علي جعفر العلاق: الصوت المختلف

حجم الخط
1

عُرف عن العقد السبعيني، في العراق، أن التنوع الفكري والأيديولوجي فيه، أخذ ينحسر في جبهةٍ واحدة. وما كانَ الشعر في عزلةٍ عن هذا، فليس بمقدور الشاعر، وإن حاول النأي، تجاهل ما يجاوره، أو يحيط به.. وليس ثمة ما يفصل بوضوح بين هذا العقد وما قبله، فالشعراء الستينيون مازالوا ينتجون، ومن هؤلاء مَن تكرس حضوره، في ما بعد، بل نلفي منهم مَن أصدر أول دواوينه في هذه الحقبة، ولاسيما مَن بلغ صوته الشعري تخوم الستينيات.
وكانت الحياة الثقافية يومها تصطبغ بصبغة سياسية واضحة، ما دفع بشجرة القبائل الشعرية والنقدية للنمو والاتساع، حتى علت أغصانها، وتفيأت بظلالها مواهب صغيرة، وليس من الغرابة أن يحدث مثل هذا، لكن الغرابة في أن يضيق النهار على تجارب شعرية متفردة، تجارب لا تقول غير الشعر. في زحام هذا الفضاء الثقافي، وتدافع أدبائه، كانَ علي جعفر العلاق يواصل ما ابتدأه، وكان الشعر ملاذه الآمن وحارس وحشته، وقد أصدر طوال هذه السنوات السبع ثلاثة دواوين، «لا شيء يحدث… لا أحد يجيء» (1973) و»وطن لطيور الماء» (1975) و»شجر العائلة»( 1979). في ديوانه الأول «لا شيء يحدث… لا أحد يجيء»، يتجلى الصوت المختلف، الديوان الذي شكل، آنذاك، علامة فارقة في الشعر العراقي الحديث، مع أنه جاء في جو من الضجيج السياسي، واختناق الهواء بغبار الأيديولوجية الحزبية وحماستها، وكان النقد، هو الآخر، مأخوذاً بالمعنى، معنياً بالموضوعات الأيديولوجية، والقضايا الاجتماعية، ما باعد بينه وبين هذا الديوان الذي جاءت قصائده مبرأة من هذه الموضوعات أو القضايا، فكانت عالية الأداء الشعري، الذي يكشف عنه الديوان نفسه: لغة شعرية مدهشة حافلة بالمفاجآت، ليس لها قرار. هي أشبه بالطبيعة في التدفق والتواصل الثري، وطرية كغصن شجرةٍ، وصافية كنبعٍ هادئ، وشاسعة الدلالة كظلال القرى، بدءاً بلغة العنوان الرئيس، وهو مستعار من قولة بيكيت: «لا شيء يحدث، لا أحد يأتي»، مروراً بعناوين القصائد: «مخاوف للقرى الدافئة، تلويحة للصيف، انحناءة في مياه الكآبة، تجمعات تحت سماء مرتبكة، عن موسم النوح والماء، أبي وزمان المياه»، فهذه العناوين لم تعد مجرد عناوين، بل هي ذات حمولة شعرية بموسيقى خارجية وإيقاع داخلي، وصولاً للمتن الشعري الأكثر طراوة وصفاء وعذوبة، واقتصاداً في التعبير، ففي قصيدة النوافذ نقرأ:
كانت نوافذُ تلك القرى ورقاً
ليناً، وصباباتها ورقاً
ليناً، والشفاه
تفتحتِ الريحُ خلفَ صناديقها،
شجراً
من غبار المياه
كانَ رملُ الحدائقِ يشحبُ،
والصيفُ يشعلُ أشجاره المطمئنة، أدركتُ
أن الرحيلَ سيكبرُ في فُسحةٍ
خلفَ ذاكرتي،
ونخيلَ النوافذِ يصعدُ،
يصعدُ،
يصعد
لغةٌ لم يُعدم وضوحها رغم حداثتها، ولا تسعى وراء الحلم الفردي، أو الجمعي العائم بدون هوادة، إذ «إن السعي وراء الجديد لا يعني أن نكتب كيفما اتفق، لكي نتميز عن غيرنا، إن مسألة التمييز هي ليست في التعبير المحض، بل في التعبير الأكثر شمولية لقضية معطاء ولمعنى متجسد ولعقدة موجودة، وكل ذلك يتم من خلال تناول خاص وجو خاص بالشاعر»، وفي ضوء من هذا جاءت قصائد الديوان الأول، بتناول خاص يتجلى في اللغة، وبجو خاص يتجلى في الرؤية والمعالجة، في حقبة شائكة وملتبسة، نجمت بأوهام العقد الستيني: أوهام الأيديولوجية، والأحلام المنفصلة عن الواقع، وأوهام الجماعة، والبيانات الشعرية، والغموض الكئيب المتسبب عن هاجس التجاوز المستعجل، المضطرب والمشوش. فقد نأى العلاق بشعره عن المغامرات الشعرية المفتعلة من جهة، وعن مسرح التجاذب الأيديولوجي من جهة أخرى، فظل متمسكاً بصوته المختلف، وبوعيه المتأني، بذاكرته المتوهجة، هذا ما يبدو في لغته الخاصة، ورؤياه المتجاوزة، ومعالجاته الشخصية، فتجاور في تجربته «تاريخه العاطفي الشخصي وعراقيته التي تبشر بتآخي الطين والماء»، نقرأ «في ذاكرتي»:
ولديّ مخاوفُ منتفضةْ
منها ما يذهبُ للنومِ،
ومنها
ما يمكثُ في اليقظةْ.
في أحواضِ الزمنِ، الخشنةِ
لثعابينِ الرملِ
مخابئُ
تحتَ الماءْ.
وليَ الحجرُ المائلُ،
بين القلبِ، وبين الوجهِ،
الحجرُ المائلُ،
حيثُ الماءْ
يشحبُ في ذاكرةِ الصيادينَ،
يؤالفُ بينَ السمكِ الميتِ،
والصحراءْ.

إن الشعراء، في العقد الستيني، مروا بحقب مختلفة، منها تلك الواقعة بين أوائل 1965 و1967، وهي حقبة شعر العودة إلى الأصل واستبدال الرموز الميثولوجية الرومانسية برموز التراث العربي الإسلامي

هذه القصائد المجتمعة ذات النبرة المختلفة، الخاصة جداً، لا تشبه سوى علي جعفر العلاق، في ايجاز القول الشعري، والتنوع الإيقاعي، والأسى الشفيف وراء اللغة الدافئة، وانفعالات الفقد الجميلة، والتشكيل البصري المتدفق من بئر الذاكرة بانسياب، واسترجاع أحلام الطفولة، ومنغصات الحياة، وإلفة الأمكنة ووحشتها، واستدعاء التاريخ كورقة بيضاء صالحة لكتابة جديدة، كما نقرأ في قصيدة «تخطيطات في دفاتر ابن زريق البغدادي»:

(1)

وسادةٌ وجهي،
وغصنُ ماءْ
أحملُ في نُعاسه وجوهكم،
يا شجرَ الكرخِ، وأنسى أن لي
من عمركم عامينْ
تركتُ فيهما يَدي،
عُمريَ المبتل،
جئتُ،
دونما عينينْ.

(2)

لي من غبارِ الشجرِ المالحِ
وردةٌ،
حملتُها من حطبِ الفقرِ،
ألم تروا يدي خرقةً،
مليئةً بالريحِ؟
وجهي سلةً..
في المقطع الثاني اختلف الإيقاع بتنوعه المفاجئ، ونبرته الحميمة، وهذا يعودُ، بشكل رئيس، لوعي الشاعر باللغةِ، لغة الشعر الخاصة به الخالصة من المؤثرات، وما تــــؤدي من تنوع إيقاعي معبر، وأعني، هنا، باللغة جسد القصـــيدة، كينونتها المبصَرة والمقروءة، أو حسب تعبير أليـــوت: «إن موسيقى الشعر ليست شيئاً يوجد منفصلاً عن المعنى… ذلك أن بين الشعر وموسيقاه ارتباطاً حيـــوياً»، وهذه ميزة تضاف لتجربة علي جعفر العـــلاق، وهي السر وراء نجاح قصائده التي جاءت على بحور ممزوجة، أو أبيات مدورة، أو تراكيب لم يفلـــح فيها شعراء آخرون.
أعود ثانيةً، لقصيدة «تخطيطات في دفاتر ابن زريق البغدادي»، القصيدة المنفردة في استعارتها التاريخية من بين قصائد الديوان، وهذه هي المرة الأولى التي أطالع فيها قصيدة تنتمي للأجيال الشعرية الجديدة تتضمن استعارة شخصية ابن زريق بتوظيف يقتصر فيه الإشهار على العنوان، من دون أن تثقل الشخصية المتن الشعري، أو تتسرب إليه بمباشرة مفضوحة، ومن دون أن تختنق لغته بحمولة المستعار التاريخية والثقافية، أو تصاب بالتشقق، أو التصدع بفعل فائض الإحالات، ولاسيما إن احتفاء الشعراء الستينيين بالتوظيف التاريخي، كان كبيراً. وستكون هذه الشخصية مع شخصيات أُخر حاضرة في دواوين العلاق اللاحقة، ولكن بأسلوب آخر، وتوظيف مغاير، سنعاين في ما بعد، ونلحظ هذا التطور، غير أن في قصيدة الديوان هذه، استعارة مبكرة، واستدعاء مختلفاً، يشي بالانمياز والتجاوز معاً.
إن الشعراء، في العقد الستيني، مروا بحقب مختلفة، منها تلك الواقعة بين أوائل 1965 و1967، وهي حقبة شعر العودة إلى الأصل واستبدال الرموز الميثولوجية الرومانسية برموز التراث العربي الإسلامي، وكان قبل هذه الحقبة بقليل شعر البياتي، مثالاً، غنيا بهذه الاستعارات التاريخية، الصوفية تحديداً، مثيل قصيدته «عذاب الحلاج» 1964، وقصيدته «محنة أبي العلاء» 1965، وقصائد أُخر، غير أن هذه القصائد تضجُ بالإحالات، التي لا يكاد يخلو مقطع منها، والاستعارات لا تنمو وتتطور في المـــتن الشعري بانسياب، أو تتماهى مع روح اللغة وجسدها الحي الأنيق، فهي، على جدتها، وما تثيره من غرابة، تفتقرُ إلى نسيج لغوي يشد بعضها إلى بعض، فتبدو كنهرٍ منسابٍ تمنع تموجاته ما يترسب في القرار من ركام القول. ولم يقتصر الأمر على البياتي، بل تجيء قصيدة «أوديب» لبلند الحيدري في ديوانه «رحلة الحروف الصفر» 1968، لتؤكد هذا المسعى الاستعاري الجاف، المكتظ بالإحالات، على الرغم من أن الحيدري لم يخرج، حتى نهاية الستينيات، من عباءة المرحلة التموزية وغوايتها.
أما الشعراء الستينيون، فقد نأى بعض منهم عن تقاليد استعارة الشخصيات التاريخية أو توظيف الأسطورة، ولم يتناولهما، ربما بسببٍ من الموقف الرؤيوي للشعر الجديد، وثمة من تناولهما بشيء من الحماسة المتأججة، وبلغةٍ تعروها الخشونة والتوتر، كحسب الشيخ جعفر في «هبوط أبي نؤاس»، ولهذا كانت قصيدة علي جعفر العلاق السبعينية مثالاً للتجاوز، فهو لم يمضِ وراء غواية التغريب، والنأي بموقفٍ عما يغني الشعر ويؤثث أفقه الوسيع، ولم يُزجِ قصيدته إلى فخاخ حماسةِ الاستدعاء التاريخي، لغاية، هي الاستدعاء ليس غير.

٭ كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سعدون الباهلي:

    لا اتفق مع الكاتب بما ذهب اليه فالشعر العراقي ( العمودي و التفعيلة منه ) في عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات كان شجرة عالية ونخلة باسقة ، و بغداد و البصرة غنية بالمهرجانات و الندوات و الحوارات و المجلات و اللقاءآت و الجوائز و الفعاليات المحلية و العربية التي يحضرها المثقف و الموظف و الاستاذ و الكاسب و المرأة والوزير والمديرو و و و و.بل كان رئيس الجمهورية بشخصه
    يحضرها كثيرا ويستمع و يوزع الجوائز و الأغلبة من شعراء الجنوب والشمال تسعى بحيوبة للحضور بين يديه للتباهي بما كتبت.. و كان شاعرنا العلاق موضوع المقال ، استاذا جامعيا و مدير ا عاما في وزارة الثقافة يومذاك و شارك بالمهرجانات و يعلم بذلك جيدا.

اشترك في قائمتنا البريدية