صحيفة إسرائيلية تكشف كواليس “اتفاق إبراهيم” التطبيعي

حجم الخط
0

ماذا في الاتفاق وماذا في خارجه؟

يشهد عنوان الاتفاق بين إسرائيل والإمارات “معاهدة سلام، علاقات دبلوماسية وتطبيع كامل” على تطلع المشاركين فيه ليروه خطوة تاريخية تتجاوز السياق الحالي. وقد عرض كاتفاق سلام، رغم عدم حدوث حروب أو حالات سفك دماء بين إسرائيل والإمارات والبحرين. الهدف هو تطبيع كامل للعلاقات، وذلك بخلاف العلاقات بين إسرائيل وطلائع اتفاقات السلام في المنطقة – الأردن ومصر. وبالفعل، يتضمن الاتفاق بنوداً تتعلق بالتعاون في مجالات مدنية متنوعة، بينها الصحة، والزراعة، والسياحة، والطاقة، وجودة البيئة، والحداثة. ويستهدف طيف هذه المجالات تثبيت علاقات تسمح بعلاقات دافئة بين الشعبين. وإلى جانب ذلك، التغلب على الأزمات السياسية التي قد تنشأ، لا سيما حول إدارة النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. ولم يتضمن الاتفاق المسائل موضع الخلاف – حل الدولتين للمشكلة الفلسطينية؛ وتعليق الضم/ بسط السيادة الإسرائيلية، على مناطق في يهودا والسامرة (وحسب التسريبات لمدة أربع سنوات)؛ واتفاقات بين الولايات المتحدة والإمارات لتوريد أسلحة هجومية متطورة (مشوق أن نرى إذا كانت إسرائيل ستستخدم اللوبي لديها في الكونغرس الأمريكي لمنع بيع السلاح الذي يمس بتفوقها النوعي). قد تلقى هذه المواضيع جواباً في رسائل جانبية سرية، كما هو دارج في الاتفاقات السياسية، لتجاوز الحساسيات السياسية. إضافة إلى ذلك، ليس في الاتفاق تناول محدد للتحدي الذي تشكله إيران في المنطقة، رغم المصلحة المشتركة بين الطرفين لصد خطواتها لتوسيع نفوذها الإقليمي ومنعها من تحقيق قدرة نووية عسكرية. ولكن تطرق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عراب الاتفاق، لهذا الموضوع حين وعد بأن يحقق “صفقة جيدة أيضاً مع إيران في الموضوع النووي إذا ما انتخب لولاية أخرى في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في تشرين الثاني المقبل. يمكن التخمين بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يشكك بقدرة التوصل مع إيران إلى اتفاقات تقيد قدراتها وتطلعاتها، ولا سيما احتمال تطبيقها حرفياً، كان راضياً أقل من هذا الإعلان.

ما أهداف إدارة ترامب؟

لإدارة ترامب -فضلاً عن المصلحة الكامنة في إنجاز سياسي بارز قبيل الانتخابات الرئاسية القريبة القادمة- مصلحة في غرس مفهوم استراتيجي لإعادة تنظيم ميزان القوى في الشرق الأوسط. فالإدارة تسعى لإقامة ائتلاف إقليمي للدول العربية السُنية البراغماتية، المقربة من الولايات المتحدة، غايته صد تطلعات إيران وتثبيت نفوذ الصين وروسيا في المنطقة. عُرض مخطط جديد لحل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني يستهدف الدفع إلى الأمام بالائتلاف الإقليمي في ظل تحرير الدول العربية من التزاماتها التقليدية بالقضية الفلسطينية، والتي ثبتت حتى الآن كعديمة الجدوى، وحرمان الفلسطينيين من قوة الفيتو على تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.

في احتفال التوقيع، وعد الرئيس ترامب بأن خمس دول أخرى قريبة جداً من إقامة علاقات مع إسرائيل. ويفترض باستكمال عدة شروط لضمان تحقق هذا الوعد: مصالح مشتركة مع إسرائيل ولا سيما في صد المحور الإيراني، والتقدم في حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني وإن لم يكن على رأس سلم الأولويات الإقليمي، ومكاسب اقتصادية وعسكرية من الاتفاق مع إسرائيل، وانعدام التزام قيادي أو ديني لتلك الدول في العالم العربي والإسلامي. وحسب هذه الشروط، من الصعب الإشارة إلى التالية في الطابور. فعُمان تقيم منذ الآن علاقات قريبة، وإن لم تكن رسمية مع إسرائيل. ويبدو في هذه المرحلة أنها ستفضل تأجيل القرار وحفظ مكانتها كوسيطة بين الولايات المتحدة ودول الخليج وبين إيران. كما أن المغرب أيضاً من المتوقع أن يؤجل قراره كي لا يعرض مكانته كرئيس لجنة القدس في منظمة الدول الإسلامية، للخطر. وسيؤثر نجاح الاتفاقات على قرار دول أخرى الانضمام إلى دائرة التطبيع، وستفحص المردودات التي ستحصل عليها الإمارات والبحرين من الولايات المتحدة. ومع ذلك، توجد احتمالية عالية في اتخاذ خطوات تطبيع حتى بدون إقامة علاقات رسمية، مثل فتح المجال الجوي السعودي أمام الرحلات الجوية الإسرائيلية إلى الإمارات.

لا يؤمن جو بايدن، المرشح الديمقراطي للرئاسة وخصم ترامب، في تحقيق خطة ترامب واقع الدولتين في الساحة الإسرائيلية – الفلسطينية، ولكن قد يستغل اتفاقات التطبيع للجم خطوات إسرائيل في الساحة الفلسطينية، ولا سيما البناء في المستوطنات، ومحاولات إبعاد الفلسطينيين عن المنطقة “ج”، ولاستئناف المسيرة السياسية من خلال ضغط عربي مباشر عن الفلسطينيين لتلطيف حدة الشروط للعودة إلى المفاوضات إلى جانب ضغط موازٍ من جانب الإدارة على إسرائيل.

لماذا كان التوقيع على الاتفاق ملحاً للإمارات الآن بالذات؟

في ضوء اقتراب موعد انتخابات الولايات المتحدة، فإن للإمارات ويحتمل للبحرين أيضاً مصلحة في تحقيق إنجازات استراتيجية مع إدارة ترامب، بخاصة عقود توريد السلاح المتطور والاتفاقات الاقتصادية التي قد لا تكون بالضرورة قابلة للتحقق إذا كانت الإدارة الأمريكية القادمة ديمقراطية. في الجانب الاستراتيجي تبدو إمارتَا الخليج قلقتين جداً من تعزز قوة محورين منافسين لهما في الشرق الأوسط: الأول، المحور الإيراني – الشيعي، الذي لا يخشى تحديهما، اقتصادياً وأمنياً في الخليج العربي/الفارسي، التحدي المتزايد عقب رفع حظر السلاح عن إيران أم عقب التقارب الذي حصل مؤخراً بين إيران والصين. والثاني، محور تركيا – قطر، الذي يعمل على تثبيت نفوذ من الخليج العربي إلى شمال العراق عبر شمال سوريا، الحوض الشرقي للبحر المتوسط وصولاً إلى ليبيا (قوات الإمارات وتركيا على شفا مواجهة عسكرية هناك). أمام هذين المحورين الراديكاليين وفي ضوء ميل تضاؤل التواجد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، تتطلع الإمارات إلى إقامة محور توازن من دول سُنية براغماتية ومسؤولة، تسعى إلى الاستقرار الإقليمي، وتضم إسرائيل أيضاً. إن تعزيز العلاقة مع إسرائيل يوسع مدى الفرص والنفوذ الإماراتي، التي تعتقد قيادتها بأن عليها تثبيت مكانتها الإقليمية، باستخدام الجيش بعيداً عن الوطن وتشكيل وسيط في النزاعات الإقليمية. وإقامة العلاقات مع إسرائيل يتيح لها موطئ قدم في النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، وفرصة لإبعاد قطر عن قطاع غزة، وكذا إبعاد تركيا عن الحرم، وفي إطار ذلك أيضاً تجاوز السعودية، التي ضعفت مكانها الإقليمية والدولية في السنتين الأخيرتين.

لماذا يتحفظ الأردن من الاتفاق؟

يطرح اتفاق إبراهيم معضلة على المملكة الهاشمية؛ فمن جهة، يفترض بالأردن أن يؤيد انضمام دول عربية أخرى لدائرة السلام مع إسرائيل، وهو خيار اتخذته هي نفسها قبل 26 سنة. ولكن بالمقابل، تعاظم في الأردن الخوف من أن التطبيع بين إسرائيل ودول عربية أخرى، دون اشتراطه بمسيرة سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، يعرقل التقدم لتحقيق رؤيا الدولتين ويعزز في إسرائيل النظر إلى الأردن نفسه كالدولة الفلسطينية. فضلاً عن ذلك، يخشى البلاط الهاشمي من انفجار في أوساط مواطني الأردن الفلسطينيين، الذين يشكلون أغلبية في المنطقة، مما يضعضع الاستقرار الداخلي فيها. كما يخشى الأردن من انتقال الاضطرابات الأمنية في الضفة إلى أراضيه. تاريخياً، يعتبر الأردن نفسه وسيطاً متصدراً بين إسرائيل والفلسطينيين، ولكنه دحر جانباً عندما نالت الإمارات والبحرين حظوة تأجيل نية الضم، بينما مبادئ المبادرة العربية – الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط 67 – اختفت عن الاتفاقات الجديدة. كما أن الرئيس ترامب شدد على أن التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج يفتح الباب لصلاة المؤمنين من كل العالم الإسلامي في المسجد الأقصى، وذلك مس –ظاهراً- بمكانة الأردن كحارس الأماكن المقدسة في القدس. ومع ذلك، يتعلق الأردن بالمساعدات من دول الخليج، وبالتالي يمتنع عن أي معارضة قاطعة للاتفاق.

لماذا بقي الفلسطينيون على هوامش الطريق؟

الجانب الفلسطيني هو الأكثر تضرراً من ميل التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج. فقيادتهم لم تنجح في أن تقر بيان شجب لاتفاق إبراهيم في الجامعة العربية، أو حتى إيقاظ الجمهور الفلسطيني في الضفة والقطاع لاحتجاج شعبي. ويشدد التطور الإيجابي بين إسرائيل ودول الخليج الأزمة الاستراتيجية التي تعيشها السلطة الفلسطينية، الضعيفة والمهانة، كما جاءت القضية دليلاً على فشل الطريق السياسي لرئيس السلطة محمود عباس. تشخص حماس في الأحداث فرصة لتعزيز مكانتها السياسية والانخراط في قيادة م.ت.ف في ظل التشديد على أهمية سياستها – المقاومة العنيفة كوسيلة لتحقيق التطلعات الفلسطينية. وبرزت هزيمة عباس في أثناء رحلة أجراها إسماعيل هنية، زعيم حماس، في مخيمات اللاجئين في لبنان. فصور هنية محمولاً على الأكتاف في المخيمات التي هي معقل “فتح” تعدّ تحدياً لسيطرة “فتح” في م.ت.ف وفي السلطة الفلسطينية. فضلاً عن ذلك، على خلفية قرب محمد دحلان من قيادة الإمارات، ثمة أزمة ثقة حادة بين الإمارات وقيادة السلطة الفلسطينية. وحاولت الإمارات تلطيف حدة معارضة السلطة لاتفاق التطبيع مع إسرائيل من خلال ضمان مساعدة اقتصادية وتنموية، ولكن عباس رفضها. وبالتالي، من المتوقع أن تتوجه الإمارات مباشرة إلى الجمهور الفلسطيني، متجاوزة السلطة، بعرض وظائف لأكاديميين ومهندسين فلسطينيين شبان مثلاً.

في ضوء الضعف الفلسطيني في الوقت الحالي، على إسرائيل من جهتها أن تحذر الشماتة؛ لأن الأزمة والضعف الفلسطينيين من شأنهما أن يشجعا على رص الصفوف بين السلطة وحماس. وإلى هز الاستقرار في ساحة النزاع وتصعيد العنف والإرهاب.

خلاصة وتوصيات

يشكل اتفاق إبراهيم لإسرائيل إنجازاً سياسياً مهماً، ولا سيما لرئيس الوزراء نتنياهو، بإزالة تعبير حل الدولتين عن خطاب الاتفاقات. ولكن على إسرائيل أن تعي بأن المشكلة الفلسطينية ستبقى على عاتق إسرائيل وحدها خيراً كان أم شراً. وبالتالي، رغم هبوط قيمة السهم الفلسطيني في الساحة الفلسطينية، على إسرائيل الامتناع عن مزيد من الإضعاف للسلطة الفلسطينية وإبراز فشلها. كما أنها تجيد صنعاً لو وفرت مردودات اقتصادية – تنموية للسلطة تنبع من الاتفاق.

مطلوب من إسرائيل أيضاً أن تدرس الآثار التي قد تنشأ عن الاتفاق. فهل ستتقلص حرية عملها في الساحة الفلسطينية؟ هل ستؤدي حملة عسكرية واسعة في القطاع إلى تجميد التطبيع؟ وما هي سبل العمل التي ستكون تحت تصرف إسرائيل رداً على قرار إيراني بمهاجمة الدول التي وقعت معها على اتفاقات سلام عسكرياً أو ممارسة الإرهاب ضد هذه الدول فيمس بالأهداف الإسرائيلية أيضاً؟

بقلمأودي ديكل ونوعا شوسترمان

نظرة عليا 30/9/2020

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية