صفرو المغربية: عروس «حب الملوك» تستعرض قرونا من الأصالة والجمال

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»: مثل حسناء أطلسية تسترخي تحت ظل الأشجار الوارفة ظلالها، وتستحم كل صباح بمياه الشلال الدافقة، ولا تأكل غير فاكهة «حب الملوك» (الكرز) وتتلذذ بخلوتها بعيدا عن عيون المتلصصين.

تلك هي مدينة صفرو الواقعة في الأطلس المتوسط، التي تجاور مدينة فاس العاصمة العلمية للمغرب، ولا تبعد عنها سوى بـ 28 كيلومترا، ولا تحدها سوى مساحات واسعة من المناطق الطبيعية والبلدات الريفية المحافظة على أصالة الأرض.
صفرو تفضّل الانزواء قليلا، بعيدًا عن صخب يوميات المدن الأخرى، فهي عتيقة لا تتحمل الضجيج، وعاقلة لا تتحمل اللغو وصافية لا تتحمل كدر الحداثة، ورغم ذلك لها نصيب من كل هذا، فهي حاضرة من حواضر المغرب وإن اختبأت خلف الأشجار، إنها توفّر لأبنائها ما يحلمون به من رفاهية العيش الحديث.
صفرو التي تلقّب بـ «حديقة المغرب» تستحق فعلاً هذه التسمية، فهي عبارة عن جنّة أرضية مفتوحة لا تطلب من زائرها صكّ الغفران سوى النية الصادقة، والإيمان بعذريتها التي لم تفتضّها السنوات الطويلة جدا والتي تعد بالقرون من العيش المسالم والمتسامح جدا، حتى باتت ملمحا أساسيا من الصورة الوجدانية للمغرب في ما يتعلق بالتعايش والتساكن بين مختلف الأديان.
إداريا، تنتمي صفرو إلى جهة (منطقة) فاس مكناس، وروحيا تنتمي لمشموم (باقة ورد بالدارجة المغربية) المدن الذي يفوح بعطر التعايش، وطبيعيا تنتمي لصنف الجنان الموجودة فوق الأرض، أما إنسانيا فهي تحضن سكانا، يحملون كل مواصفات الوداعة واللطف والود والمحبة واحتضان الغريب حتى يصير في ظرف زمني وجيز جزءا منهم.
الدخول إلى صفرو وأنت قادم من جنوب شرق فاس، يكون محفوفا بالخضرة، حتى إن كنت تائها بمجرد رؤية الأشجار تحيط بك من الجانب الأيمن والأيسر على طول الطريق، ستعرف مباشرة أنك في حوزة حديقة المغرب.

موسم «حب الملوك»

منذ أيام قليلة، كان موعد صفرو مع «موسم حب الملوك» (مهرجان الكرز) واحتفلت بمرور مئة عام على تأسيسه، ليكون بذلك من أقدم الاحتفالات المهرجانية في المغرب، مؤرّخًا لما تنتجه هذه المنطقة من كميات وافرة من هذه الفاكهة التي تغطي ربوع البلاد وحتى الكميات المصدرة.
الحديث عن موسم أو مهرجان حب الملوك «الكرز» هو حديث عن شهرة المدينة التي تركت حمرة هذه الفاكهة الفاخرة لتكون وحدها من يجذب إليها الزوار، فيما أبقت باقي كنوزها التراثية مخفية عن العيون، لا تطالها زيارات السياح، كما لو كانت زاهدة متصوفة أو راهبة في دير الجمال، لا تريد من الدنيا سوى السكينة.
وبذلك، يتجاوز المهرجان البعد الزراعي المتمثل في إنتاج فاكهة الكرز إلى أبعاد أخرى تاريخية واجتماعية وسياحية وثقافية وفنية. فالمهرجان الذي نال اعتراف منظمة «اليونيسكو» وصنف تراثا غير مادي للإنسانية على القائمة التمثيلية للمنظمة، احتفى بفاكهة الكرز وما ينسج حولها من معارف ومهارات وأشكال تعبيرية واحتفالية، يعدّ مناسبة للوقوف على ما ظلّ المهرجان يجسده من قيم، منذ تأسيسه بمدينة صفرو سنة 1919 سمتها التسامح والتعايش بين مكونات المدينة الثقافية والدينية ونسج عرى المودة والعيش المشترك الآمن في مدينة عريقة، ذات إرث مديني ثري ومتنوع سواء في منتجاته المحلية أو صناعاته اليدوية. ومن ثم، ساهمت الدورة المئوية لمهرجان «حب الملوك» كما هو الحال بالنسبة لباقي الدورات السابقة، في إنعاش الحركة الاقتصادية والسياحية لمدينة صفرو، وإثارة فضول واهتمام الزوار لاكتشاف المزيد من سحر المدينة بأسوارها ومآثرها وأحيائها العريقة وفن عيش أهلها.
بعد أيام من مظاهر الاحتفال ومرور موكب ملكة جمال «حب الملوك» ينفضّ الجميع إلى يومياتهم، ويعود الزائرون غير المقيمين إلى مدنهم، فيما تستأنف المدينة مسيرتها الهادئة وغير المتعجلة وبلا تردد تواصل الصعود نحو قمة الجمال ولا تتأثر بمجريات الحداثة هناك أو هنا، لها شوارعها الأنيقة والجديدة ولها أبنيتها المشيدة وفق أحسن طراز، ومساكنها البهية التي تأوي أبناء المدينة الحالمين والطيبين، ولها مدينتها العتيقة وأبوابها المتعددة وأسوارها الشاهقة، ولها طبيعتها الخضراء وشلالاتها المتدفقة من عيون السحر الربّاني. ورغم ذلك، لا تريد نصيبًا من ضجيج اليوميات الصاخبة مثل تلك في فاس، وبدرجة أعلى في الدار البيضاء والرباط، تظل وفية لحجم مساحتها الصغير جغرافيا والكبير روحيا وتاريخيا.
ويكون موسم حب الملوك وحده الذي يغير مسار المدينة من الهدوء إلى قليل من الضجيج، مثل لحظة تشارك جماعية لفرح مستحق ومنتظر طيلة السنة، تتعانق فيه القبائل المحيطة بصفرو، وهي أيت يوسي، والبهاليل، وأيت سغروشن، وبني يازغة، وبني علاهم، وأيت سادن، وبني وراين، ثم أيت عياش.
مشكلة المدن العتيقة والتاريخية أن التسمية يكون فيها اختلاف في التفسيرات، وصفرو واحدة من تلك الحواضر الأصيلة، واسمها اختلف فيه رواة التاريخ، بين قائل إنه يعني المنطقة المقعرة، نسبة إلى الكلمة الأمازيغية «أصفراو» وبين من يؤكد أنها كلمة مركبة من كلمتين أمازيغيتين، الأولى هي «أفرو» وتعني الهاربين أو المختبئين، والثانية هي كلمة «أس» وتعني المكان، والخلاصة ـ وفق هذا الرأي ـ أن أصفرو قد تعني مكان الهاربين أو المختبئين.
رواة التاريخ يفيدون أيضا بأن مدينة صفرو كانت تسمى سابقا باسم «أهل صفرو» وهي قبيلة أمازيغية يهودية اعتنقت الإسلام، لذلك فهي رغم صغر مساحتها جغرافيا تبقى نابضة بالتعايش بين الديانات السماوية، وتعتبر واحدة من العلامات البارزة في المغرب للتسامح والتساكن بين الديانات السماوية الثلاث (الإسلام واليهودية والمسيحية) التي استمرت في التجاور جنبا إلى جنب والحائط عند الحائط لمدة طويلة، ولعل هذا يعود بالأساس إلى طيبة أهلها وعطاء طبيعتها وصفاء سريرتها بكل تأكيد.
أما مناخها فهو قاري، حيث يكون ممطرا في الشتاء وحارا جافا في الصيف، لكن هذا الأخير يندحر أمام العيون والأنهار والسواقي التي تعبر بعضها حتى أمام المنازل، حيث لا مكان للحرارة المفرطة.
حكاية التاريخ في صفرو، مثل كل حكايات المدن العتيقة المغربية الأخرى، وعاصمة حب الملوك (الكرز) توفر لديها من الإرث الكثير، يتمثل في الأسوار والقصبات والقلاع والمداشر والدواوير والمواقع الاركيولوجية والكهوف والمغارات.
روحيا، فيها مساجد عديدة نذكر منها: الجامع الكبير، ومسجد القلعة، ومسجد للابيت الله، وجامع السمارين، ومسجد الشباك، ومسجد باب المربع، كما هو الحال بالنسبة للزوايا حيث كانت مستقرا لعدد من أولياء الله الصالحين، وتركوا خلفهم زوايا وأضرحة، نذكر منها زاوية مولاي علي الشريف التي تأسست سنة 1728 وزاوية سيدي أحمد بنعيسى التي شيدت سنة 1730م من طرف الطائفة العيساوية، وزاوية سيدي لحسن بن أحمد، التي تأسست في القرن 18 ويوجد فيها ضريح سيدي لحسن، هذه الأخير شهرتها تتجلى في إحياء ليلة المولد النبوي بالذكر الحكيم ومديح خير البرية الرسول الكريم.
أما نجمة الزوايا فهي زاوية سيدي عبد القادر الجيلالي، التي قيل إنها تساهم في فرج كرب كل مهموم وتساهم في تحقيق الأماني التي تأخرت عن موعدها، وكل ذلك ضرب من الإيمان البسيط للناس البسطاء، لكنه نافع روحيا رغم بعض تجلياته التي تصنف في خانة السلبية.
صنو الزوايا هناك الأضرحة، ونذكر الأشهر منها ضريح سيدي علي بوسرغين، وضريح سيدي أحمد التادلي، ثم ضريح سيدي بومدان، بينما يبلغ عدد الأضرحة تسعة، لتكون شبيهة بمراكش التي تلقب بمدينة سبعة رجال، بينما صفرو مدينة تسعة رجال.
كسائر المدن الأصيلة المغربية، تقف الصناعات التقليدية شامخة تقاوم الزمن وتواصل المسير بجدية وجودة وتطور، مثل صناعة الزرابي وصناعة الزليج والصناعة الفخارية المتمثلة في الأواني، والخياطة والطرز الذي يزين الملابس التقليدية المغربية، ناهيك عن حضور صناعات الخشب مثل النجارة والنقش. إذا قيل إن الأمازيغ سكنوا الكهوف، فليس تنقيصا بل إحالة على بدايات الحضارة الإنسانية، وهي جزء من تاريخ البشر لا جدال في انها كانت النواة الأولى لحضارة اليوم، بالنسبة لمدينة صفرو فإن حضورها كان ما قبل التاريخ، ولها العديد من الكهوف الشهيرة مثل كهف المومن وكهف البقرة وكهف الغولة.
صفرو هي حكاية الإنسان وتطوره، المرور من الكهف إلى الخيمة إلى المنازل الحجرية والطينية والخشبية أيضا، المدينة عاشت فترة احتلال روماني وكانت حينها تابعة لنفوذ اتحادية قبائل الباكوات الموريطنية الطنجية، وكان سكانها من المقاومين للاحتلال الروماني.
في مرحلة الفتح الإسلامي، كان تأسيس المدينة، الذي تم في القرن السابع ميلادي، لتتحول إلى مدينة محصنة بأسوار عالية وأبواب عديدة، كما توفرت لها قلعة منيعة، وهو ما تواصل في عهد الدولة الإدريسية. ونظرا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي كطريق تجاري بين شمال المغرب وجنوبه الشرقي في سجلماسة، فقد استقر بها إدريس الثاني لمدة ثلاث سنوات قبل انتقاله إلى فاس التي اتخذها عاصمة المملكة.
التاريخ لا يتوقف، المعطيات كثيرة ووفيرة ويعجر الحيز عن احتوائها وسردها كلها، لذلك يبقى التجول بين أهم ملامحه هو الأنسب، ونصل إلى المرابطين، حيث حاصرها يوسف بن تاشفين وانتزعها من سلطة المغراويين ودخلها سنة 1063 ميلادية، الدولة الموحدية بدورها اهتمت بصفرو وهاجمت قواتها المدينة سنة 1441 ميلادية واستولوا عليها، إلى عهد الدولة المرينية التي بسطت نفوذها عليها، كما عاشت المدينة بعض تداعيات سقوط الأندلس، حين استقر بها بعض الأندلسيين ومنهم اليهود الذين استقروا في حي الملاح على غرار عدد من المدن المغربية العتيقة. الدولة السعدية كان لها أيضا حضور في المدينة، وصولا إلى الدولة العلوية التي جعلت صفرو تنعم بالاستقرار، وظهرت ملامح التطور والنماء في مختلف مشارب الحياة اليومية ومن خلال المشاريع التي أضافت للمدينة بعدا آخر اقتصاديا وثقافيا، إلى جانب بعدها التاريخي والطبيعي.
ومنذ فترة طويلة، ظلت صفرو تزخر بعدد من الأسواق التي يقصدها أهالي المدينة، بغض النظر عن الدكاكين المعتادة، وقد حددها الباحثون في أربعة أسواق تختلف بشكل واضح عن بعضها البعض اعتمادًا على ما يباع فيها، وينعقد السوق الأسبوعي في صفرو كل يوم الخميس.
وهناك أيضًا سوق الجوطي» الذي تباع فيه أشياء مستعملة، ويقصده الناس مقتنعين بمقولة «يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر» ويقام السوق قرب باب بني مدرك على طول السور.
وخارج المدينة يقام أسبوعيا سوق للماشية على الطريق المؤدي إلى بولمان، وتباع فيه الأبقار والأغنام والماعز، وكذلك حيوانات الجر، وخاصة البغال الصغيرة المناسبة للعمل في الجبال، وعدد قليل من الحمير والأفراس.

مدينة حبونا

يمكن القول إن صفرو هي الوحيدة التي سمت إحدى مقاطعاتها باسم حبونا، وتلك دلالة على النبض الأساس لهذه المدينة، إلى جانب تسميات مثل سيتي مسعودة والمدينة القديمة والمدينة الجديدة وبن صفار.
صفرو تفتح أبوابها للجميع، ومدينتها العتيقة تستقبل الزائر الوافد إليها، ليدلف إليها من أبوابها الخمسة: باب المقام وباب ستي مسعودة وباب المربع وباب بني مدرك ثم باب غديوة.
الجولة في المدينة التي اختارت كلمة حبونا اسما لإحدى مقاطعاتها، لا تحتاج إلى سيارة، فهي نزهة فرح في مختلف أحيائها وشوارعها وأزقتها ودروبها، وغابتها وشلالها، جولة تستنفر المشاعر وتدفعك رأسا إلى الإحساس بنشوة الانتماء.
الخطوات تقودك من حي حبونا إلى المقسم ثم أبو الدرهم، وبعدها القلعة ولسلاوي، عبورا إلى لالة يزة والمصلى وابن سحنون ثم القصبة وصولا إلى درب عمر ولا علاقة له بدرب عمر الدار البيضاء.
الخطوات نفسها التي لم تتعب بعد ولن تتعب أبدا، تسير بالزائر إلى ابن صفار والمدينة وأمساي، ثم الملاح وحجر الهواري، ويكون حي الشباك في الانتظار مثل كاف المال والشعبة، وصولا إلى لالة مولاتي مرورا سيتي مسعودة والرشاد ودرب لميتر ولالة أمينة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول أيوب:

    حقيقة والله حديقة المغرب

اشترك في قائمتنا البريدية