شيء من مبارك العامري..

حجم الخط
0

في أحد لقاءته الصحافية، وقد تكون الأخيرة، تمنى أن يعم السلام والخير والجمال والوئام البشرية كلها، بدءا من عالمنا العربي، وأن تعود إليه تلك الروح والرغبة في بناء الإنسان العربي ثقافيا وإنسانيا وفكريا.
صاحب هذه الكلمات، وقبل عامين بينما العالم منشغل بكورونا وتداعياتها، وفي ساعات المساء الأولى من يوم الأحد العاشر من شعبان 1414هـ الموافق الخامس من إبريل/نيسان 2020. جو كئيب حزين منقبض خيم فوق سماء عُمان، أشاح مبارك العامري بوجهه عن العالم المنشغل بأزماته وكوارثه، وخط طريقه بنفسه، وانسل خفيفا كالنسمة الصباحية وكزهرة يانعة مزهرة للأبد.
ولد الشاعر مبارك العامري في مسقط، وسكن مدينة السيب الشاطئية، وظلت مسقط مكانه الأثيري ومرتع طفولته، وإن تزاحمت كل الصور والأمكنة تبقى مسقط، ويبقى وفياً لها، يقول:
لم أسأم مسقط
يوماً
وإن تزاحمت في مرآة الذاكرة
الأمكنة والوجوه
لكن حنيني أبداً
يظل شاهقاً
إلى بيتنا القديم
وأهلي الطيبين..
زيارة قصيرة لمسقط الرأس

بدأ مبارك العامري حياته العملية في مجلة «العقيدة»، تلك المجلة التي بدأت إصدارها في بيروت، وكان بحق أول من أسس فيها ملحقا ثقافيا في أواخر السبعينيات، في تلك الفترة عاصر أهم شاعرين عمانيين، هما أمير البيان الشيخ عبدالله الخليلي، والشاعر أبو سرور الجامعي. انتقل بعدها إلى مجلة «الشرطة» وكان مدير تحريرها، وكانت له بصمته الواضحة في سير المجلة رغم طبيعتها الأمنية، بإدخال بعض المواد الأدبية في المجلة، وكانت له صفحة خاصة تمثل متنفسا له، ويحملها الكثير من النصوص الأدبية شعراً وسرداً وغيره، ويناقش النواحي الإنسانية والجمالية على تلك الصفحة. وجوده في تلك الوظيفة لم يقتصر على أعمال المجلة فقط، بل تعداها إلى ما يشبه المستشار، يُطلب منه رأي في بعض الأشياء وخصوصاً الخطابية واللغوية، وفي مجال الأدب والمقال.
يكتب مبارك العامري القصيدة كما يقول «لأعي ما حولي، وأفهم العالم، وأندغم في ثناياه، ونكاية في العدم ورفضاً لكل محاولات تغييب الإنسان وتهميشه وإذلاله». أصدر في عام 2010 ديوان «بسالة الغرقى» عن دار الجيل في بيروت، كتب أغلب قصائده أثناء المرض وفترات العلاج. وفي الرواية أصدر روايتين، «مدارات العزلة» عام 1994، التي تحمل في داخلها خطابا شعريا بلغة سردية، وفي عام 1997 صدرت له رواية «شارع الفراهيدي»، وكان على وشك إتمام رواية «الملتبسون» لولا المرض والرحيل المفاجئ، نشر منها فصلا في مجلة «نزوى».
لم يتوقف مبارك العامري عن الكتابة، حتى وهو في أشد أوقات المرض، فكانت صفحته على الفيسبوك، التي مثلت مساحة واسعة واستطاع من خلالها حصد الكثير من التفاعل والإعجاب مع الكثير من القراء في الوطن العربي.
كان هادئ الطبع متماسكاً، مهما ثارت العواصف من حوله، لا يفتعل الضجيج أينما وجد، من وراء نظارته السميكة يراقب المشهد الثقافي في عُمان، وإذا ما أثار انتباهه شيء يحرك طرف النظارة بهدوء. ظل الشاعر والروائي مبارك العامري وفياً لما تعنية كلمة الأديب أو الأدب. كان خير من مثل هذه المفردة، ظل متصالحاَ مع تلك المبادئ التي آمن بها وكتب لها، وحملت جل أعماله ثيمات الجمال والسعادة، الحرية، الحقوق، الإنسانية، الأخلاق السامية، الرفض والتفاصيل، لا يهادن في الظلم والقهر والألم والمعاناة، متصالح مع نصوصه التي يكتبها. كتب عن الجمال وكان جميلا للغاية، وكتب عن الحب وكان يحب كل شيء حوله، كتب عن الأخلاق والسمو، فكان عالي الأخلاق حسن المعاشرة دمث، لا تمل من مجالسته، كتب عن السعادة، وكان حقاً سماء لا سقف لها من السعادة، يثير الحب والسعادة لكل من حوله، كتب عن الظلم والعدوان ضد الإنسانية، فلم يخالطه شيء في اعتبار الإنسانية هي مقصده، كان عروبياً وقومياً. كان وطنياً لأبعد الحدود، فكتب قصائد غاية في الحب، تقطر وطنية عن وطنه عُمان، وعن العالم العربي والعالم المتسامح الجميل.
يصف الشاعر سماء عيسى، مبارك العامري «بأنه قبل ثلاثين عاماً شكّل مبارك العامري تجربة حميمية لعدد من الكتاب، الذين كانوا في بداية بحثهم عن كتابة جديدة، شكّل هذا الشاعر الجميل والصحافي القديم والقدير مركز استقطاب لهم، في وقت لم يكن ثمة من يفتح باباً لكتابة ما زالت مجهولة وجديدة على أرض واقع لم يعتد على تقبل الجديد والمجهول، بل ينظر إليه بعين الريبة والحذر». ظل ومنذ تلك الفترة إلى أن رحل مركز استقطاب تلتف حوله الأجيال الشابة والجديدة من الكتاب، كأنه نهر يتدفق بالعطاء، والقنطرة التي تتجمع حولها الروافد والشعاب. كان الأب الحنون الذي يجمع حوله الأجيال من الكتاب، من كل الاتجاهات والأمزجة. يأخذ بيد هذا ويقدم النصيحة الأدبية لذاك، يرسم بيده خطوطا ودوائر وانحناءات للأجيال، يقرأ نصا شعريا هنا، أو مشروع قصة استعصى على كاتبها. وكم يكون سعيداً ومبتهجاً عندما يقع بصره على مخطوط لكاتب عماني.
كان مسكوناً بالحب والسمو والانعتاق إلى الفضاءات الواسعة للحرية والعدالة، فكتب قصائد غاية في الجمال عن الحب عن الغرام والهيام، وكتب عن هموم الإنسان، وعن الوطن عن الحرية، وعن الشوارع والمدن والقطارات. عن الجمال والزهور كتب. يكتب عن همومنا وطموحنا. يكتب عن ساعة الفرح عندنا، يكتب عن أحزاننا. ما أن تقرا ما كتبه تشعر بأن شيئا ما في النص منك.
عاش الشاعر في عزلة اختيارية من صنعه هو، وظل هكذا لا تغرّه أضواء الظهور، ولا الضوضاء، فضّل أن يكون له عالمه الخاص بعيداً عن المناكفات والشللية والتحزبات، لا رغبة لديه في الحضور، لكن رغم ذلك كان حاضراً وبقوة في المشهد الثقافي لا تخطئه العين، ولا يمكن أن يتجاوز. ظل يحلم بالجمال ولا ينسى تلك المدن والساحات الجميلة المبهجة، تلك التي يشعر بالألفة فيها.. معبرا عن ذلك وكأنه يدرك أنه لن يستطيع الوصول إليها جسديا فيطلب أن يؤخذ إليها..
خُذوني إلى ساحات المدن البهية
حيث مشاتل الحرية
خضراء خضراء
وأعراس الحب
يافعة ندية كأزهار فجر جديد..
خذوني لأسترد أملي المفقود
ضوء أناي
الغافي في الأعماق
وصوتي المرهون
لسلالات الأسلاف
ونخب عافيتي..
يرحل العزيز جدا الشاعر والأديب مبارك العامري عن عالمنا إلى جوار ربه، في صمت بعدما عاش حياة نقية، صادقاً، وفياً مخلصا نقيا أبيض السريرة، أسلم روحه في إغفاءة أبدية، إغفاءة الحلم، كما قال:
سأغفو على حلم
محتضناً عُمان..

كاتب عُماني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية