عما يفعله انتصار الأمم الكبيرة في بلد صغير: يجب العثور أولا على عظام حبيب الشعب

حجم الخط
0

الفتاة أوغلا، القادمة من شمال أيسلندا الفقير إلى جنوبها الغنيّ، تعرفت على كل ما كان يعيشه بلدها في زمن ما بعد الحرب الثانية. ابتداء من ذلك النزاع الناشب بين الشيوعية والرأسمالية، مرورا بالدين والمادية، وبين العودة إلى الطبيعة الأم وترك التصنيع والاختراع يجدّدان العالم، بين العالم الحقيقي والفن، وكذلك بين ما أتى به الحاضر والبحث في الماضي عما يمكن أن يكون مثالا وعقيدة للأمة الأيسلندية، وربما أفلح الباحثون المنقبون في العثور على ضالتهم المتمثلة بما عرّفته الرواية بـ»عظام حبيب الشعب»: ومن المسائل، أيضا، التي تدور فيها السجالات بين المتنازعين، العرض الأمريكي بتحويل المضيق القريب من العاصمة ريكيافك إلى قاعدة نووية، وهذا ما استجرّ سجالا آخر عنوانه « بيع البلد».
أوغلا، الفقيرة التي لم تحصّل علما، والتي جاءت إلى الجنوب لتعمل خادمة وتتعلّم العزف على الأرغن، أتيح لها أن تتعرف على كل هذه القضايا، ومن وجهة نظر حكام البلد آنذاك. بليزر» فهي تعمل خادمة في بيت المستشار الثري، الطيب القلب كما تراه، وهناك كانت تعقد الاجتماعات وتقام السهرات التي يحضرها أوروبيون وأمريكيون ولا يفوّتها رئيس الوزراء الذي هو صهر مخدومها والذي، بعامل القرابة، يقيم على مقربة. وبالطبع هناك آخرون يأتون إلى البيت ليوسعوا أفق الفتاة الريفية أوغلا، ولهؤلاء أسماء غريبة بينها «الإله» وهو اسم لاثنين من الشخصيات غالبا ما يُذكران معا: «أتى الإلهان…» وخرج الإلهان» وهما رجلان أفّاكان. وهناك أيضا رجل اسمه «مئتا ألف بليزر» وأحيانا «بليزر» فقط. ومن الأسماء التي أعطيت لأبناء صاحب البيت «دم الفاكهة» وهو للفتاة الصغيرة ذات الثلاثة عشر عاما والتي عشقت رجلا طويلا وأصلع دفعها تعلٌّقها به إلى الانتحار.
في البيت الذي تقيم في إحدى غرفه تتعرف أوغلا على الجنون من نواح تتعدّى أسماء الشخصيات واختلاف حامليها البيّن عما تعنيه. الأولاد أولا الذين يقيمون حفلات ساهرة على طريقة ما يفعل الكبار، وعلى طريقة هؤلاء أيضا يرتكب الصغار موبقات ليس التدخين أو الاعتداء بالضرب والتكسير والاختلاء الجنسي أفدحها. وليبدو ذلك جنونا شيّقا كان على كاتب الرواية أن يبدع في إبقاء ما يفعلونه معلّقا بين حدّي الحقيقي والهذياني.
وعلى غرار الأطفال كذلك هم الكبار، مجموع الكبار وليس أصحاب الرأي منهم فحسب، فها هم أبناء الأمة يقبلون على أن يكونوا أول من سيفنون من لحظة ما تندلع الحرب النووية، ثم، إن بقي منهم أحياء، سيغفرون لأنفسهم على غرار ما فعلوا في المغفرة التاريخية الأولى التي أعقبت بيعهم للبلد في سنة 1262. والأكثر غرابة أنهم يفاوضون على تلك الصفقة في ما هم يحاولون التمثلّ بما كانت دول أوروبا زمن كراهيتها لبعضها بعضا قبل أن تهتدي إلى عداوتها المشتركة للجزء الشرقي من العالم. الفتاة أوغلا كان عليها أن تشاهد كل ذلك وتعيشه، وقد ساعدها في ذلك انضمامها إلى خليّة الشيوعيين الداعين، وهذا مطلبهم الأول، إلى إقامة منازل رعاية للأطفال، بل والوحيد، وهذا ما يرفضه الرأسماليون التقليديون الذين يرون أن حضانة الأطفال ستشجّع على انتشار الفاحشة والفجور، وأن الحضانة الحقيقية هي في بيوت المسيحيين الأتقياء وغيرهم من ذوي الأخلاق الحميدة.
اتخذ الكاتب هالدور لاكسنيس من بطلته أوغلا شاهدا على ما كان يعصف بالأيسلنديين من أفكار وآراء في تلك الحقبة من تاريخ بلدهم. لم يتعدّ دور الفتاة الشهادة على ما عاشته في الفترة القليلة التي قضتها في الجنوب. السجال الذي كان يجري في الرواية حول مسائل مثل الأديان والعقائد والتيارات الفكرية القائمة آنذاك لم تكن إلا ناقلته، إذ هو يجري بين آخرين لم يمكّنا المؤلف من رسم صور واضحة عنهم. هم آلهة ووضيعون، قادة وأفّاقون، أطفال هم رجال أو متراوحون بين أن يكونوا مثلما ينبغي لهم أو مثلما هم كبارهم. ثم الدين الذي نجده مهدّدا بالإلحاد وبالسخرية. ما يبدو واضحا فعلا هو ما نقرأ عن الأخلاق حيث «لا يوجد هناك شيء يسمّى الأخلاق فما يعتبره قوم جريمة يعتبره قوم آخر فضيلة، وما تعتبر جريمة في عصر تعتبر فضيلة في عصر آخر. ثم «لا يوجد شيء مشترك بين علم الجمال والأخلاق: فلا يذهب أحد إلى الجنة لأنه جميل».
وبين ما يجري السجال حوله هو تلك الفكرة الصادمة عن اللوحات الفنية حيث «لا شيء يمكن أن يعبّر عن احتقار الطبيعة مثل لوحة عن الطبيعة. فقد لمست الشلال ولم تبتلّ أصابعي. ولم أسمع صوت هدير الشلال وهذا الذي يفترض أن يكون بيتا ريفيا، لكن أين هي رائحة روث البقر؟».
لهجاء الفن اختار لاكسنيس لوحة رسم تشكيلي ليكتب نظريته حول الفن، وهو ساهر بطلته مع قيادة مفترضة لأيسلندا ليقول رأيه في السياسة، كما جعل والد الفتاة يبني كنيسة ليوغل في السجال حول الدين. لكنه مع ذلك استطاع تأليف رواية عرفت في ما بعد بنفاد نسخها في يوم صدورها الأول. ربما كان السبب في هذا النجاح استجابة الرواية للقلق الذي كان يعيشه الأيسلنديون في تلك الفترة الفاصلة من تاريخهم.

«المحطة الذرية» رواية هالدور لاكسنيس الحائز في 1955 على جائزة نوبل للآداب، نقلها إلى العربية خالد الجبيلي وصدرت عن منشورات الجمل في 240 صفحة – سنة 2023.

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية