صراع السلطة في دول الخليج… الأسر تأكل أبناءها

مشهد ولي ولي العهد السعودي الأمير مقرن بن عبدالعزيز وهو يقبل رجل دين سعودي على فراش المرض، بعدما منحه مايسمى ز البيعة ز يثير مساءلة نقدية للأوضاع التي توقفت عندها حال الأسر الحاكمة في دول الخليج، وبالتحديد السعودية، الكويت، الإمارات، البحرين، إذا استثنينا قطر وعمان على خلفية أن أوضاعهما أكثر وضوحا مرحليا على الأقل، مع الإشارة إلى أن هناك تباينا في وضع كل دولة من الدول الأربع .
المشهد السعودي هو الأكثر سوءا، فالأسرة هناك تعيش مخاضا شرسا يكاد يمزقها، غير أن المفارقة في هذا المخاض أنه لا يحمل أي مؤشرات إيجابية على صعيد الملفات الشعبية، مثل ملف الإصلاح السياسي وتوزيع الثروة وحقوق الإنسان، بل هو صراع على المكتسبات الخاصة، أما تلك الملفات فهي غائبة، بل هناك تحريض ضدها من كل أطراف الصراع لكونها تضعف فكرة زهيبةس السلطة التي يرتكز عليها النظام في المملكة العربية السعودية .
إجراءات ملك السعودية عبدالله بن عبدالعزيز مؤخرا، هي محاولة للتشبث بالوضع السائد، ورفض لحالة التطور التي تطرق أبواب ذلك النظام، وهي زمعاندةس لحركة التاريخ، فلم يعد هناك من دول العالم ما يشبه النظام السعودي، فهو بكل المقاييس خارج نطاق المنطق ويتعامل مع الدولة على أنها ملكية خاصة للاسرة الحاكمة، ولا يلوح في الأفق حتى الآن أن هناك رغبة في تغيير هذا النمط، بل كل ما يرشح عن هذا النظام أنه مصر على السير في نفس الطريق .
المشهد الكويتي يختلف فهناك دستور ينظم عمل تداول المناصب المحورية في النظام السياسي، ومع وجود مثل ذلك التنظيم إلا أن واقع الحال يشير إلى نزعة نحو الحالة السعودية، واعتبار كل ما يخص الأسرة الحاكمة في البلاد شأنا خاصا بأفرادها ولا يحق للمواطنين التدخل فيه. ويمكن قراءة المشهد من خلال تصرفات رئيس الوزراء الحالي الشيخ جابر المبارك لفهم طبيعة الصراع، بعدما شغل هذا المنصب، حيث اقترح بحجة التطوير الديمقراطي أن يمنح منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء إلى مواطن من خارج أفراد الأسرة الحاكمة، وهو الأمر الذي سارت عليه الحالة الكويتية منذ إقرار الدستور .اقتراح المبارك يبدو ظاهريا تطورا ديمقراطيا، لكنه في حقيقة الأمر يعكس حجم الصراع ومداخله ومخارجه، فالنائب الأول دائما يتحول إلى تهديد لمن يشغل منصب رئيس الحكومة، وفي هذا الإطار كان تحرك رئيس الوزراء الحالي، وقد اقترح لهذا المنصب النائب السابق المخضرم مشاري العنجري، وهو أحد الشخصيات المحبوبة في الكويت، وطرح اسمه يسهل عملية شغله المنصب، لكن تحركا مضادا من أبناء الأسرة أحبط هذا التحرك .
رئيس الوزراء الحالي حاول زسدس منفذ آخر يهدد منصب رئيس الحكومة، وهو منصب وزير الداخلية الذي يحظى من يشغله بتميز عن الآخرين، بحكم علاقة تلك الوزارة مع جهات كثيرة داخل النظام السياسي، وعلى احتكاك مباشر مع المواطنين ومع أعضاء مجلس الأمة، وكانت فكرة الرئيس تعيين شخص من خارج أبناء الأسرة الحاكمة، لكن تلك الفكرة أحبطت أيضا ليستمر الصراع الداخلي في ما بين أبناء الأسرة الحاكمة كما هو .
في البحرين الحالة أكثر شبها بالحالة السعودية، فالأسرة الحاكمة هناك قسمت السلطة بين الملك وأبنائه وعمه، الذي تربع على عرش الحكومة لما يزيد عن 40 عاما، حتى أن بعضا من أفراد الشعب هناك لا يعرف بالضبط متى تسلم منصبه الحالي لقدم التاريخ، وقد تحول مع مرور الوقت إلى مادة للتندر بسبب طول شغله لهذا المنصب، ورفضه أي تسويات حتى لو كانت تصب في صالح أحد أبنائه .
وجود رئيس الوزراء الحالي هو السبب الرئيسي في انسداد الأفق السياسي في البحرين وتتحول البلد يوما بعد يوم إلى ساحة للاقتتال الداخلي بين الشعب من جهة والأسرة وأدواتها من ناحية أخرى، ومع ذلك يصر رئيس الحكومة على البقاء في منصبه باعتباره حقا الهيا منحه الله له ولا يجوز لبشر أن يتنازل عن حق منحه الله له، وكل تلك الدماء التي سالت لا تشكل شيئا أمام مثل ذلك الصراع العقيم أولا في ما بين أبناء الأسرة الحاكمة هناك، وثانيا في ما بين الشعب والأسرة .
الإمارات تختلف في هيكلها السياسي عن بقية دول الخليج، فكل إمارة لها صراعاتها الخاصة، ونتذكر جميعا الانقلاب الذي حدث في إمارة الشارقة في ثمانينيات القرن الماضي، وإحباطه من خلال أجهزة الإمارات الأخرى، لكن الإمارة الأكبر وهي إمارة أبوظبي تعاني هي الأخرى من صراع شبيه إلى حد كبير بما يجري في السعودية خلال الفترة الماضية، فهناك أشقاء يهيمنون على القرار، ورئيس الدولة لا يملك من القرارات الكثير، وهناك صراع آخر في ما بين الأشقاء، من دون أن يكون هناك مسار في حال خروج هذا الصراع عن إطاره المفترض، يمكن الاعتماد عليه في تجاوز أي هزات يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على المواطنين .
أنظمة الخليج ليست على مايرام، خاصة مع تزايد المطالبات الشعبية بتبني خيار الملكيات الدستورية، وهي تحاول الهروب بشكل جماعي من هذه الاستحقاقات، فمرة يطرح التحالف مع المغرب والأردن كحل لمواجهة تلك الضغوط، وتارة يطرح تحالف في ما بين ثلاث دول خليجية ومصر، وهناك طروحات تتحدث عن الاستعانة بقوات باكستانية لحماية أمن بعض تلك الدول، وأخرى تتحدث عن تعاقد مع منظمات مرتزقة مثل بلاكووتر الشهيرة، لكن بمسميات أخرى للحفاظ على أمن تلك الدول، وكل تلك الطروحات عبارة عن هروب من الواقع الذي يقول ان الصيغ الحالية لم تعد قابلة للحياة وهي صيغ خارج التاريخ ولابد من تبني نظام الملكيات الدستورية كحل نهائي للأزمات السائدة .
كاتب كويتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية