عندما طلبت روسيا امتيازا في المضائق

يتصدر مضيقا إسطنبول (البوسفور) وجَناق قلعة (الدردنيل) أجندة السياسة العالمية بشكل متكرر بسبب الأهمية العسكرية والاستراتيجية التي يتمتعان بها. مع توقيع اتفاقية مونترو في عام 1936، انتقلت السيادة على منطقة المضائق إلى تركيا. وقد حدثت مشاكل خطيرة بين تركيا وروسيا في هذا الصدد خلال عهد ستالين. ووضعت موسكو جميع البطاقات القوية التي تمتلكها على طاولة المفاوضات. في عام 1945، أجرى وزير خارجية تركيا حينها سليم صاربير، زيارة إلى موسكو لمناقشة الموضوع، واستقبله وزير خارجية الاتحاد السوفييتي فياتشيسلاف مولوتوف، في الساعة السادسة من مساء يوم 7 يونيو/حزيران.
قبل عقد معاهدة تحالف مع تركيا، كان لا بد من حل المشاكل الصعبة بين البلدين. هذه المشاكل، حسب مولوتوف، كانت على الشكل التالي: “المشكلة الأولى، هي الوضع الذي خلقته اتفاقية 1921 الموقعة بيننا. تم توقيع هذه الاتفاقية في وقت كان السوفييت فيه ضعفاء وأحدثت بعض التغييرات في الأراضي. من الضروري إصلاح هذه المشكلة في البداية”.
وعندما سأله صاربير حول ما إذا كان قصده من هذا الكلام إجراء بعض التغييرات في الحدود الشرقية لتركيا، قال مولوتوف: “نعم… أقصد إصلاح ما وقع من ظلم”. بدوره أكد صاربير أن اتفاقية 1921 لم تكن اتفاقية فرضت بقوة على السوفييت. أما فيما يتعلق بالظلم الذي يجب إصلاحه فإنه يمكن، قبل الوصول لأي نتيجة، الاطلاع على الروابط التاريخية بين البلدين للبحث عن ذلك، علما أن الوضع الذي خلقته اتفاقية 1921 لم يكن ظلما بل إصلاحا للظلم، مضيفا: “هذا الظلم لاحظه لينين بنفسه وقام بإصلاحه”.
على إثر ذلك، قال مولوتوف “دعنا لا نتحدث عن الموضوع، لكن بذلك لن نكون قد حللنا المشاكل الصعبة كلها بيننا. يمكننا مواصلة الحديث”، ليتم ترك الأمر معلقا عند هذه النقطة.

وفي حديثه عن المشكلة الصعبة الثانية، قال مولوتوف” “في أوقاتنا الضيقة، اضطررنا للاهتمام بأمننا في البحر الأسود. قد نكون مخطئين في هذا القلق، ولم ينتج عن موقف تركيا وتحركها أي مشاكل في هذا الشأن. لكن في قضية المضائق، يخضع كيان بشري قوامه 200 مليون نسمة لإرادة تركيا. إنهم لا يخضعون لإرادتها فحسب، بل أيضا للأوضاع التي يمكن أن تتشكل عبر إمكاناتها. نحن على يقين من حسن نية تركيا. ولكن لا يمكننا التأكد من كفاءتها وقدرتها على الدفاع عن المضائق”.
في تلك الأثناء، تدخل صاربير وهو يتوقع إلى أين ستؤدي هذه الكلمات، وقال: “إذا كانت النتيجة المستخلصة من الإمكانيات الدفاعية التي تملكها تركيا أو التي لا تتوفر لديها، هي قضية إنشاء قاعدة سوفييتية في المضائق، دعني أخبرك على الفور إن إنشاء قاعدة في المضائق أمر لا يمكن حتى طرحه للنقاش، تماما مثل قضية تعديل الأراضي بسبب اتفاقية 1921”.
وبعد هذا الرد أبدى مولوتوف ترددا لفترة طويلة حول كيفية ضمان أمن البحر الأسود في ظل هذه الظروف، وذكر أنه بعد 20-30 عاما، يمكن أن تصبح المانيا أقوى مرة أخرى ويكون لها حليف مثل إيطاليا، ثم تساءل بما أننا لا نريد منحهم قاعدة عسكرية في المضائق وقت السلام، هل نفكر في دراسة الموضوع وقت الحرب؟
أجاب صاربير أنه لم يقل شيئا كهذا، لكن وفقا لمعاهدة التحالف المعنية المحتملة، لن يكون من الممكن تحديد الصعوبات التي ستظهر مسبقا عندما تدخل تركيا الحرب وتقاتل إلى جانب السوفييت، وأنه لا يملك صلاحيات ومعلومات في هذا الصدد. علاوة على ذلك عندما ينشأ مثل هذا الموقف، بما أن تركيا سترغب حتما في كسب الحرب، فإن هذه النقطة ليست مسألة يجب مناقشتها بينه وبين مولوتوف في الوقت الحالي، وإنما بين هيئتي الأركان العامة في ذلك الوقت.
أما النقطة الثالثة التي تطرق إليها مولوتوف فكانت متعلقة بمسألة تغيير اتفاقية مونترو. عرض مولوتوف التفاوض لتغيير الاتفاقية في نفس وقت مفاوضات معاهدة التحالف. وقال صاربير إنه لا يتوقع أي فائدة من ذلك وأنه ليس من مصلحة تركيا ولا السوفييت إثارة شكوك بريطانيا تجاههما.

٭ كاتب تركي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    قناة إسطنبول (بالتركية: Kanal İstanbul)‏ هو اسم مشروع تركي لممر مائي اصطناعي على مستوى سطح البحر، وخططت له تركيا على الجانب الأوروبي من تركيا، ليصل البحر الأسود ببحر مرمرة، وبالتالي ببحري إيجة والمتوسط. وستشق قناة إسطنبول الجانب الأوروبي من إسطنبول وبذلك ستشكل جزيرة بين قارتي آسيا وأوروبا (الجزيرة سيكون لها شواطئ على البحر الأسود وبحر مرمرة والقناة الجديدة والبسفور). وسيجاور الممر البحري مضيق البسفور.

    وهدف قناة إسطنبول هو تخفيف المرور في مضيق إسطنبول. والمتوقع أن تكون سعتها 160 سفينة يوميًا – على غرار الحجم الحالي لحركة المرور عبر مضيق البوسفور، حيث يترك الازدحام المروري السفن واقفة في طوابير لأيام لعبور المضيق. وشكك بعض الخبراء في هذا الهدف، وأن السبب الرئيسي لبناء القناة هو تجاوز اتفاقية مونترو التي تحد من عدد وأطنان سفن الدول غير المطلة على البحر الأسود التي يمكنها الدخول عبر البوسفور. في يناير 2018 أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم بأن القناة لن تخضع لاتفاقية مونترو. ومن المقرر افتتاح المشروع في 2023 في الذكرى المئوية لإصلاحات أتاتورك.
    – ويكيبيديا –

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    “مع إنشاء قناة إسطنبول، سيتم تأمين فرص عمل كثيرة، فضلا عن إنشاء مدن صغيره لنصف مليون شخص على أطرافها، وبناء جسور عليها وممرات وأنفاق تحت الماء للسيارات”، لافتا أنه “على العكس من مضيق البوسفور سيكون المرور فيها بمقابل وسيدرُّ على تركيا ما يقارب 10 مليار دولار سنويا”.

    وحول أهمية القناة في حركة التجارة العالمية، “حين تم توقيع اتفاقية مونترو كان معدل عدد البواخر المسموح بمرورها في القناة حوالي 2500 باخرة، في حين يمر الآن نحو 22 ألف باخرة سنويا، الأمر الذي يجعل البواخر تنتظر في بحر إيجه أسبوع أو أسبوعين مما يترتب عليها مصاريف الرسو تبدأ من 10 آلاف دولار أسبوعيا ويزداد المبلغ حسب حجم البواخر”، مؤكدا أن “الأمر سيكون مختلفا في قناة إسطنبول حيث لن يوجد هناك داع للانتظار، خاصة أن ما يزيد عن 40 ألفا من البواخر ستعبر القناة ذهابا وإيابا بشكل سنوي”.
    – سمير حافظ –

إشترك في قائمتنا البريدية