طوابير طويلة أمام المخابز ومحطات المياه في ظل قصف إسرائيلي عنيف.. والحصول على الماء والخبز يسير بخطط الطيور

أشرف الهور
حجم الخط
3

غزة -“القدس العربي”: لا يفكر كثير من المواطنين في القصف الجوي وأصوات هدير الطائرات المزعج، وتساقط القذائف المدفعية التي تطلقها قوات الاحتلال على مقربة منهم، عند اصطفافهم أمام محطات المياه العذبة، أو أمام المخابز لساعات طويلة، وفي طوابير تمتد لمئات الأمتار، للحصول على كمية تكفي قوت يومهم.

في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، الذي يعتبر أكبر مخيم لاجئين في القطاع من حيث المساحة، وفي هذا الوقت ازداد عدد سكانه، بعد وصول عشرات الآلاف من النازحين من مناطق الحدود الشرقية لوسط القطاع، ومن مناطق مدينة غزة وشمالها، بسبب الحرب الدامية، يعاني السكان والنازحون كما يعاني باقي سكان القطاع إنسانياً، ويشتكون من نقص حاد في إمدادات المياه العذبة والخبز الطعام الأول في سدّ الجوع.

 خطط الطير للحصول على الطعام

وبسبب ظروف الحرب والازدحام الكبير أمام المخابز، أصبح السكان ينتهجون طرق الطيور في الحصول على الماء والخبز، وذلك بالخروج مبكراً في ساعات الفجر الأولى، حيث تقسم الأسرة الواحدة أفرادها على فريقين؛ واحد يذهب للاصطفاف في طابور المياه الطويل، والآخر في طابور الخبز الأطول.

أمام تلك الأماكن سواء محطة تحلية المياه المركزية في المخيم، أو تلك المحطات التي تعمل بطاقة أقل، وبالكاد تغذي بعض الأحياء الصغيرة، أو أمام المخابز يخلق جواً جديداً من الحياة، فيمكن لأشخاص سواء رجال أو نساء من سكان المخيم أو من النازحين إليه أن يتعرفوا على بعضهم البعض، ويبدؤون في الحديث مطولاً عن أوضاع الحرب وغيرها من القصص، في محاولة لقتل الوقت الطويل الذي يمضونه حتى وصول الدور إليهم.
ولا تخلو تلك الأماكن من وقوع مشاحنات في بعض الأحيان، في ظل مساعي البعض للحصول على شرابه وطعامه، غير أن أكثر ما يثير خوف هؤلاء دون أن يمنعهم من أداء مهمتهم هو وقوع قصف إسرائيلي لمناطق قريبة من محطات التحلية أو المخابز. 

وبالفعل فقد جرى ذلك عدة مرات في هذا المخيم، فقبل يومين استهدفت طائرات الاحتلال بغارة جوية منطقة ساحة “سوق النصيرات الجديد”، التي تبعد أمتاراً قليلة عن محطة التحلية، فأحدثت حالة ارتباك وخوف في صفوف المصطفين هناك، وتعرّضَ عددٌ منهم للإصابة بسبب التدافع أثناء الهروب من المكان، لكن وبسبب الحاجة لم يمضِ سوى دقائق على تلك الغارة التي استهدفت ساحة السوق، حتى عاد المواطنون وبينهم نساء وأطفال لملء جالونات المياه من هناك.

ولم تمهل قوات الاحتلال هؤلاء طويلاً، فشنّت غارتين أكثر قوة من الأولى، على مناطق قريباً جداً منهم، وبدا أن الأمر حدث لإرهابهم أو حرمانهم من قوت يومهم، لكن الحاجة إلى الماء دفعتهم من جديد للعودة لإكمال المهمة.

ولم يكن الأمر بعيداً عن المخابز في هذا المخيم، وباقي مناطق القطاع أيضاً، فقوات الاحتلال شنت غارات جوية استهدفت فيها 10 مخابز في القطاع، بينها أحد مخابز النصيرات، كما استهدفت مناطق قريبة من المخابز، فأرعبت من ينتظرون دورهم في الحصول على الخبز.

ويقول أبو أحمد، الرجل الذي نزح إلى النصيرات قادماً من بلدة جباليا شمال القطاع منذ أكثر من أسبوعين، ويقيم في أحد “مراكز الإيواء”، إنه يضطر يومياً لحمل جالونين مياه، والخروج فجراً من المركز سيراً على الأقدام حتى الوصول إلى المحطة، ليحجز دوراً متقدماً، ويكون من أوائل من يملأون جالوناتهم والعودة من جديد للمركز.

ويشير لـ “القدس العربي”، إلى أنه يضطر للانتظار من الخامسة فجراً حتى التاسعة صباحاً، حتى يتم تشغيل المحطة، وعندها يتم هدفه ويعود، ويوضح أنه في وقت خروجه يكون شقيقه وأحد أفراد الأسرة قد خرجا سوياً إلى أحد المخابز، للاصطفاف في طابور الانتظار ليحصل كل منهم على ربطة خبز.

ويؤكد أن ما يوفرانه من ماء وخبز يكفي بالكاد لسد احتياجات أسرته وأسرة شقيقه الكبيرتين، واللتين تضمان أطفال وشبان.

هذا الرجل الذي نزح بعد تهديد الاحتلال لسكان غزة وشمالها بالخروج إلى مناطق “جنوب وادي غزة”، يشير إلى أن الغارات ظلت تلاحقهم حتى في مراكز النزوح، وتحدث عن إصابات وقعت قبل أيام في صفوف سكان المركز الذي يتواجد فيه، جراء تطاير شظايا قصف قريب عليهم.

وتقدر المنظمات الأممية عدد النازحين سواء في مركز الإيواء أو عند الاهل والأصدقاء من سكان القطاع بنحو 1.4 مليون نسمة، من أصل مليوني و300 الف من سكان القطاع مهمة خطرة لتوفير المياه.

هذا ويضطر الشخص للانتظار في بعض الأحيان أمام محطات التحلية، لأكثر من ثلاث ساعات في حال قدم متأخراً، وربما تنفد كمية المياه العذبة في ذلك اليوم دون الحصول على مبتغاه.

وفي المكان تقف السيدات في طابور انتظار خاص، وهو أمر يتكرر أمام المخابز أيضاً، وتقول إحدى السيدات اللواتي يحرصن على ملء جالونات المياه برفقة أحد فتيتها، إنها في يوم الاستهداف للساحة المقابلة للمحطة كانت تتواجد في المكان، وأشارت إلى أنها ظنت أن الغارة ستتكرر وستقضي على الجميع، وعددهم بالمئات، وتقول تلك السيدة النازحة مع أسرتها من منطقة حدودية تقع شرق مخيم البريج المتاخم لمخيم النصيرات، إنها ومع علو صوت القصف والغبار بدأت تصرخ على نجلها، ولم تؤمن أنه بخير إلا بعد أن احتضنته.

وركضت تلك السيدة بفتاها كغيرها من المتواجدين في المكان إلى مكان آخر قريب، وقالت لـ “القدس العربي”، وقتها لم نكن نعرف إنْ كان سيحصل قصف آخر للمنطقة التي نتوجه إليها أم لا، وإنها فرّت كما فرّ الجميع، قبل أن تعود من جديد لإكمال هدفها، وقد عادت بعد ساعة من واقعة القصف للمنزل وقد ملأت جالون المياه.

وعلى مقربة منها كانت سيدة مسنة تنتظر وصول دورها، قالت إنها جربت مع أحفادها وأبنائها سقيهم ماء ليس عذباً، وأن الأمر استمر لأيام بسبب الحاجة، غير أن أحد الأطفال شعر بآلام في البطن، أجبرت الأسرة على ترك ذلك، والعودة إلى الوقوف في طابور انتظار المياه العذبة.

ويقول حسان المصري، أحد الشبان الذين تواجدوا أمام المحطة، وهو خريج جامعي من كلية الآداب، إن أحداً من الموجودين لا ينكر أنه يشعر بالخوف سواء في رحلة الذهاب أو العودة من المحطة، أو إلى السوق وأي مكان آخر بسبب اشتداد الغارات الجوية، ويقول كثيراً ما وقعت غارات على مقربة من مراكز التسوق، وأوقعت عشرات الضحايا، غير أن الحاجة هي من تدفعهم لذلك، كما يؤكد أن أحداً غير آمن على نفسه في بيته، فالغارات وعمليات القصف العنيف كثيراً ما استهدفت أحياء سكنية وقتلت كل من فيها.

موظف المجلس المحلي، الذي يعمل في إدارة محطة التحلية قال لـ “القدس العربي”، إنهم يعملون في ظروف صعبة، ويتنقلون لتقديم هذه الخدمة في ظروف أصعب، وقد عبّر عن خشيته من توقف عمل المحطة في حال نفد الوقود المخصص لتشغيلها، ويؤكد أن ما توفره المحطة من مياه عذبة، لا يتناسب مع عدد الواردين إليها يومياً ولا مع احتياجات السكان بهذا العدد الكبير.

وفي السابق كان سكان غزة يحصلون بسهولة على المياه العذبة، من خلال شرائها من موزعين يمرون بين الأحياء بشاحنات صغيرة، تحمل صهريج مخصص لنقل المياه، وكانت ترفع عبر مواتير تعمل بالوقود إلى خزانات المياه المخصصة للشرب.

غير أن غالبية هذه العربات توقفت عن العمل بسبب نفاد الوقود، الذي تمنع سلطات الاحتلال مروره إلى قطاع غزة، منذ اليوم الأول للحرب، فيما يطلب بعض الموزعين أمولاً كثيرة لبيع المياه العذبة، ويرجعون السبب لشرائهم بعض الوقود مؤخراً بأسعار مرتفعة جداً.

وهذا الأمر يشهده أيضاً سكان مناطق غزة وشمالها بشكل أكبر، التي تمنع سلطات الاحتلال وصول أي مساعدات إليهم، كما يعيشه بذات الظروف سكان مدن جنوب القطاع خان يونس ورفح.

ويؤكد مواطنون تواصلت معهم “القدس العربي” في مدينة خان يونس، أن إمدادات المياه العادية “غير صالحة للشرب”، والمخصصة للحمامات، لا تصل إليهم إلا بصعوبة بالغة، وأن الحصول على مياه الشرب أمر صعب للغاية.

 الخبز وجوع الأطفال

ولا يختلف الأمر كثيراً في طوابير الانتظار أمام المخابز، وهناك تخصص لكل شخص ربطة خبز واحدة ذات وزن 3 كيلوغرام، وهي بالكاد تكفي لأسرة واحدة قليلة العدد، ويقول محمد الفقي، وهو رجل في منتصف الخمسينات، إن الخبز أصبح من أكثر الضروريات في هذا الوقت، في ظل شح إمدادات الطعام وقلة الأموال لشراء أصناف أخرى حال توفرت، ويوضح هذا الرجل أن تجربة الاستغناء عن الخبز في الطعام، فشلت في منزله كما فشلت عند باقي من جربها، فلم تشبع المعلبات أو المعكرونة أطفال وشباب أسرته وأسرة أصدقاء نزحوا من غزة ليشاركوه المسكن.

ويشير إلى أن الخبز يبقى أكثر في المعدة، وأن الأطفال الصغار “لا يطرد خوفهم جوعهم”، وأنهم يعبرون عن ذلك صراحة بطلب الأكل.

وتواجه غالبية الأسر في قطاع غزة، صعوبات بالغة في توفير الأموال اللازمة لشراء احتياجاتها من الطعام، بسبب ارتفاع معدلات الفقر، وحتى قبل الحرب كانت نسبة البطالة في غزة تصل لـ 50% فيما نسبة الفقر فاقت الـ 65%، وكانت 80% من الأسر تعتمد على المساعدات الخارجية لتدبير أمور حياتها.

وبسبب ظروف الحرب الحالية، وفقدان الكثير عملهم، خاصة أولئك غير الموظفين، الذين توفر لهم أعمالهم اليومية قوت يومهم، زادت المأساة الإنسانية.

وحالياً يواجه السكان، بمن فيهم من نزحوا من مدينة غزة إلى مناطق “جنوب وادي غزة”، أوضاعاً صعبة، ويؤكدون أنه لم يعد لديهم أموالاً لشراء الخبز وأطعمة تسد جوعهم وجوع أسرهم وأطفالهم.

وهناك أسر فقيرة جداً نزحت إليها أسر تشابه وضعها، كما يشتكي من قلة الحال الكثير من النازحين الذين لجأوا للسكن في محال تجارية غير مجهزة مقامة أسفل بنايات مسكونة، وقد كان أرباب هذه الأسر يعتمدون على عملهم اليومي الذي توقف لتدبير أمور حياة أسرهم.

وهذا الحال أيضاً ينطبق على من نزحوا إلى “مراكز الإيواء” التي أقامتها وكالة “الأونروا” في عشرات المدارس، واشتكى رجل خمسيني يقيم وأسرته في أحد مراكز الإيواء المقامة في مخيم النصيرات، من قلة إمدادات الطعام والمياه التي تصلهم، وأكد لـ “القدس العربي”، أن ما يوفر لهم لا يكفي وجبة واحدة لأطفال أسرته، وأنه يضطر إلى تدبير أمره من خلال شراء الطعام من السوق، ويؤكد أن نساء أسرته وأخريات في المركز، يحضرن الطعام على مواقد النار.

وحسب أحد أرباب الأسر، فإن أطفاله الذين يخافون من الحرب وأصوات المدافع، بكوا مراراً أيضاً، لعدم توفر خبز في منزله، لافتاً إلى أنه لم يحصل على أي معونة أو مساعدة خارجية، ويشير إلى أن وضعه ازداد سوءاً بعد نزوح عدد من أقاربه من شمال غزة إلى منزله وسط القطاع، دون أن يحملوا معهم سوى ما عليهم من ملابس، ويؤكد أن النازحين يعانون أيضاً من الجوع وقلة الطعام.

ويتواجد في تلك المراكز نازحون أعدادهم أضعاف ما تحتمل تلك المراكز، وتنتشر فيها بشكل خطير العديد من الأمراض المعدية، كالأنفلونزا والأمراض الجلدية، بسبب قلة النظافة، والتي تعود لعدم كفاية إمدادات المياه بشقيها العذبة المخصصة للشرب، وتلك التي تستخدم في الحمامات.

ولم توزع بعد أي مساعدات إنسانية من تلك التي دخلت بكميات قليلة من معبر رفح على سكان غزة المحتاجين، وقبل عدة أيام قام مواطنون بالدخول إلى مراكز توزيع المساعدات الغذائية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”، وقاموا بأخذ ما فيها من دقيق وزيوت وبقوليات.

وكان توماس واست مدير “الأونروا” في غزة، قال إن الإمدادات في السوق تنفد، في حين أن المساعدات الإنسانية التي تصل إلى قطاع غزة على متن شاحنات من مصر “غير كافية وغير متسقة”، وأشار إلى أن نظام القوافل الحالي “مهيأ للفشل”، وأضاف: “إن قلة عدد الشاحنات، وبطء العمليات، وعمليات التفتيش الصارمة، والإمدادات التي لا تتوافق مع متطلبات الأونروا ومنظمات الإغاثة الأخرى، وفي الغالب الحظر المستمر على الوقود، كلها وصفة لنظام فاشل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    ماذا تفعل الأنروا بغزة فلسطين ؟
    أين المليارات و الإمكانيات ؟
    ولا حول ولا قوة الا بالله

    1. يقول فصل الخطاب:

      يريدون تركيع من بقي حيا من شعب فلسطين بالتجويع والتعطيش حتى يتم الاستسلام للبعبع الصهيو أمريكي الغربي الحاقد على الفلسطينيين هذي عقود

  2. يقول فصل الخطاب:

    كان الله في عون الشعب الفلسطيني في غزة العزة و الصمود والبطولة والشهادة والله ناصر الفلسطينيين وهازم بني صهيون وعد رب العالمين وكان وعد الله مفعولا اقتربت نهاية دويلة السراب والخراب التي تجثم على أرض فلسطين منذ 1919 بدعم أمريكي وغربي حاقد ظالم سارق لأرض فلسطين، 🇵🇸🤕✌️🤕🇵🇸✌️🤕🇵🇸✌️

اشترك في قائمتنا البريدية