فرنسا تنخرط في الصف الأنكلوسكسوني بعرقلتها الاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية

حسين مجدوبي
حجم الخط
13

لندن ـ «القدس العربي»: تنوي عدد من الدول الأوروبية وعلى رأسها إسبانيا الاعتراف بفلسطين كدولة، غير أن فرنسا التي كانت دائما تبدي تعاطفا خاصا مع القضية الفلسطينية تتخذ مواقف غريبة عن دبلوماسيتها، وتحولت إلى أكبر معرقل أوروبي لهذا الاعتراف، وترى بعين القلق مبادرة مدريد. ويأتي الموقف الفرنسي نتيجة تقديرات متعددة تؤكد مدى فقدان باريس لاستقلاليتها في الخريطة السياسية الدولية.

إسبانيا تبادر وفرنسا تعرقل

ويوجد تنسيق بين عدد من الدول الأوروبية للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وتتزعم إسبانيا هذه المبادرة السياسية رغم الموقف السلبي لكل من فرنسا وألمانيا والمفوضية الأوروبية. وإضافة إلى إسبانيا، توجد إيرلندا والنرويج ومالطا وسلوفينيا التي ستعترف بالدولة الفلسطينية. وسبقت دول أوروبية إلى الاعتراف مثل بولندا وبلغاريا ورومانيا وقبرص وجمهورية التشيك، وكانت آخر دولة أوروبية تعترف بفلسطين هي السويد سنة 2014. ويرى رئيس الحكومة الإسبانية أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يتماشى والواقع الدولي الذي يدافع عن حل الدولتين من جهة، وسيعزز الأمن الأوروبي بالقضاء على مصدر رئيسي للنزاع الدولي من جهة أخرى. وقد يحدث الاعتراف الأوروبي بزعامة إسبانيا مباشرة بعد الانتخابات الأوروبية خلال شهر حزيران/يونيو المقبل.
واعتادت فرنسا زعامة المبادرات السياسية في الاتحاد الأوروبي لاسيما تلك التي تعزز التفاهم مع دول البحر الأبيض المتوسط، ولعبت دورا رئيسيا في الحوار الفلسطيني-الإسرائيلي بل والعربي-الإسرائيلي في مؤسسات مثل الاتحاد المتوسطي. ومع انفجار عملية طوفان الأقصى وما تحدثه من تغييرات كبيرة في الوضع في الشرق الأوسط، يطالب ما يسمى «المجتمع الدبلوماسي الفرنسي» أي الموظفين الحاليين والسابقين والخبراء، وفق جريدة «لوموند» 16 شباط/فبراير الماضي، بضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وأمام هذا الضغط، يكتفي ماكرون بالقول إن «الاعتراف الأحادي لفرنسا ليس طابو بل قد تقدم عليه». غير أن قرارات الرئيس ماكرون كلها في اتجاه معاكس لاسيما بعدما طرح تلك الفكرة الغريبة وهو إرسال قوات دولية لمحاربة حركة حماس.

لماذا لا تعترف
باريس بفلسطين؟

وتوجد عدد من العوامل المختلفة التي تؤكد تماطل إدارة ماكرون الحالية الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة بل أصبحت هذه الإدارة معرقلة لأي مبادرة سياسية أوروبية تريد الاعتراف الجماعي بالدولة الفلسطينية. ومن أبرز هذه العوامل نجد:
في البدء، فقدت باريس استقلاليتها في عهد الرئيس ماكرون، وأصبحت مرتبطة بقرارات واشنطن لاسيما بعد انفجار الحرب الروسية-الأوكرانية. ويوجد تصور يهيمن وسط قصر الإليزيه بضرورة عدم تكرار سياسة الرئيس الأسبق جاك شيراك عندما رفض سنة 2003 الانخراط في الحرب الأمريكية-البريطانية ضد العراق ما خلق توتر كبيرا بين واشنطن وباريس. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واضحا في تصريح صحافي له يوم 22 كانون الأول/ديسمبر من سنة 2017 أن فرنسا لن تقدم على مبادرة سياسية تجاه فلسطين ولن تعترف بفلسطين في الوقت الراهن. ومرت سبع سنوات، وما زال ماكرون محتفظا بموقف بعدم الاعتراف بفلسطين بل يماطل، ولم تتأثر بجريمة الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون.
من جهة أخرى، لا يوجد ضغط عربي من طرف الأنظمة العربية الصديقة لفرنسا، إذ أن بعض هذه الأنظمة جعلت القضية الفلسطينية هامشية في أجندتها. وتلتقي باريس ولندن وواشنطن في هذه الحرب مع بعض الأنظمة العربية في نقطة رئيسية وهي: ضرورة هزيمة حركة حماس بشكل مطلق تجنبا من أن تعيد مقاومتها وانتصارها المعنوي صعود الإسلام السياسي وموجة جديدة من الربيع العربي لا أحد سيعرف بنتائجها في ظل خريطة جيوسياسية تتغير بسبب صعود قوى جديدة مثل البريكس. في عامل آخر، تتجنب فرنسا اتخاذ خطوة مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية في غياب تنسيق مع ألمانيا، بينما هذه الأخيرة قد تحولت خلال الحرب على قطاع غزة إلى الدولة الثانية الأكثر تزويدا لإسرائيل بالأسلحة بعد الولايات المتحدة. وأصبحت ألمانيا الناطق باسم مصالح إسرائيل وسط الاتحاد الأوروبي، ما دفع بدولة مثل نيكاراغوا إلى رفع دعوى ضدها في محكمة العدل الدولية بتهم دعم جرائم الحرب في فلسطين.

فرنسا تصبح أنكلوسكسونية

في غضون ذلك، لم تكتف إدارة ماكرون بتجنب دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية بل خلقت أجواء تبدو وكأنها تعادي القضية الفلسطينية. ومن مظاهر هذه السياسة المثيرة للجدل، محاولة منع التظاهرات المؤيدة لفلسطين، بل ومحاولة متابعة منظمي التظاهرات بتهم الإرهاب كما حدث يوم 9 اذار/مارس الماضي مع رئيس لجنة دعم فلسطين في مدينة بواتيي. سمحت إدارة ماكرون لوسائل الإعلام العمومية بإبداء دعم لا مشروط لإسرائيل مقابل تبرئة قتل الفلسطينيين باسم مواجهة «إرهاب حماس» مما يتناقض مع تاريخ ومواقف الإعلام الفرنسي طيلة العقود الماضية الذي كان يعكس وجهة نظر الفلسطينيين، ومعارضة وقف إطلاق النار في قطاع غزة خلال الأربعة أشهر الماضية سواء وسط الاتحاد الأوروبي أو مجلس الأمن الدولي. علاوة على هذا اختصار ماكرون النزاع في تحميل حركة حماس مسؤولية الحرب وتبرئة إسرائيل وكأن كل شيء بدأ مع طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر. ويتبنى ماكرون هذه المواقف ضد تيار واسع وسط الدبلوماسية والاستخبارات، وهو التيار الذي واجهه عندما نادى بائتلاف دولي لمواجهة حماس خلال زيارته إلى الكيان بعد 7 أكتوبر الماضي.
وهكذا، بعدما فقدت باريس نفوذها في القارة الأفريقية نتيجة نهاية سياسة ما يعرف بنهاية «فرنسا الأفريقية» وبدأت الدول الأفريقية تطردها، ها هي الآن تنهي ما تميزت به من إرث ديغول وشيراك «السياسة العربية لفرنسا». وفي المقابل، تنخرط في المحور الأنكلوسكسوني متبنية مواقف لندن وواشنطن.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول بوفتاح:

    فرنسا تعتمد على سرقة و نهب ثروات الشعوب الاخرى .لذلك يجري حاليا طردها من أفريقيا .علما ان الرجال الافارفة هم الذين حرروا باريس من الاحتلال النازي و لكن فرنسا تنكرت للمعروف و غدرت بهم .

  2. يقول عبد الرحمن:

    يجب ان يتذكر الجميع ان ماكرون هو ربيب مؤسسة روتشيلد الصهيونية والممول الرئيسي لاستعمار فلسطين من قبل العصابات حيث كان موظف في المؤسسة قبل ان يصبح رئيس، وعليه قام ولا يزال مناهض لكل ما هو عربي او مسلم.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية