سوريا وثقافة المهرجانات

منذ عام 1984 لغاية عام 2011 وأنا أعمل بصفة مرشد ثقافي لدى مديرية الثقافة في الرقة. الرقة التي تفوقت في نشاطها الثقافي على كل المدن السورية. وللبيان أقول إن ذلك النشاط لم يكن للرقة كمدينة زراعية تحلم بالتنمية، كان لمديرية الثقافة، والقليل من روادها! إذ ليس كل من حضر تلك الفعاليات كان مهتما بالمعرفة (المسؤولون وخدمهم. التابعون، وما أكثرهم. الفضوليون. الطفيليون. المدعّون. والباحثون عن التسلية أيضا) وهذا من طبيعة الكرنفالات. خلال تلك الفترة تمت دعوة المئات من الكتّاب والفنانين والصحافيين، من المحافظات السورية كافة، والدول العربية، وتركيا وإيران وأوروبا وأمريكا. أموال طائلة صرفت على تلك المهرجانات. الآن يمكنني أن أقول عن تلك الأنشطة إنها كانت فرصة متعددة الاستعمالات، فهي بالنسبة للمسؤولين فرصة (للبروزة) وهي بالنسبة للمثقفين فرصة سياحية على حساب وزارة الثقافة، وهي بالنسبة لمثقفي الرقة فرصة (للتماحك) مع الآخر، والتعرف عليه عن قرب، وثمة فوائد أخرى لست بصدد ذكرها الآن. والغريب في الأمر أن تلك النخبة من الزوار لم يحاول أيّ أحد منهم أن يتعرف على تلك المحافظة، أو أن يلامس وجعها التنموي بقلمه، أو بكلامه عنها حين يتحدث إلى وسائل الإعلام! وكأنهم جاؤوا (لينبسطوا) وقد (انبسطوا) فعلا. والكثير منهم كان لديه خبرة في استغلال تلك المهرجانات، فأحضر معه حبيبته ليكتمل (البسط).
وهنا لا بد من إثارة السؤال التالي: إن لم يكن المثقف هو المهتم بالشأن العام، فمن هو المثقف؟
ولد مفهوم» المثقف» في فرنسا عام 1894، حيث قامت مجموعة من الكتّاب منهم إميل زولا وأناتول فرانس ومارسيل بروست وليون بلوم، بالتوقيع على بيان يطالبون فيه العدالة بأن تعيد النظر في قضية الضابط «درايفوس» المتهم بتسريب معلومات عسكرية إلى ألمانيا. وقد حمل ذلك البيان اسم «بيان المثقفين» بذلك البيان خرج مفهوم المثقف إلى فضاء الشأن العام. والمهم أن ذلك البيان نشر في جريدة «الفجر» عام 1898، أي أنه لم يكن موقفا سريّا يتداوله المثقفون في ما بينهم، وبذلك قدّم أولئك المثقفون صورة جديدة للحياة الثقافية الفرنسية، «وقد تحول الصراع حول مفهوم المثقف إلى صراعٍ يُخفي في داخله تيارين: تيار يرى أن مصلحة الدولة هي الأهم، ويجب العمل على ترسيخها وتدعيمها، وتيار آخر يعتبر أن المثقف الذي أخذ وظيفة التعبير عن المجتمع عليه أن يُحاسب هذه الدولة وأن يراقب ويتابع أنشطتها ووظائفها». أرجو أن لا يفهم كلامي على أنني ضد المهرجانات الثقافية أو الفنية، كيف ذلك ولا توجد دولة في العالم لا تقام فيها مهرجانات، أنا ضد أن تكون تلك المهرجانات بديلا اعتباطيا للتنمية، وستارا للتغطية على انتهاكات القطاعين (العام والخاص). وأن يكون المثقف ردّاحا مداحاً، أنانياً لا يرى سوى مصلحته الشخصية.
كتب منذر المصري ذات يوم: (الساعة الخامسة والنصف صباحا. بروح محبطة كهذه. ماذا أكتب؟ كيف أكتب؟ عليّ أن اعترف. ربما أجد في هذا خلاصا ما. ربما أجد بعده بداية جديدة… هزمني الطغيان) وأنا أقرأ تلك الكلمات تذكرت قول الشاعر:
« عجيب عالم الكتّاب تقسو، ظروفهم/ وألسنهم ترّق
كبعض الناس هم، فإذا استثيروا، فبينهم وبين الناس فرق»
مع الأسف هذه الاستثارة لم تحصل، وهذا الفرق لم نلاحظه!

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية