«سيعود من بلد بعيد» للمصري سعيد الشحات: سيرة ذاتية لمجتمع مأزوم

حجم الخط
0

تظل تجربة الغربة هي أقسى التجارب الحياتية التي يمر بها الإنسان في حياته، بما تذيقه من عذابات وهم وحزن، وبما تخلفه في نفسه من لوعة وشوق وحنين إلى الأهل والوطن والأصحاب، وملاعب الطفولة والذكريات. وتجربة الغربة في الشعر العربي بشكل عام هي رافد مهم، لما لها من خصوصية تميزها، ولارتباطها بواقع اجتماعي وسياسي مأزوم.
في تجربة جديدة يفرد الشاعر محمد الشحات ديوانه الجديد «سيعود من بلد بعيد» لوصف وتوصيف حالة الغربة التي يحياها ولده المهاجر، وحالة الغربة التي يحياها الأب، وما يشعر به هذا الأب تجاه ولده، من شوق وحنين، وعذاب وألم روحي، كلما نبش – الأب – في صندوق الذكريات، واستعاد طفولة الابن بدقائقها وتفاصيلها وبراءتها الأولى:
«ما زلت أخفي عنك كل ملامحي
بعض اضطرابي
رجفة تأتي وترحل
كلما حاولت أن انجو بها
كانت تحاصرني عيونك
فانزويت بغرفة
أخفيت في أركانها خطواتك الأولى
وأول ما نطقت به
وأنت تركت في جنباتها بعضا من الأوراق
كنت حملتها في سلتين
حتى إذا ما ازداد شوقي
كنت أرحل في غيابك بين بين».
صورة الوطن
يستذكر الشاعر – الأب – كل تفاصيل الماضي، في محاولات منه لمواساة روحه، في لوحات متتابعة عبر نصوص الديوان، ملتمسا العزاء لقلبه الذي ينازعه الشوق إلى ولده، راسمًا له صورة الوطن.
«ماذا حملت من اغترابك؟
هل تركت على الطريق
من البحار إلى البحار
صدى حنينك للوطن؟
وطرقت ذاكرة الزمن
بعض الفطائر في انتظارك
وجه أمك لم يزل يستقبل الليلات
بحثا عنك في قصص الطفولة»
ويقول:
«تركت بلادك ورحلت
فهل أثلجت الصدر؟
وهل بدلت تقاليدك؟
هل أدركت بأن جذورك
حين تشدك سوف تعود؟
هل أكلتك الغربة؟»
الذاتي والاجتماعي
ومساءلة الوطن عما آلت إليه أحواله حتى فكر أبناؤه في الهجرة، وأكرهوا على الاغتراب، فعلى الرغم من ذاتية وخصوصية التجربة الشعرية في هذا الديوان، إلا أنه في الوقت ذاته بمثابة سيرة ذاتية لمجتمع متشظٍّ، محاصر بين مطرقة الظرف السياسي، وسندان الظرف الاجتماعي، وكلاهما أقسى من الآخر..
«وطن لا نعرفه
يسكن خلف عيون الأطفال
فلا تعبأ حين تراهم
وتقاوم ما تعرفه
عن وطن
كان يظللنا فنهيم به
ما عاد يتيح لنا
أن نسكن في معطفه»
اللغة
تبتعد لغة الشاعر عن اللغة النمطية المكرورة، من خلال شاعرية اللفظة، وإشارية المعنى، وإيحائية الصورة الشعرية، مكونة أفقا جماليا مختلفا في بعده الإنساني الذي هو أساس تجربة الشاعر في هذا الديوان، منطبعة بطابع إنساني حتى في رصدها للتحولات الاجتماعية التي أدت إلى حالة الاغتراب الذي يحياه الأب/ الشاعر/ والابن/المغترب/ معا، كنموذج مصغر من حالة الاغتراب المجتمعي الذي يعيشه أبناء هذا الوطن:
«كل الموانئ لم تعد تزهو بنا
فاخفض غناءك وارتحل خلفي
ودعنا
لا تودعنا وترحل
علنا نطفو فتحملنا الرياح
فنشتهي أن ننتهي
سحبا ونصبح قطرة
تمضي إلى وطني
فتنبت زهرة
أو سنبلات».
وربما اختلفت مستويات اللغة لدى محمد الشحات في هذا الديوان تبعا لاختلاف حقول الرؤى وحقول الدلالة، ولكنها في النهاية لغة سلسة، بعيدة عن التعقيد المعجمي، وبعيدة عن الغموض المجاني والرمزية التي تستعصي على الأفهام:
«أنا من بلاد
لها ما لها
ولي أن أهيم بها
كنت أخفيتها في دمي
هنا حين تمضي
سيعرفك العابرون
ولن تتمكن من أن ترى
في الوجوه سوى
رجفة النازحين
فأغلقت عيني
على ما كنت أحمله
من بلادي».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية