غارات الاحتلال الإسرائيلي لا تضعف صمود مخيم برج الشمالي للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان

عبد معروف
حجم الخط
0

يبعد مخيم برج الشمالي عن الخط الأزرق الدولي الفاصل بين جنوب لبنان وأراضي الجليل شمال فلسطين حوالي 15 كلم، والمخيم الواقع قرب مدينة صور أقرب المخيمات الفلسطينية إلى فلسطين.
تأسس المخيم بهدف توفير مساكن للاجئين من منطقة الحولة وطبرية في شمال فلسطين عام 1948. ويضم أيضا لاجئين فلسطينيين مهجرين من أجزاء أخرى من لبنان. وبدأت «الأونروا» بتقديم خدماتها في المخيم عام 1955.
وعانى المخيم بشكل كبير خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ولا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب إنجازه من أجل تحسين البنية التحتية. وقد تم إعادة بناء معظم المساكن باستعمال طوب أسمنتي، بالرغم من أن العديد منها لا تزال مؤقتة بأسقف من الزنك. ويتم تزويد المياه من خلال الآبار التي تديرها وكالة الأونروا. ومول الاتحاد الأوروبي شبكة تزويد المياه وشبكة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.
ومنذ العام 1948 وحتى يومنا، تعرض برج الشمالي للعدوان الإسرائيلي، وارتكب فيه الجيش الإسرائيلي المجازر والغارات الجوية كما تعرض للاحتلال خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
يُعتبر برج الشمالي من أفقر المخيمات الفلسطينية في لبنان، إذ يعمل ثلثا سكانه في الزراعة والبناء، بينما لم يتجاوز عدد الموظفين في قطاعات «الأونروا» 130 شخصاً، يعمل معظمهم في التعليم والصحة والتنظيفات ويتوزعون على مدارس «الأونروا» وعياداتها. وبلغت البطالة معدلات عالية جداً، فوصلت إلى نحو 60 في المئة، ويعود ذلك في قسم منه إلى القوانين اللبنانية التي تمنع اللاجئين من العمل في المهن الرئيسية، من الطب وصولاً إلى الهندسة. لكن كثيراً من العائلات تعتمد على التحويلات المالية من الأقارب في الخارج.
وبسبب المعاناة اليومية، والأحداث التي عصفت بلبنان بصورة عامة، وبالمخيمات الفلسطينية بصورة خاصة، شهد المخيم أكثر من موجة نزوح، وفيما عاد الجزء الأكبر من السكان إليه، فضّل عدد آخر البقاء في مناطق أُخرى من لبنان، هذا بالإضافة إلى عدد لا بأس به من الشبان والعائلات التي اختارت الهجرة، وتمكنت من الوصول إلى دول أوروبية حيث هاجر ما نسبته 3 في المئة من عدد المقيمين في المخيم حينها.
وبعد تفاقم المعاناة الإنسانية وحالات الفقر وارتفاع نسبة البطالة وموجات الهجرة، ضاعف العدوان الإسرائيلي المتواصل والمتصاعد على بلدات ومدن وقرى جنوب لبنان منذ الثامن من أكتوبر الماضي من معاناة أهالي المخيم، لكن ذلك لم يثن من عزيمتهم ولم يضعف إرادة الحياة والصمود والأمل بعودتهم إلى وطنهم وقراهم في الجليل الفلسطيني المحتل.
تسمع في أرجاء المخيم أصوات القذائف الصاروخية والغارات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف مناطق متفرقة في جنوب لبنان، وصلت إلى مشارف المخيم مثل بلدة البازورية والقليلة والقطاع الغربي من جنوب لبنان، وتسمع أصوات الصواريخ والقذائف التي يطلقها حزب الله وحلفاؤه في المقاومة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية في الجليل الأعلى وأصبع الجليل.

إلى أين نهاجر؟

الحياة داخل المخيم طبيعية، ولا معالم تثير الخوف والقلق رغم أزيز الطائرات، أهالي المخيم يتحدثون بجرأة يرفعون أصواتهم مؤكدين صمودهم وبقائهم «غادر آبائنا وأجدادنا من فلسطين عام 1948 ونزحنا وهجرنا من بيوتنا عشرات المرات بسبب الاعتداءات والحروب. إلى أين نهاجر؟ آن الأوان للبقاء والصمود ولن نترك إلا إلى وطننا فلسطين» هذا ما يقوله أهالي المخيم وهم يعيشون حالة حرب حقيقية بين المقاومة في لبنان والجيش الإسرائيلي.
ونحن نجالس الشيوخ والشباب والأطفال أمام منازلهم وفي المقاهي وعند زوايا الأزقة، كانت إرادة الحياة لامعة في عيونهم، يكرر الشاب ما يقوله الشيخ «كفانا هجرات، هذه المرة سنواجههم ولن نترك بيوتنا ولن نرحل إلا إلى فلسطين».
تحلق الطائرات الإسرائيلية على علو منخفض في أجواء المخيم، تقصف مناطق لبنانية هنا وهناك، استوقفتنا امرأة تجاوز عمرها سبعين عاما قالت وهي تنشر ملابس أحفادها على حبل غسيل أمام باب البيت: «نحن شعب لا نخاف وسنبقى هنا بانتظار العودة وإن لم نعد نحن سيعود أولادنا، حتما سيعودون».
وردا على سؤال «القدس العربي» قالت أم سهيل وهي من بلدة طبريا شمال فلسطين، «كنت أستاذة في مدارس الأونروا، عشنا عذابات اللجوء، والقهر والذل والحرمان، ولكن ألا يكفي لهذا العالم أن يكون عادلا، أليس من حقنا أن نعيش كبشر؟».
وتابعت: «لا نخاف وعلى ماذا وممن نخاف، تسمعون أصوات الطائرات والصواريخ، لكن لم يعد هذا يخيفنا، أهل المخيم لا يفكرون بالرحيل إلا إلى وطنهم وقراهم وبلداتهم».
وتؤكد اللجنة الشعبية في المخيم، أن عددا من العائلات اللبنانية نزحت إلى المخيم بعد تدمير منازلهم بسبب تصاعد العدوان الإسرائيلي على بلدات وقرى ومدن جنوب لبنان، وتشدد في تقاريرها على أن أهالي المخيم يرحبون بإخوانهم وأشقائهم اللبنانيين، خاصة أبناء الجنوب الذين احتضنوا وما زالوا يحتضنون الفلسطينيين، كما احتضنوا ودعموا الفدائيين الفلسطينيين خلال انتشارهم في جنوب لبنان قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
وردا على سؤال لـ«القدس العربي» كيف يعيش أهالي المخيم أجواء الحرب والعمليات العسكرية المتصاعدة في جنوب لبنان، أجاب أحد سكان المخيم، فريد الجمال: «مخيم برج الشمالي من المناطق الحدودية، ومن المخيمات القريبة من الخط الأزرق الحدودي الفاصل بين لبنان وفلسطين، وهذه المناطق هي اليوم مناطق حرب واشتباك، وأهالي المخيم يعيشون حالة حرب، لكن ليس أمامهم إلا إرادة الحياة والبقاء، وعدم سيطرة الخوف عليهم يساهم في رفع المعنويات».
وأضاف: «تعرضت مناطق مجاورة للقصف العنيف بالطائرات والمسيرات والصواريخ الإسرائيلية، نسمع أصوات كل ذلك بوضوح، تهتز بيوتنا البسيطة، يرتعش الأطفال من الصوت، تتصاعد التهديدات الإسرائيلية بالاجتياح، لكن أعتقد هذه المرة الأمور مختلفة».
كيف؟
«أعتقد أن القيادة الإسرائيلية وبسبب حالة الاستنزاف في قطاع غزة، تعلم أنها لا تمتلك القوة الكافية للاجتياح ومواجهة المقاومة في لبنان، ثانيا، كما القيادة الإسرائيلية تعرف حجم قوة سلاح المقاومين في لبنان وتحسب لهذا السلاح ألف حساب، كما ان إرادة الصمود والبقاء أفضل من أي وقت مضى، لذلك أعتقد أن هذه المرحلة لن تجرنا إلى النزوح والهجرة والفرار».
غادرنا المخيم والطائرات الإسرائيلية تحلق على علو منخفض في أجوائه، أصوات الصواريخ والقذائف تسمع بشكل واضح، لكن الأهالي لا يسيطر عليهم الخوف.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية