صحيفة عبرية: أين يقف “حزب الله” بعد انفجار بيروت ولماذا سارعت إسرائيل لنفي تورطها فيه؟

6 - أغسطس - 2020

0
حجم الخط

ستظل موجات الصدمة الناتجة عن انفجار مستودع المواد الكيميائية بميناء بيروت تدوي في آذان حزب الله ولبنان لفترة طويلة مقبلة. وستحرج هذه الأصداء التنظيم الشيعي الذي أضعفته الأزمة الاقتصادية والصحية. حتى لو لم يكن واضحاً إذا ما كان المخزن يعود لحزب الله، فسيزداد ضغط معارضيه في لبنان. وتسمع دعوات من الآن لتجريد التنظيم من سلاحه.
ستخفف هذه النداءات ومناخ الصدمة الذي يسود في الدولة من رغبة التنظيم بالقيام باستفزاز إسرائيل وتحديها. ولكن من المشكوك فيه أن يغير الانفجار ونتائجه الدموية واقع التنظيم وجوهره. إن “مبرر وجود” حزب الله هو في فكرة “مقاومة إسرائيل”، وثمة شائعات تنتشر في لبنان تقول إن إسرائيل هي المسؤولة عن هذا الأمر.
وتشير محاولات الاختراق الأخيرة على حدود إسرائيل مع لبنان وسوريا إلى أنها لم تكن نزوة عارضة أو رغبة لحزب الله، أو أن مبعوثاً شيعياً آخر لإيران قام بفعل ذلك للانتقام من هجوم آخر للجيش الإسرائيلي في سوريا. هناك دلائل تشير إلى تغيير في استراتيجية حزب الله، الذي يشعر بأنه أصبح متحرراً من عبء تدخله في سوريا ويسعى إلى تجديد الاحتكاك مع إسرائيل.

يواصل الجيش الإسرائيلي والاستخبارات التمسك بالتقدير الذي يقول بأن ما كان سيكون، أي أن إسرائيل ستستمر في مهاجمة أهداف إيرانية في سوريا كما تريد، وستشوش وتحبط عمليات نقل الأجزاء المساعدة لتحسين دقة صواريخ حزب الله المخبأة في البيوت والأقبية تحت الأرض.

مع ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي والاستخبارات التمسك بالتقدير الذي يقول بأن ما كان سيكون، أي أن إسرائيل ستستمر في مهاجمة أهداف إيرانية في سوريا كما تريد، وستشوش وتحبط عمليات نقل الأجزاء المساعدة لتحسين دقة صواريخ حزب الله المخبأة في البيوت والأقبية تحت الأرض (لإسرائيل معلومات عن كثير منها)، وكل ذلك دون أن يكون عليها دفع أي ثمن عن ذلك.
في مثل هذا الشهر قبل 14 سنة (12 آب 2006) تم التوصل إلى اتفاق حسب قرار مجلس الأمن 1701 أدى إلى إنهاء حرب لبنان الثانية. ونص الاتفاق على نزع سلاح كل المليشيات المسلحة، وستحترم إسرائيل ولبنان سيادة بعضهما، ووضع قوة فاصلة كبيرة من الأمم المتحدة قرب الحدود على الجانب اللبناني.
وثمة اعتقاد تجذر في أوساط الجمهور الإسرائيلي، بسبب محللين ومراسلين عسكريين مندفعين وقصيري النظر، بأنها كانت حرباً فاشلة. وطلبت وسائل إعلام مدعومة من رئيس المعارضة في حينه بنيامين نتنياهو، رأس رئيس الحكومة إيهود أولمرت ورئيس الأركان دان حلوتس. نعم، كشفت الحرب ضعف الجبهة الداخلية الإسرائيلية وأخطاء تكتيكية في الإدارة العسكرية للمعركة. ولكن من الواضح أن نتائجها، وبنظرة استراتيجية، كانت من أفضل النتائج التي عرفتها إسرائيل.
باستثناء أحداث قليلة من تبادل إطلاق النار والقذائف، فإنه يجب عزو الإنجاز الأكبر لحرب 2006 لأولمرت وحلوتس، وهو المحافظة على الهدوء منذ ذلك الحين. حزب الله خائف إلى درجة أن رئيسة حسن نصر الله نفسه اعترف بأنه أخطأ عندما بادر إلى اختطاف الجنود، الأمر الذي جر الطرفين إلى الحرب.
ولكن الطرفين سارعا فور الحرب إلى خرق أجزاء من الاتفاق. لم ينزع حزب الله سلاحه، وبدأ بمساعدة إيران يتزود بقذائف جديدة مداها أبعد ومتطورة أكثر. واستمرت إسرائيل في التحليق في سماء لبنان. وحتى العام 2013، بعد سنتين على اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، سلمت إسرائيل بتسلح إيران – حزب الله. ولكنها استغلت الفوضى وسلاح الجو في حينه بمساعدة معلومات دقيقة بدأ بقصف قافلات السلاح من إيران لحزب الله. وبعد ذلك، جاءت جهود قائد قوة القدس، الجنرال قاسم سليماني، لتأسيس قاعدة استخبارية وصواريخ ونشر قوات قرب الحدود مع إسرائيل في هضبة الجولان.
وزادت إسرائيل جهودها لإحباط وتشويش “حلم سليماني” واستعانت لذلك بتفاهمات وغض نظر روسيين. يمكن لإسرائيل التفاخر بأنها نجحت بدرجة معينة. وثم دمرت الشبكات الإرهابية وحرب العصابات التي أنشأها سليماني وحزب الله قرب الحدود، مثل مجموعة سمير قنطار وجهاد مغنية (ابن عماد مغنية الذي نسب اغتياله في 2008 لإسرائيل والولايات المتحدة). وقلصت إيران وجودها في سوريا تحت ضغط إسرائيل، وهزيمة داعش، وكورونا، والأزمة الاقتصادية، واغتيال سليماني في عملية أمريكية.
وجد لبنان نفسه أيضاً في أصعب أزمة اقتصادية في تاريخه. ويبدو أن مكانة نصر الله قد ضعفت. وتولد في لحظة الضعف هذه شعور بأنه قوي. يسيطر نصر الله على لبنان منذ 28 سنة، وتحول إلى الشخصية المهيمنة بعد موت سليماني وعماد مغنية، الشخصية الحصرية التي تشكل السياسة فيما يتعلق بالعلاقة بين إيران – سوريا – إسرائيل وحزب الله. إن إعادة مقاتلي حزب الله من سوريا إلى لبنان ترفع عنه أيضاً عبء دماء الحرب التي قتل فيها نحو ألفي مقاتل وأصيب الآلاف. صحيح أن لبنان غارق في أزمة عميقة، لكن نصر الله يعرف أن إسرائيل في أزمة اقتصادية وهو يشتم رائحة الضعف السياسي لحكومة إسرائيل برئاسة نتنياهو. وعندما يذوي تأثير الانفجار الدموي في ميناء بيروت، ستكون وجهة حزب الله تجديد العمليات والاحتكاك مع إسرائيل، سواء على الحدود اللبنانية أو في سوريا.
إن الردود التصالحية لإسرائيل هي التي تعزز إرادة هذا التنظيم. فقد سارعت إسرائيل بصورة غير معتادة إلى نفي أي تورط لها في الكارثة، وهي خطوة تدل على أن رغبتها ليست التصعيد، وتخشى أن يتهمها حزب الله بالمسؤولية ويحاول استغلال الحادثة للقيام برد انتقامي مثل إطلاق صاروخ على موقع كيميائي بميناء حيفا.
تلك المناورات المخادعة وتلميحات الجيش الإسرائيلي بتقليل عدد المواقع، وتمثيل عملية إخلاء لجنود مصابين والامتناع عن ضرب مقاتلي حزب الله، هي خطوات مهمة في الحرب النفسية، لكنها تعكس الضعف وتعرض الجيش الإسرائيلي الذي يعدّ الجيش الأقوى في الشرق الأوسط مثل جيش يخاف ويتملص من المواجهة.
هناك ميزان متبادل للردع ولا يريد الطرفان الحرب. ولكن تزداد احتمالية أن يتجرأ حزب الله أكثر وأن يُسمح له بالتحدي ومحاولة إنهاك إسرائيل عندما تتلاشى صدمة الانفجار في بيروت.
بقلم: يوسي ميلمان
هآرتس 6/8/2020

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية