سيرة صالح كامل: الرجل الذي أعاد تشكيل الإعلام وأحدث ثورة في الاقتصاد الإسلامي

في يوم 18 مايو/أيّار 2020، رحل عن عالمنا صالح كامل، رجل الأعمال السعودي الشهير، مؤسس مجموعة دلة البركة، وأحد رواد المستثمرين في حقل الإعلام في وطننا العربي. لم يكن صالح رجلا عاديا، ولا مستثمرا كبقية المستثمرين. تميز عن غيره منذ نعومة أظفاره بسعة خياله، وحدّة ذكائه، وصلابة إرادته، فضلا عن روح المبادرة، ومرونة التفكير، وحسن التدبير، وحبّ الخير، والإحسان إلى الغير.
بعد بداية متواضعة، استطاع أن يشيّد صرح إمبراطورية تجارية قُدرت قيمتها بمليارات الدولارات. وأدرجت مجموعة دلة البركة، التي أسسها عام 1969، في قائمة أفضل خمس شركات في المملكة العربية السعودية، تعدّت نشاطاتها التجارية حدود المملكة لتنتشر في أنحاء الشرق الأوسط وافريقيا وآسيا. رحل الرجل عن عمر يناهز 79 عاماً، تاركا خلفه إحدى أروع قصص التحدي والصمود والنجاح في عصرنا، ارتأى المؤلفان السير وليم باتي وباتريشيا لانكستر جمع تفاصيلها وتوثيقها في كتاب بعنوان «ذات مرة في مكة – قصة صالح كامل صاحب رؤية ورجل أعمال محب للخير».

طفولة في حضن السعودية التاريخية

لم تكن صياغة هذا الكتاب أمرا هينا، فقد تطلب الأمر إعداد بحث مكثف وإجراء مقابلات مع عدد من أفراد الأسرة والأصدقاء، إضافة إلى زملاء الشغل والموظفين. ومع أنّ السير وليم حظي بشرف لقاء صالح كامل في فترة عمله سفيراً لبريطانيا لدى دول المنطقة ومن جملتها العربية السعودية، إلاَّ أنّ مهمة جمع المعلومات وإجراء بحث يسلط الأضواء على سجلٍ حافل بالنشاطات والنجاحات والأحداث، بدا منذ الوهلة الأولى مسعى صعبا.
يرحل بنا الكتاب في بدايته إلى مهد طفولة صالح كامل التي عاشها في مدينتين عريقتين في السعودية: مكة وجدة. كانت هذه الأخيرة آنذاك «العاصمة الدبلوماسية للبلاد ومقر وزارة الخارجية والسفارات. وقد ظلّ الأمر كذلك حتى الثمانينيات حيث انتقلت العاصمة إلى الرياض». ويعود بنا إلى الماضي مستعرضا تاريخ جدة التي تأسست عام 646م، ثم يغوص بنا في أعماق تاريخ المملكة، قبل الحديث عن ماضي صالح كامل وعائلته ونشر تفاصيل مثيرة عن حياته وإنجازاته، بدءاً بطفولته. ولد كامل عام 1941 ونشأ في كنف عائلة بسيطة عرفت ضيقا ماليا وأوقاتا عصيبة. كان على والده الكد لإعالة أسرته، وهو ما أشار إليه كامل لاحقا في مقابلة، «عندما كنا في مكة، كان راتب والدي في كثير من الأوقات ينتهي قبل نهاية الشهر، فكنا نضطر إلى اقتراض مبالغ صغيرة من أحد الجيران».

تأثيره في الإعلام والسياسة

يقول مثلٌ عالمي، «إن لم تجد طريقا، اصنع واحدة». ينطبق ذلك تماما على صالح كامل. فمن السمات اللافتة للنظر في شخصيته نظرته الإيجابية إلى الحياة، ورفضه الرضوخ للواقع، أو الاستسلام للفشل، وعزمه أخذ زمام المبادرة ومواجهة كل التحديات، ما جعله شخصا فريدا ورائدَ أعمالٍ مذهلا في أوساط مجتمعه. من مبادراته اللافتة للانتباه وهو شاب مبادرةُ الحركة الكشفية. لما أدرك اهتمام الأطفال السعوديين بالانضمام إلى الحركة الكشفية ولاحظ عدم توفر اللوازم التي يحتاجونها، بادر باستيرادها وتوفيرها للمهتمين. وصف صالح كامل هذه العملية في مقابلة بـ»تحديد الحاجة والاستفادة من الموارد المتاحة لتلبيتها». رافقت روح المبادرة هذه صالح كامل مدى الحياة، ففتحت له أبواب النجاح في ميدان التجارة وعوالم أخرى متعددة من جملتها الإعلام. كان عمره 13 عاما فقط عندما شاهد زملاءه الطلبة يلصقون إعلانات على حائط المدرسة الثانوية لعرض أو طلب أغراض أو خدمات. فخطر بباله إطلاق مجلة تحمل اسم «مرآة المنح الدراسية». أثارت مبادرته أنظار العالم من حوله وتعدت شهرته محيط المدرسة، وارتقت إلى أعلى مستوى. فصار أول طالب في جدة يتلقى تكريما رسميا على إنجازاته من الملك فهد شخصيا، الذي كان وقتئذ يشغل منصب وزير التعليم. وبعد الإعلام، ترك كامل بصمته في عالم السياسة. فبعد أن أنهى دراسته في جامعة الملك سعود، تولى منصباً في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ثم التحق بوزارة المالية، حيث حصل على ترقيات وحظي بتقدير لأفكاره وخططه النيرة التي استفادت منها الوزارة.

إمبراطورية صالح كامل التجارية

لقي كامل امتيازات متعددة أثناء عمله في وزارة المالية، لكنّ ذلك لم يُغْرِه بالبقاء فيها. شعر بأن الوقت قد حان لتغيير حياته المهنية، مستخلصا عبرا من تجربة والده الذي لم يقبض أجرا وافرا من الخدمة العامة، فعقد العزم على بناء إمبراطورية تجارية، لم يكن اهتمام كامل بالأعمال التجارية جديدا، بدأ ذلك وهو في سنوات الطفولة، حيث شرع في بيع عظام الأغنام، ثم الحمص المسلوق التقليدي والبهارات والمخللات الحامضة. إحدى الحقائق المثيرة للانتباه في سيرته هي أن «الدوافع المالية لم تكن وحدها حافزا إلى السعي لتحقيق النجاح… فالرغبة في رفع شعار التحدي هي الحافز الأكبر». كان من مبادئه في العمل بلوغ الهدف وتحقيق الرضا، وهو ما أكده صهره ناجي ناظر: «بالنسبة له، كان ذلك أكثر أهمية من المكافآت النقدية التي تصاحب النجاح». وبفضل تفكيره الديناميكي وشجاعته وحماسه، توفرت لديه كل إمكانيات النجاح. وأضاف صهره ناجي، «رافقت هذه الحيوية صالح كامل طوال حياته».
ومن العوامل التي ساعدته على النجاح أيضا سعة خياله وثراء أفكاره وحرصه الدائم على إيجاد الحلول والبدائل المناسبة. فعندما لاحظ أن الخدمة البريدية تقتصر على المدن الكبرى في المملكة، بادر بإطلاق خدمة البريد السريع باسم «مؤسسة دلة». كان الأمر مكلفا، إذ أنه احتاج إلى استخدام تقريبا كل مدخراته لشراء 30 سيارة من نوع تويوتا. ولتقليل تكاليف الصيانة، بادر باقتراح تحويل ملكية السيارة إلى السائق الموظف إن أبقاها في حالة جيدة لمدة 3 سنوات. كللت مبادرته بالنجاح حيث صار كل سائق يعتني بالسيارة وهو يشعر بأنه في الواقع لا يقود سيارة شركة وإنما سيارته الخاصة!

طموحات وأحلام بلا حدود

اتسع نشاط مؤسسة صالح كامل ليشمل صناعات متعددة بما في ذلك الصيانة والبنية التحتية. كما كسبت عقودا تجارية مربحة جعلتها من أكبر شركات الاستثمار في الوطن العربي. فازت في البداية بعقد صيانة وتشغيل 13 المطار مدنيا في المملكة. وفي وقت لاحق، حصلت على مزيد من العقود لصيانة وتشغيل جميع المطارات والقواعد الجوية الـ 22 في البلاد، مثلما أعلن المتحدث باسم الشركة. ولم تنحصر نشاطاتها في العربية السعودية، بل تعدتها لتشمل دولا كثيرة. وها هي اليوم توظف أكثر من 85000 شخص في 44 دولة.
نجاح المؤسسة الباهر لم يحدّ من طموحات كامل وأحلامه.. كان أحد هذه الأحلام عالم الطيران مثلما كشف في مقابلة، «كنت دائما أطمح إلى تحقيق الإبداع والتألق في حقل الطيران». ونظرا لحاجته إلى مهارة شركة ذات خبرة في هذا المجال، أبرم مشروعا مشتركا بين شركة «دلة» وشركة «أفكو» الأمريكية، أنشئت بموجبه شركة «دلة أفكو ترانس أرابيا» في عام 1975. وسرعان ما بسطت هيمنتها على مشاريع تطوير صناعة الطيران العسكري والتجاري في السعودية. نجاح مؤسسة «دلة» في السعودية تُرجم أيضا بالفوز بعقود أخرى ذات وزن، من جملتها عقد تنظيف مدينة جدة، منتصرة على اثنتي عشرة شركة أمريكية منافسة.

ظل صالح كامل طموحا، نشيطا حتى وهو يبلغ من العمر 79 سنة وقد أثقل كاهلَه الكبرُ وأثخنه المرضُ. وقد ترك بصمة لا تُمحى في ذاكرتنا. فهذا الرجل لا يُذكر كأحد كبار رجال الأعمال في وطننا العربي والعالم فحسب، بل أيضا كأحد أبرز المستثمرين في مجال الإعلام وأحد رواد الاقتصاد الإسلامي.

رائد الاقتصاد الإسلامي

وفي محاولة لتلبية رغبة والدته في التمسك بتعاليم الإسلام وتأثراً بالشيخ الشعراوي، أستاذ الشريعة في جامعة أم القرى في مكة المكرمة وجامعة الملك عبد العزيز في جدة، توخى صالح كامل إدارة أعماله وفق المناهج الإسلامية. وقام بتفعيل صيغة المضاربة في تعاملاته مع بنك القاهر، حيث تعدت النتائج توقعات صالح كامل ومدير البنك. فبعد تطبيق صيغة المضاربة على جميع معاملات «دلة» حقق البنك ربحًا قدره 24%. وفي سعيه لتأسيس فهم أفضل للدين، كان من بين أوائل الأشخاص الذين عملوا على تشجيع النقاش حول نظريات التمويل الإسلامي. وعبّر عن أفكاره حول طبيعة الاقتصاد الإسلامي على نطاق واسع، من خلال وسائل الإعلام أو كتاباته. ففي مقال نشر عام 2017 بعنوان «فهمي لمفهوم رأس المال في الإسلام» طرح جملة مفصلة من الأفكار تعبر عن رؤيته للاقتصاد الإسلامي.
أثرُ صالح كامل الإسلامي تعدى حدود المملكة والوطن العربي. فقد أصبحت مجموعة البركة المصرفية التابعة له حاضرة في الدول العربية وخارجها. وكان لصالح كامل بالغ الأثر في بروز لندن عاصمةً لصناعة التمويل الإسلامي في البلاد الغربية. واليوم، تمتلك مجموعة البركة أكثر من 600 فرع في ثلاث قارات. وفي خطاب له في مؤتمر في لندن بحضور الملك تشارلز الثاني، الذي كان آنذاك ولي عهد، كشف صالح كامل عن مدى إعجابه بالمحاضرة التي ألقاها الملك في عام 1997، والتي أشار فيها إلى الإسلام على أنه دين ثقافة ينبغي أن يستنير به العالم». قال صالح كامل في خطاب أمام المؤتمر، إن «الإسلام خلق مجتمعا إنسانيا متعايشا يتعاون ويتكامل مع الآخرين، لأجل الرخاء والرفاهية للإنسانية جمعاء».
ظل صالح كامل طموحا، نشيطا حتى وهو يبلغ من العمر 79 سنة وقد أثقل كاهلَه الكبرُ وأثخنه المرضُ. وقد ترك بصمة لا تُمحى في ذاكرتنا. فهذا الرجل لا يُذكر كأحد كبار رجال الأعمال في وطننا العربي والعالم فحسب، بل أيضا كأحد أبرز المستثمرين في مجال الإعلام وأحد رواد الاقتصاد الإسلامي. وإن كان أحد أغنى الشخصيات في الوطن العربي والعالم، فإنّ ذلك لم يبعده عن بقية المواطنين، ولم يشغله عن هموم المساكين والمعوزين، وكان ذلك بلا ريب من أبرز خصاله.

كاتب جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Seham Elgazzar:

    مقال ثري بالمعلومات عن شخصية جديرة بالدراسة والاقتداء لكل من لديه شغف ورغبة في تحقيق هدف..
    تحية وتقدير لكاتب المقال الأستاذ مولود بنزادي

اشترك في قائمتنا البريدية