عبد الباسط الساروت ومشوار التضحيات

حجم الخط
1

ليست البساطة والصدق والإخلاص هي فقط ماجمع قلوب المعارضين – الذين ما عاد يجمعهم جامع – على حب عبد الباسط الساروت، ولكنها التضحية. فالرجل لم يضحِ فقط بروحه في سبيل ما آمن به، بل في حياته أعطى كل شيء، ولم يأخذ شيئاً. التضحية دائماً تقاس بميزان الأخذ والعطاء، خصوصاً عندما تكون قيمة الأخذ صفراً والعطاء في أعلى المستويات، وهذا ما يميز الساروت عن كثير من أيقونات الثورة السورية الذين رحلوا في سبيل الحرية.
أيقونات نقدرهم ونجلهم، ولكن الثورة أعطتهم بداية ثم هم أعطوها تالياً، بينما الساروت الذي كان من أول من صدح بدون تردد في ساحات حمص للحرية والكرامة، أعطى قبل أن يأخذ، و لم يكن أساساً بحاجة للأخذ، فهو كان حارس شباب المنتخب السوري لكرة القدم، فلو كان يفكر للحظات بميزان الربح والخسارة ربما ما كان ليشارك في الثورة، إذ أنه كان في بداية حياة الشهرة والأضواء والمال وكل ما ينعم به نجوم الرياضة، ولكنها التضحية، لا غير.
كثير من نجوم الثورة السورية سقطوا تباعاً على الطريق، واليوم لم يعد يتذكرهم أحد إن ماتوا أو عاشوا، ولكن الساروت، الثورة التي تمشي على الأرض، لم تغره المغريات التي أغرت غيره، فلم يسقط في فخ النساء كما غيره، بل بقي عاشقاً مخلصاً للثورة، ولم يخنها مع أنثى أخرى.
لم تغره إعجابات مواقع التواصل الاجتماعي، وألوانها وأضوائها، ومتابعيها وتعليقاتها ومشاركاتها، ولو كان عنده حسابات على هذه المواقع لما استطاع أحد لومه، ولكان في مقدمة نجوم السوشال ميديا، ولكن العمل على أرض الواقع أكثر تأثيراً من التنظير من وراء لوحة المفاتيح وخلف شاشات العالم الأزرق.
المال كذلك لم يثنه عن الثورة، ولم يعره الساروت أي اهتمام، فلو كان يريد مالاً لجمع الكثير، ولذهب إلى تركيا وافتتح مشروعاً تجارياً كما فعل غيره، ولكنه عندما هرب من جبهة النصرة ولجأ إلى تركيا، كان يعمل في أحد المعامل في اسطنبول، ولم يستطع البقاء بعيداً عن الأرض التي نذر نفسه لها، فعاد أدراجه إلى سوريا، رغم أنه كان يستطيع أن يذهب إلى أي بلد في العالم ويحصل على اللجوء وينعم بحياة هانئة، وما كان لأحد أن يلومه، فحينها، أي في عام 2015 ، كان قد قدم ما لم يقدمه إلا القليلون، ألم يقدم إخوته الأربعة وأبوه أرواحهم على مذبح الحرية.
نعم التضحية من جعلت الناس تنسى حتى أخطاء الساروت، رغم ما قيل عن مبايعته تنظيم «الدولة» (داعش) مبايعة قتال حينما حوصر مع مجموعته في ريف حماة.
على المستوى الشخصي أعادني وجدانياً استشهاد الساروت على أرض الفداء إلى الثورة التي كادت تموت في قلبي، من كثرة ما عرش على جدرانها طفيليات، من لصوص وأدعياء ومرتزقة. آسف على هذه النعوت القاسية، ولكن واقع الخذلان الذي عشناه بسبب هؤلاء في سنوات الثورة الأخيرة أشد قسوة.
هذا الحب الجارف للساروت، والذي وحد الجميع بعدما تفرقوا لا سبب له سوى التضحية الصادقة والمخلصة والمتفانية، يضاف لها البساطة، فابن حي البياضة الشعبي في حمص لم يشغل باله كثيراً بالتنظيرات الثورية، بل كان هدفه واضحاً نحو النظام، مهما كانت الأثمان، كما كان ينشد الساروت في أهازيجه وأغانيه.
يشبهنا الساروت في سمرته، ولهجته البدوية المحببة، البعيدة عن التكلف، ويمثل مشوار حياته مسار الثورة بانتصاراتها وانكساراتها واصطفافاتها الخاطئة، ولكني بعدما رأيت من إجماع الناس على حبه بتُّ أعتقد أن استشهاده قد يكون بعثاً جديداً لثورة أنهكها الخذلان حتى من أقرب أهلها، فالحق لا بد منتصر وإن طال الزمان.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    رغم الإشاعات التي روج لها نظام الأسد بإنضمام الساروت لداعش! إلا أن الشعب السوري نفى قبل الساروت ذلك لثقته بهذا البطل!! ولا حول ولا قوة الا بالله

اشترك في قائمتنا البريدية