عبد العزيز المقالح: أديم الأرض التي نشأ فيها

في «المقيل» التقيت بالشاعر العربي اليمني، ورئيس جامعة صنعاء، عبد العزيز المقالح، حينما كنت أُدْعى من باريس كجرّاح زائر متمرّس في الجراحة التنظيرية، إلى«المستشفى التخصصي» الذي يديره الدكتور الحضراني استاذ الجراحة في جامعة صنعاء.
كانت بيننا معرفة نظرية من بعيد بعد صدور روايتي «الخُلَعاء» التي كانت تُتَداوَل بينهم في «المقيل» بتأثير الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح، والناقد الدكتور «كمال أبو ديب» استاذ النقد في أوكسفورد، بلندن، كما قيل لي.
في أول لقاء معه، بعد الإنتهاء من «العمل» وصلت إلى «المقيل» برفقة الشاعر «ابراهيم الجرادي» الذي كان يُدرّس الأدب في صنعاء، وافِداً إليها من «الرقّة» السورية، فدخلتُ في الذهول! كان «الكَبْش» اليمني الصامت، عبد العزيز المقالح، يجلس في صدْر المقيل مهيباً وعيونه تتحرّى الأنحاء وكأنه يبحث عن جوهر الوجود، وحوله العشرات من المثقفين المتهيّئين لإلْتقاط كل ما يُقال. ذاهل ممّا أرى، وقفت في مكاني. وقفت كتمثال مليء بالأحاسيس، وأنا أرى الصمت.
فجأة، يهبّ الشاعر واقفاً، فيهُبّ معه الجالسون. يا إلهي! كنت أقول صامتاً، وأنا ألوز بعينيّ في الأنحاء، دون أن أتحرّك، وابراهيم يدفعني، مردداً: إمشِ! ألا تراه ينتظرك واقفاً؟ فتقدمت برهبة إليه.
كان الشاعر وَدوداً، وأَلوفاً. قلبه مفعم بحبّ الحياة. تكلّم قليلاً، لكن ما قاله يكفيني سنوات. لقد أدرك، ولا بدّ، أهمية الصمت. لكأنه نشأ في الصحراء التي تركتُها ورائي، منذ سنين، أنا الجرّاح العربي القادم من باريس!
كان محاطاً بالمبدعين العرب الكبار الذين وجدوا، في اليمن، بتأثير سماحته وأريحيّته، هو شخصياً، مقاماً رحباً وسعة من العيش، وحرية افتقدوها في بلدانهم. أذكر منهم، على سبيل المثال، في تلك الجلسة المقيلية الآسرة: الشاعر سليمان العيسى، شاعر العروبة في صباه، والشاعر العراقي علي جعفر العلاق، والناقد العراقي المبدع حاتم الصكر، والكاتب العراقي شاكر خاصباك، ومن السوريين الدكتور راتب سكر، وابراهيم الجرادي، والصحافي العراقي الشاب عبد الرزاق الربيعي، ومن اليمنيين الكثير من الكتاب والشعراء وعلى رأسهم خالد الرويشان الذي صار وزيراً للثقافة، فيما بعد.
في مقيل المقالح المهيب، كانت تدور حلقات الحوار والنقاشات التي تبدأ ولا تنتهي. فيه، سمعت الكثير وتعلمت الكثير. في المقيل، أيضاً، بدأتُ، بتأثير المقالح، أُخزّن القات الذماري الرائع الذي لا تزال نُكهته في فمي. كان المقالح الساكت، مثل «أبو الهول» يعطي الوجود بسكوته بُعداً آخر. لكأن الشعر، عنده، معادل للصمت.
عندما عدت للمرة الثانية جرّاحاً زائراً، وكنتُ قد كتبت بعد زيارتي الأولى:«عشرة أيام في اليمن هزت الروح» نُشِر في «مجلة نزوى» العُمانية التي يرأس تحريرها الشاعر سيف الرحبي، وفي جريدة «الاتحاد الاشتراكي» المغربية بعناية الصديق الروائي والناقد أحمد المديني، تلقّاني المقالح بمودة كبيرة، وكان قد قرأ المقال في المقيل مع أصحابه ومتابعيه. فقال لي بهدوء متواطيء: سنريك، هذه المرة، أماكن لم يرها أحد آخر.
انطلقنا باكراً جداً بعدة سيارات محروسة، وبرفقة عدد من المثقفين والشعراء، يقودنا المقالح بصمته الآسر وهيبته الودودة. صعدنا الجبال، بلا ضجيج لكأننا نخشى أن نوقظ العالم الغارق في سباته العميق. أفطرنا عند أحد شيوخ القبائل الجبلية، وكان أكثر صمتاً من المقالح، قبل أن نتابع الصعود. دفتري بين يدي، أفتحه، وعلى الفور أغلقه. كان المشهد أكبر من الكتابة عنه. كان أسطورياً.
المقالح يتطلّع، خلسة، إلى يدي: القلم بين أصابعي، ودفتري مغلق، وعيوني لم تعد في وجهي. خطَفتْها الأنحاء المذهلة التي كنا نمرّ بها. كنتُ أتردد بين الكتابة، والرؤية. بين النكوص إلى الذات، والخروج إلى العالم. وأختار الخروج بوعي كامل وملحّ. خيبة ألاّ أكتب. وخيبة أكبر منها أن أضيّع عظمة ما أرى مقابل قليل من الكلمات.
في أعالي الجبال اليمنية الخالدة توقفنا. أشار المقالح بيده نحو الجهات، وحدد جهة قريبة منا، وهو يقول بصوت خافت، وكأنه يكشف سراً: هذا هو «سدّ شاحج» وهو أصل «سدّ مأرب»الاسطوري. بقينا في الذهول الكوني فترة طويلة، قبل أن نهبط نحو السفح المشرق في الأسفل، لنحط على «سد مأرب» العظيم».
لم أكتب، أبداً، عن تلك الرحلة الغريبة الرائعة، ولم أندم على عدم الكتابة عنها. لكنها ظلت يَقِظة في نفسي، مثل حب قديم لا ينسى. كنت غارقاً في الذهول، أُنقل عيوني، مسحوراً، بين وجهه، ووجه الطبيعة اليمنية الآسرة التي تحيط بنا دون أن أقول شيئاً. هل كنت أبحث عن شيء؟ كان كل شيء واضحاً: لا يشبه روح الكائن إلاّ روح المكان الذي نشأ فيه.

كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول جبار ياسين . فرنسا:

    فعلا ياصديقي خليل النعيمي كان المقالح يستحق المحبة والأعجاب ، بصمته و حديثه القليل ،بكرمه في النظرة للآخر وبلحظة وداعه ، بهداياه الرمزية : قهوة يمنية من سفوح جبال بني مطر وعباءة صنعانية و أحيانا حناء . كان يمنيا عربيا ، كما كنا نسمع عن العرب االيمانية : رشد وتعقل وايمان و وفاء . احبه الجميع بأحترام .لم يتحدث هن نفسه يوما ، كان يطلب من الآخرين الحديث عن انفسهم ليعرف اكثر ، ليتيقن من كبريائهم فد كان ذو كبرياء عال ، شأن الكثير من اهل اليمن ا، كبرياء وتواضع . واليمن كانت دائما هكذا

  2. يقول أحمد عزيـز الحسيـن:

    من الجميل أنك أقمتَ توازٍ بين وجه المقالح وسمرة الطبيعة من حوله، ورأيت في الاثنين تماهياً يجعلك تذهب إلى أن كليهما جبلا من معدن واحد، وأن كليهما حافل بالأصالة والبهاء،

اشترك في قائمتنا البريدية