ومتشابكة، تصب في نهايتها في مصالح تلك النخب.
لم يكن الأمريكيون يتصورون أن مدينة نيويورك لا تملك ما يكفي من المعدات الطبية، وأجهزة التنفس، لإنقاذ المرضى في حال انتقلت عدوى الفيروس التاجي لسكانها! فصورة أوضاعهم مطمئنة تماما وفق ما يقوله لهم الرئيس دونالد ترامب، الذي رأى في الأنباء المقبلة من مدينة ووهان قبل شهرين مجرد مشكلة صينية داخلية، بعد ذلك قفز ترامب فوق مشكلة انتقال عدوى الفيروس، إلى اتهام الديمقراطيين وبعض وسائل الإعلام بالعمل على تقديم فيروس كورونا بأسوأ ما يمكن، «ما يخلق حالة هلع في الأسواق»، وفق تعبيره، وسخر من «الفيروس الصيني» واعتبره كالانفلونزا الموسمية، لم يمض شهر على تفاخر ترامب المستمر، بأن لديه أفضل نظام صحي وأفضل علماء وأفضل… حتى بدأت منظمة الصحة العالمية تحذر من أن الولايات المتحدة ستكون بؤرة انتشار الوباء، وبدأ حاكم ولاية نيويوك يستغيث طالبا أقنعة واقية وأجهزة تنفس.
بوريس جونسون المراسل السابق لصحفية «الديلي تلغراف» البريطانية في بروكسل، أقنع البريطانيين بمقالات مليئة بالمغالطات بالخروج من الاتحاد الأوروبي، ووعدهم بأن بريطانيا ستصبح أكبر اقتصاد في نصف الكرة الغربي، وستتفوق على ألمانيا، رغم تقديرات الاقتصاديين التي تقول، إنه خلال 15 عامًا سيكون الاقتصاد البريطاني أسوأ بنسبة 3.9% مقارنة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، جونسون بعد أن أصبح رئيسا لوزراء بريطانيا قال للبريطانيين ببساطة «لاحاجة لاتخاذ إجراءات صارمة لوقف انتشار الفيروس في بريطانيا، لأن الفيروس سينتشر في البلاد على أي حال.. وأن العديد من العائلات ستفقد أحباءها» .
هذه الأزمة الصحية العالمية وتبعاتها الاقتصادية القاسية، دفعت البعض للإعلان عن وفاة الديمقراطية في الغرب، اختناقا بكذب الحكومات على الشعوب بشكل متواصل، فضلا عن اتهامها بالتستر على الحقائق المتعلقة بالوباء منذ البداية، وتراخيها في اتخاذ الإجراءات الضرورية في وقت مبكر لمواجهة الفيروس التاجي . هؤلاء ذهبوا إلى أبعد من إصلاح الأنظمة السياسية الديمقراطية في بلدانهم، ووصلوا إلى حد التشكيك بالنظام كليا، بالنظر إلى تمكن الصين خلال الشهرين الماضيين، من وقف انتشار فيروس كورونا، في حين عجزت دول ديمقراطية أخرى كإيطاليا الأكثر حرية وتسامحا، واعتقد هؤلاء بجدوى أولوية القواعد المفروضة من السلطة على الحرية، وذكر بعضهم مرحلة ما يعرف بالكساد الكبير في القرن الماضي، حيث بدت الأنظمة الشمولية لألمانيا النازية وروسيا السوفيتية أنها تستجيب بشكل أفضل، ومتفوقة في معالجة مثل هذه الأزمات. بالتأكيد هذه مبالغة غير جدية، فلا أحد معجب بتاريخ مثقل بالعنف والاضطهاد وانتهاك حرية وكرامة الإنسان، ففي الأنظمة الشمولية ليست الإشكالية في حجب المعلومات فقط، بل في تغييب المجتمع ذاته، ثم إنه يجب ألا نتجاهل نجاح كوريا الجنوبية وسنغافورة في الحد من انتشار الوباء وغيرهما من الديمقراطيات. لكن هذه المبالغات لا شك بأنها تعكس الضيق من القيم البائسة للكثير من الأنظمة الديمقراطية الحالية، خاصة التي تتمظهر إعلاميا بمقدار كبير من الحرية والتسامح، كالولايات المتحدة، رغم عمق الانقسامات السياسية الداخلية، التي يغذيها أصحاب المصالح الاقتصادية والنخب الثرية، من أجل ضمان استمرار مصالحهم والتحكم بمفاصل مؤسسات الحكم والإعلام، هذه النخب فقدت حتى حس التعاطف مع الطبقات الاجتماعية، التي باتت تئن تحتها بشكل موجع، الأمر الذي عمق تشظي البنى الاجتماعية، وقلّص عمليا حقوق المواطن، إلى حد لم يبق لديه سوى حقه بالانتخاب، وتركوه في أزماته يواجه مصيره وحيدا، كما يحدث الآن، حيث باعته إدارة الرئيس ترامب الخداع في بداية انتشار الفيروس التاجي، خلال سلسلة من الإحاطات التلفزيوينة اليومية، ثم قدمت لهم الحجر الصحي في منازلهم، بعد إخبارهم «انتهت حلول الأرض، الأمر متروكٌ للسماء»، حسب تعبير رئيس وزراء ايطاليا جوسيبي كونتي.
ما حدث يتعدى مسألة تضليل حكومات لشعوبها، من أجل كسب تأييدها في قضية ما، إنها أفعال تمس حق الإنسان بالحياة بشكل مباشر على المستوى الوطني، أو بين الدول أو على مستوى المنظمات الأممية، حيث ظهر جليا أن الأمم المتحدة ومنظماتها كيانات مقعدة، غير قادرة على احتواء تناقضات المصالح السياسية والاقتصادية للدول الكبرى، من أجل توحيد الجهود، على الأقل لمواجهة جائحة صحية، فكيف بوقف الصراعات المسلحة التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، كما يحدث في سوريا واليمن وليبيا ودول اخرى.
إن المستويات المريعة من التضليل التي حدثت مع انتشار فيروس كورونا، محليا داخل الدولة، وعالميا بين الدول، تبقي المجتمعات الإنسانية أمام تحدي الوصول للمعلومات الصحيحة، وسط ظلام التكتم الكثيف على المعلومات التي تخص حياتنا كمواطنين، فضلا عن عمليات التضليل وتدفق المعلومات الزائفة، أليست ذرائع الحرب على العراق تأتي بهذا السياق، أليست اتهامات ترامب للصين، واتهامات ايران للولايات المتحدة بإخفاء المعلومات عن الفيروس التاجي، مستوى آخر من العلاقات بين الدول الكبرى، يخفي خلفه مستويات أكثر سوءا وتهديدا للحياة على كوكب الأرض.
بغض النظر عن الإشكاليات التي أثارتها تجربة جوليان أسانج وفريقه، من خلال ما نشره موقع «ويكليكس» من وثائق شكلت صدمة للملايين حول العالم، بعد اطلاعهم على جانب من الفساد المالي والسياسي لمنظومات سياسية واقتصادية في عدة دول، لقد عكست وثائق «ويكيليكس»عمق حاجتنا للمعلومات الصحيحة من ناحية، وأعطتنا المثال كي نحاول الحصول على حقنا بالوصول إلى المعلومات الصحيحة، التي تخص حياتنا، وبطرق مشروعة، لأنه من غير المنتظر أن تمنح مجموعات المصالح السياسية والاقتصادية المواطنين حقهم بالوصول إلى المعلومات الصحيحة، والاستخدام الآمن لشبكات الاتصالات، هذه العملية تستدعي ترميم مؤسسات المجتمع المدني الحالية، وإعادة بناء هياكل هذه المؤسسات، والتشبيك بينها محليا وإقليميا ودوليا، كمقدمة لكسر أو التخفيف من مشكلات احتكار الشركات الكبرى وتحكمها بمنجزات التقدم التقاني الاتصالي والمعرفي، وخلق نوع من التوازن في العلاقة الحالية بصورة تخدم مصلحة الفرد، ومؤسسات المجتمع المدني، التي ستقود عمليات فرض العامل الإنساني عمليا في السياسات الحكومية، في سياق استراتيجية عامة دائمة، محليا وإقليميا ودوليا، فسكان كوكب الأرض لم يحتاجوا كائنات فضائية تغزوهم، كي يدركوا أن مصيرهم واحد، بل كان فيروس أصغر من الجرثومة بنحو ألف مرة، لم يكترث بسلاح الدول النووية وحاملات طائراتها وصواريخها العابرة للقارات، ولا بعظمة جيوشها ومستوى تسليحها، ولا بضخامة الثروات المادية لأولئك الذين يبنون صناعات على أجساد البشر المعتلة بأمراض اكتشفت وأخرى بعد.
صحافي وكاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول مؤيد السعدي:

    كسوريين لم نكن بحاجة لانتظار النتائج المترتبة عن أزمة كورونا لنعرف مدى العجز الذي تعاني منه المنظومة العالمية على كافة الأصعدة والمجالات، أيضا اتضح لنا جليا كمية الكذب والتزييف التتان تعاني منهما هذه المنظومات، حيث وقفت عاجزة عن إيقاف النزيف السوري أو ربما لم تكن ترغب في إيقافه، ولم تدعم حقوق الشعب السوري في الحرية والديمقراطية، ولم توفر ظروفا انسانية حتى للاجئين السورين والنازحين الذين يعيشون في ظروف غير انسانية، عدا عن عدم تقديمهم أية حلول لمشاكل المعتقلين للسوريين في معتقلات ومسالخ النظام المافيوي على الرغم من جميع التسريبات والتوثيقات التي تمتلكها هذه المنظومات عن مدى الانتهاكات والتي تعد جرائم حرب بحق المعتقلين، وذلك يفضي في إلى التأكيد على أن العالم اليوم محكوم بجماعات من المافيا المنظمة والمتصلة فيما بينها والتي تقتات على دماء الشعوب وترتقي رقابهم على غفلة من الكثير وتمجيد من آخرين

  2. يقول محمد السعدي:

    مقال رائع ابو الياس وتكمن روعته في إعطاء نظره عالميه للانظمه السياسيه في معاملتها مع شعوبها وإظهار مدى الفساد من خلال التعامل مع الازمات الفاضحه للانظمه والمضلله لشعوبها .

  3. يقول ابو محمد ياسين البلخي:

    أبدعت استاذ عماد

  4. يقول Ahmd:

    استاذ عماد اعتقد ان ما يحتاجه العالم هو الحكم الرشيد والبناء على التجربة الديمقراطية التي عاشتها الكثير من دول العالم من اجل الحد من تغول السلطة السياسية، و حضرتك طرحت تطوير المجتمع المدني هذا امر على غاية من الاهمية، كلمة اخيرة المقالة رائعة جدا.

  5. يقول بلحرمة محمد المغرب:

    يا استادنا الفاضل فالانسان اضعف مما يمكن ان يتصور وهده حكمة الهية فهدا الفيروس الدي لا يمكن رؤيته بالعين المجردة قد بين بكل وضوح مدى عجز الانسان فمادا لو كان هناك شيء اكبر؟

  6. يقول Kafa:

    الحكومات كانت ولا زالت وستبقى تقتات على لحم الشعب حتى في الدول الاكثر ديمقراطية ومع كل هذا التطور التكنولوجي لا زال الوصول للمعلومات ليس من حق المواطن رغم اني_ وبرأيي الشخصي _ هناك معلومات ليست من شأن العامة فهي تحدث بلبلة كبيرة لا يحمد عقباها

اشترك في قائمتنا البريدية