عن‭ ‬مواجهة‭ ‬فاشية‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬

10 - سبتمبر - 2018

‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬مكانا‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬إلا‭ ‬وطرقه‭ ‬وسجل‭ ‬به‭ ‬صعودا‭ ‬لافتا‭ ‬تارة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬وتارة‭ ‬ثانية‭ ‬عبر‭ ‬الحراك‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬ضد‭ ‬قضايا‭ ‬الهجرة‭ ‬واللجوء‭. ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬بامتداداته‭ ‬العنصرية‭ ‬يقف‭ ‬سياسيا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬اليسار‭ ‬التقليدي‭ ‬الممثل‭ ‬في‭ ‬الأحزاب‭ ‬الاشتراكية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬واليسار‭ ‬التقدمي‭ ‬الذي‭ ‬تجسده‭ ‬أحزاب‭ ‬الخضر‭ ‬وأحزاب‭ ‬يسارية‭ ‬شبابية‭ ‬حديثة‭ ‬التأسيس،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬اليمين‭ ‬المحافظ‭ ‬الذي‭ ‬تحمل‭ ‬رايته‭ ‬الأحزاب‭ ‬المسيحية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وتتداخل‭ ‬معها‭ ‬أحزاب‭ ‬ليبرالية‭ ‬صغيرة‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬الحراك‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬لليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬فيقارعه‭ ‬فقط‭ ‬باحتجاجات‭ ‬سلمية‭ ‬ترفض‭ ‬العنصرية‭ ‬وخطابات‭ ‬الكراهية‭ ‬ضد‭ ‬الأجانب‭ ‬واللاجئين‭ ‬اليسار‭ ‬التقليدي‭ ‬والتقدمي،‭ ‬بينما‭ ‬تسجل‭ ‬أحزاب‭ ‬اليمين‭ ‬المحافظ‭ ‬والأحزاب‭ ‬الليبرالية‭ ‬غيابا‭ ‬واضحا‭ ‬عن‭ ‬الشارع‭.‬

وقد‭ ‬دللت‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬التي‭ ‬أجريت‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬كافة‭ ‬بقاع‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬موظفا‭ ‬لقضايا‭ ‬الهجرة‭ ‬واللجوء‭ ‬ومستخدما‭ ‬لمفردات‭ ‬سياسية‭ ‬تشبه‭ ‬المفردات‭ ‬العنصرية‭ ‬والشعبوية‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭. ‬في‭ ‬السويد،‭ ‬وهي‭ ‬معقل‭ ‬تاريخي‭ ‬للاشتراكية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬حصد‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ (‬حزب‭ ‬ديمقراطيي‭ ‬السويد‭) ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬18‭ ‬بالمئة‭ (‬17.6٪؜‭) ‬من‭ ‬أصوات‭ ‬الناخبين‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬مسجلا‭ ‬نتيجته‭ ‬الأفضل‭ ‬منذ‭ ‬استقرت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬الملكية‭ ‬الدستورية‭ ‬والحكم‭ ‬البرلماني‭ ‬ودولة‭ ‬الرفاهة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬توزعت‭ ‬بالتساوي‭ ‬أصوات‭ ‬80‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬الناخبين‭ ‬بين‭ ‬تحالف‭ ‬اليسار‭ ‬التقليدي‭ ‬والتقدمي‭ ‬وتحالف‭ ‬اليمين‭ ‬المحافظ‭ ‬والليبراليين‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬سيصعب‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬ائتلافية‭ ‬جديدة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقرر‭ ‬القائمون‭ ‬على‭ ‬أحزاب‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬التعاون‭. ‬وسبق‭ ‬انتخابات‭ ‬السويد‭ ‬تنافس‭ ‬على‭ ‬الحراك‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬حاول‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬نشر‭ ‬مشاعر‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬واللاجئين‭ ‬والإفادة‭ ‬منها‭ ‬انتخابيا،‭ ‬وقارع‭ ‬اليسار‭ ‬ذلك‭ ‬بحراك‭ ‬رافض‭ ‬للعنصرية‭ ‬وبتذكير‭ ‬الناخبين‭ ‬بقيمة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والحريات‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬المتسامحة‭ ‬والمنفتحة‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬للمجتمع‭ ‬السويدي‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬صعود‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬بقاصر‭ ‬على‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬حديثة‭ ‬العهد‭ ‬نسبيا‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬وشرق‭ ‬أوروبا‭ (‬المجر‭ ‬مثالا‭)‬،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬المأزومة‭ ‬اقتصاديا‭ ‬في‭ ‬جنوبها‭ (‬إيطاليا‭ ‬مثالا‭). ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬بمجد‭ ‬اختزال‭ ‬صعود‭ ‬المتطرفين‭ ‬والعنصريين‭ ‬في‭ ‬إشكاليات‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬أوروبية‭ ‬كبيرة‭ ‬كصعوبات‭ ‬اندماج‭ ‬ذوي‭ ‬الهوية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وتحديات‭ ‬دمج‭ ‬الولايات‭ ‬الشرقية‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬الموحدة‭ ‬ونشر‭ ‬ثقافة‭ ‬التسامح‭ ‬مع‭ ‬الأجانب‭ ‬واللاجئين‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬الشرق‭. ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬صعود‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬ظاهرة‭ ‬عامة‭ ‬ومرشحة‭ ‬للبقاء‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬الأوروبية‭ ‬لفترة‭ ‬ليست‭ ‬بالقصيرة‭ (‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬أسماء‭ ‬الكيانات‭ ‬الحزبية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تتبدل‭ ‬مستقبلا‭).‬

صار‭ ‬صعود‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬ظاهرة‭ ‬عامة‭ ‬ومرشحة‭ ‬للبقاء‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬الأوروبية

بنجاحات‭ ‬انتخابية‭ ‬متتالية‭ ‬وبنسب‭ ‬تصويتية‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬بالمئة‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬والسويد‭ ‬وغيرها‭ ‬وبنسب‭ ‬تصويتية‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬الفرنسية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬وبإخراج‭ ‬لبريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬استفتاء‭ ‬شعبي،‭ ‬بات‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬بامتداداته‭ ‬العنصرية‭ ‬والشعبوية‭ ‬إلى‭ ‬كتلة‭ ‬سياسية‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬وأغلب‭ ‬الظن‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬ستشهده‭ ‬البلدان‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة‭ ‬سيكثف،‭ ‬انتخابيا‭ ‬واحتجاجيا،‭ ‬حول‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬وقضايا‭ ‬الهجرة‭ ‬واللجوء‭ ‬التي‭ ‬يوظفها‭ ‬بينما‭ ‬سيتواصل‭ ‬تراجع‭ ‬الأهمية‭ ‬السياسية‭ ‬لقضايا‭ ‬كبرى‭ ‬كمستقبل‭ ‬نظم‭ ‬الرفاهة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتوزيع‭ ‬الثروة‭ ‬وحظوظ‭ ‬محدودي‭ ‬الدخل‭ ‬من‭ ‬خدمات‭ ‬التعليم‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬ورعاية‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬ودور‭ ‬الدولة‭ ‬ودور‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭.‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬استثنيا‭ ‬الضوضاء‭ ‬المحيطة‭ ‬بدونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬الملامح‭ ‬العامة‭ ‬للمشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬ملامح‭ ‬المشهد‭ ‬الأوروبي‭. ‬فصعود‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬بشعارات‭ ‬عنصرية‭ ‬وشعبوية‭ ‬وبخطاب‭ ‬كراهية‭ ‬ضد‭ ‬الأجانب‭ ‬ومواقف‭ ‬رافضة‭ ‬للهجرة‭ ‬واللجوء‭ ‬يقابله‭ ‬تلاقي‭ ‬إرادة‭ ‬القوى‭ ‬اليسارية‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬مواجهته‭ ‬وتنامي‭ ‬حظوظ‭ ‬اليسار‭ ‬التقدمي‭ ‬والشبابي‭ ‬في‭ ‬تصدر‭ ‬ساحات‭ ‬مقارعة‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ (‬نتائج‭ ‬مرشحي‭ ‬اليسار‭ ‬التقدمي‭ ‬والشبابي،‭ ‬خاصة‭ ‬النساء،‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬للكونغرس‭ ‬الأمريكي‭). ‬لذا،‭ ‬لا‭ ‬يجافي‭ ‬الصواب‭ ‬الدفع‭ ‬بتشابه‭ ‬موجه‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مع‭ ‬موجه‭ ‬الفاشية‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬الحواضر‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬عشرينيات‭ ‬وثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ورتبت‭ ‬صراعات‭ ‬سياسية‭ ‬حادة‭ ‬وحروبا‭ ‬أهلية‭ ‬دامية‭ ‬وحربا‭ ‬عالمية‭ ‬شهدت‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬من‭ ‬الفظائع‭. ‬ومثلما‭ ‬تصدر‭ ‬اليسار‭ ‬وتبعه‭ ‬اليمين‭ ‬المحافظ‭ ‬والليبراليين‭ ‬مواجهة‭ ‬الفاشية،‭ ‬من‭ ‬إسبانيا‭ ‬الجنرال‭ ‬فرانكو‭ ‬إلى‭ ‬ألمانيا‭ ‬الهنلرية،‭ ‬يعود‭ ‬اليسار‭ ‬بزي‭ ‬تقدمي‭ ‬وشبابي‭ ‬للاضطلاع‭ ‬بمهمة‭ ‬مواجهة‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬وحماية‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬فاشية‭ ‬جديدة‭ ‬وقودها‭ ‬رفض‭ ‬الأجانب‭ ‬واللاجئين‭.‬

ومثلما‭ ‬يواجه‭ ‬اليسار‭ ‬التقليدي‭ ‬والتقدمي‭ ‬متبوعا‭ ‬باليمين‭ ‬المحافظ‭ ‬والليبرالي‭ ‬أحزاب‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬سيتعين‭ ‬عليه‭ ‬أيضا‭ ‬فكريا‭ ‬وحركيا‭ ‬مواجهة‭ ‬الحكومات‭ ‬الشمولية‭ ‬والسلطوية‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬كروسيا‭ ‬والصين‭ ‬وفنزويلا‭ ‬وممالك‭ ‬وجمهوريات‭ ‬بلاد‭ ‬العرب‭ ‬موظفا‭ ‬مفردات‭ ‬خطابه‭ ‬الإنساني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المساواة‭ ‬والتسامح‭ ‬ومستغلا‭ ‬قربه‭ ‬من‭ ‬الفئات‭ ‬العمرية‭ ‬الشابة‭ ‬وثقافتها‭ ‬التي‭ ‬أضحت‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬عالمية‭ ‬صريحة‭ ‬في‭ ‬رفضها‭ ‬للظلم‭ ‬والتهميش‭. ‬أما‭ ‬المحافظون‭ ‬والليبراليون‭ ‬في‭ ‬مواطن‭ ‬الشمولية‭ ‬والسلطوية،‭ ‬فلن‭ ‬يقدموا‭ ‬لليسار‭  ‬غير‭ ‬بعض‭ ‬المفردات‭ ‬الإضافية‭ ‬عن‭ ‬ضرورات‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التقدم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وأهمية‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والحريات‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تفلح‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الاستبداد‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتحرك‭ ‬الناس‭ ‬بداية‭ ‬لإيقاف‭ ‬الظلم‭ ‬والتهميش‭.‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬مصر

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية