غزة مصدر الإلهام في الرجوع لسينما الحرب والمقاومة

تفرض المقاومة الباسلة في غزة استحضار النماذج التاريخية للحالات المُماثلة في هذا الصدد، التي عاشتها مصر على مدار عقود في حربها مع إسرائيل، حيث سجل التاريخ بطولات حاسمة للمقاومة الشعبية في بور سعيد والسويس والإسماعيلية والقنطرة خلال المعارك الدامية التي دارت داخل مدن قناة السويس في حرب 56 و67 و73.
فمنذ الصراع العربي الصهيوني لم تهدأ جذوة المقاومة في مصر فالمواجهات العنيفة التي استمرت فترات طويلة وسجلتها الأعمال السينمائية والدرامية، تولدت تفاصيلها من رحم الحقيقة والواقع، فهناك أعمال كُبرى سلطت الضوء على معارك بور سعيد والسويس كفيلم بور سعيد الذي أنتج بتكليف خاص من الرئيس جمال عبد الناصر للفنان فريد شوقي، وقام بكتابته وإخراجه المخرج الراحل عز الدين ذو الفقار في عام 1957، أي بعد العدوان الثلاثي بأقل من سبعة أشهر فقط، حيث تم البدء في تصوير الفيلم أثناء العدوان وبعد جلاء القوات المُعتدية في الأماكن الطبيعية للأحداث، لاسيما المشاهد الخارجية الميدانية، بعكس المشاهد الداخلية التي تم تصويرها في ستوديو مصر.
وقد تناول الفيلم أحداث المقاومة الشعبية وبطولاتها، وألمح إلى شبكة التجسس التي كانت موجودة آنذاك في بورسعيد، وتم رصدها واكتشافها والتعامل معها بالوسائل والأساليب التخابرية ذاتها. ولم يكن فيلم «بورسعيد» استثناءً في هذه الفترة، لكن جرت محاولات أخرى لعمل أفلام تحاكي الوقائع والظروف نفسها، وتعبر عن الحركة الفدائية القوية التي أحرزت انتصارات ساحقة كبدت العدو خسائر فادحة، فأسفرت المحاولات عن توثيق الأحداث الجسام في أفلام مهمة من بينها فيلم «في بيتنا رجل» للمخرج هنري بركات، بطولة عمر الشريف وحسين رياض وزبيدة ثروت وزهرة العُلا وحسن يوسف، كذلك تم إنتاج فيلم «لا وقت للحب» للمخرج صلاح أبو سيف عام 1963 الذي أسندت بطولته لفاتن حمامة ورشدي أباظة ورسام الكاريكاتير والشاعر الأشهر صلاح جاهين، وبشكل مُختلف تم التنويع على عمليات المقاومة والحركات الفدائية التي قامت بها بعض العناصر المصرية ضد الاحتلال الإنكليزي.
وتأتي أهمية أفلام المقاومة من كونها معنية بحفظ الذاكرة الوطنية الخاصة بالعمليات البطولية والاستشهادية التي بذل فيها الشباب المصري أغلى ما لديه، وهي نفسه وروحه، وللتأكيد على المُشاركة الوطنية والقومية سجلت السينما المصرية أيضاً بعض الصور من بطولات الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الكيان الصهيوني، فكان لها من التجارب القديمة والحديثة ما يُشير إلى وحدة الهم المصري ـ الفلسطيني، إذ قدم المخرج الكبير توفيق صالح فيلمه المهم «المخدوعون» حول القضية الفلسطينية وتبعات النكبة في عام 1948، فهو مأخوذ عن رواية الكاتب الكبير غسان كنفاني «رجال في الشمس» حيث تجمع الأحداث بين ثلاث شخصيات فلسطينية من أعمار مختلفة تحاول كل شخصية منهم الوصول للكويت للبحث عن فرصة عمل مناسبة، وفي أثناء الرحلة يتم التركيز على معاناة الأبطال الثلاثة كرمز لحالة المواطن الفلسطيني بشكل عام، وحال القضية ذاتها التي تتنقل مفاوضاتها بين العواصم العربية في محاولات يائسة للبحث عن حلول للخروج من الأزمة السياسية الكُبرى.
وفي تجربة لم يُعتن بها بالشكل الكافي قدم المخرج سيد سعيد فيلمه الوحيد «القُبطان» بطولة محمود عبد العزيز وأحمد توفيق وحسن مصطفى ولطفي لبيب ووفاء صادق، بادئاً أحداثه الدرامية من عام 48 عام النكبة، وهي الإشارة التي تأسس عليها موضوع الفيلم والإسقاطات السياسية التي أشارت بوضوح للقضية الفلسطينية وتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وظلاله الكئيبة على الأمة العربية والإسلامية قاطبة.
وفي تجارب حديثة نسبياً لم تتخل السينما المصرية عن همومها المصرية الفلسطينية المشتركة، فقد قدمت أفلاماً تحمل إدانات صريحة للعدو الإسرائيلي وتُحمل الأنظمة العربية مسؤولية ما يحدث في فلسطين من انتهاكات واغتصاب للحقوق كافة. وللتعبير عن ذلك قدم عادل إمام فيلمه الشهير «السفارة في العمارة» بشكل ساخر يتهكم فيه البطل على ما يُسمى بعملية السلام في ظل إصرار إسرائيل وتصميمها على القتل والدمار، وتجاهل الاتفاقات الدولية كافة التي تقضي بحق الفلسطينيين في الاستقلال، وإقامة دولة قوية مُستقلة عاصمتها القدس الشريف، وفي هذا الفيلم يلخص مشهد استشهاد الطفل إياد الكثير من المعاني المؤكدة للتضامن المصري مع الشعب الفلسطيني الشقيق. كما أشار فيلم «أصحاب ولا بزنس» للقضية الفلسطينية بشكل واضح وصريح ودون مواربة، كما أن فيلم «صعيدي في الجامعة الأمريكية» وفيلم «همام في أمستردام» كلاهما لم يغفل وضع القضية الفلسطينية في بؤرة الحدث الدرامي، رغم ما يبدو من فكاهة الأحداث وبساطتها، لكن مع هذه البساطة والأجواء الكوميدية لم يفقد الفيلمان بوصلتهما السياسية تجاه حرصهما على تأكيد مبدأ التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته التاريخية العادلة، وهي ثوابت أساسية ورئيسية لم تحد عنها السينما المصرية في أي من مراحلها.

كاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    تحية لحماس تحية للجهاد تحية للكتائب تحية للقسام وتحية للسرايا و تحية لجنين وتحية لبلاطة وتحية لأريحا وعقبة جبر وتحية لنابلس وتحية لحوارة و الله ناصر الفلسطينيين وهازم بني صهيون وعد رب العالمين وكان وعد الله مفعولا اقتربت نهاية دويلة السراب والخراب التي تجثم على أرض فلسطين منذ 1919 بدعم أمريكي وغربي حاقد ظالم سارق لأرض فلسطين 🇵🇸🤲

اشترك في قائمتنا البريدية