فريدا كاهلو… فنانة معذبة في لوْحاتها

يكاد يجمع نقاد الفن التشكيلي على حقيقة أن الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو هي أيقونة عالم الفن المعاصر. ذلك أنها «رسمت مجموعة من اللوحات غير المسبوقة في تاريخ الفن، إنها لوحات تمجد الأنوثة والحقيقة والواقع والقسوة والألم. لم يحدث من قبل أن وضعت فنانة على قماش لوحتها شعْرًا معذبا كما فعلت هي». وما يؤكد هذه الشهادة التي أدلى بها زوجها الفنان الجداري دييغو ريفيرا هو قولها هي ذاتها في إحدى رسائلها: «لقد ظنوا أنني سيريالية، لكنني لم أكن كذلك. لم أرسم أبدًا الأحلام والكوابيس، وإنما رسمت حياتي كما عشتها»، وتمحورت موضوعات لوحاتها على معاناتها الشخصية، حيث نلفيها حاضرة في كل واحدة منها، وتبرر ذلك بقولها: «أرسم نفسي لأنني كثيرًا ما أكون وحدي ولأنني الموضوع الذي أعرفه بشكل أفضل».
وقد أنتجت فريدا طيلة حياتها 143 لوحة ذات كثافة عاطفية كبيرة، ما يدل على معاناتها الجسدية والنفسية. غير أن حياتها تلك لم تكن تزيد عن أحلامٍ مهدورةٍ وكوابيس مزعجة، على حد ما جاء في كتاب «نساء في المرآة: قصة الأوتوبرتريه الأنثوي» (1998) لمؤرخة الفن البريطانية فرانسيس بورتزيلو.
آلام الجسد
ولدت ماجدلينا كارمن فريدا كاهلو يوم 6 يوليو/تموز 1907 في مكسيكو سيتي. أغرمت منذ طفولتها بالرسم تأثرًا بأبيها الفنان الفوتوغرافي ذي الأصل الألماني فيلهلم كاهلو. أولى مآسي هذه الفنانة كانت وهي ابنة أحد عشر شهرًا، حيث اضطر والداها، بعد إنجاب أختها كريستينا، إلى أن يعهدا بها إلى امرأة من السكان الأصليين لتكمل إرضاعها والعناية بها، وهو أمر ظل يؤرقها، وظهر في بعض أعمالها الفنية (لوحة «مرْضعتي وأنا»). وفي السادسة من عمرها أصيبت بالشلل، فضمرت ساقها اليمنى، وأجبرت على إسنادها بمشد حتى تقدر على الوقوف بشكل مستقيم، وقد صارت تخفي ذاك التشوه بارتدائها الفساتين الطويلة على حد قولها: «أحتاج إلى هذه الفساتين الواسعة والطويلة، بعد أن أصبحت ساقي المريضة قبيحة للغاية». كما سبب لها المرض تلفًا في رحمها، وهو ما سيمنعها في ما بعد من الإنجاب. يضاف إلى ذلك تعرضها وهي في الثامنة عشرة من عمرها إلى حادث أليم تمثل في اصطدام الحافلة التي تقلها إلى المدرسة الثانوية بقطار (لوحة «محطة القطار»)، وقد سبب لها هذا الحادث كسورًا كثيرةً في الحوض والأضلاع والساقين وعظمة الترقوة، إضافة إلى ارتجاج ثلاث فقرات من عمودها الفقري (لوحة «العمود المكسور»)، ما أجبرها على الخضوع لأكثر من 40 عملية جراحية، والانقطاع عن الدراسة وملازمة السرير لفترة طويلة. ولا شك في أن جسدًا تعرض لكل هذه الخضات العنيفة، سيمنعها من تحقيق رغبتها في الإنجاب، وصورة ذلك أنها حبلتْ بعد زواجها مرتيْن، وفي كل مرة كانت تضطر إلى إجهاض جنينها تحت ضغط أطبائها الذين قدروا أن ضعْف جسدها ووهنه قد يتسببان لها في الموت عند الوضْع (لوحة «مستشفى هنري فورد»). وقد رسمت فريدا كاهلو هذه المحنة في لوحات عديدة، على غرار لوحة «بورتريه ذاتي مع قرد صغير»، وفيها تعوض عن غياب الأطفال الذين حرمت من إنجابهم بحيوانات مثل القردة والببغاوات والكلاب والعناكب. وهي لوحات تظهر فيها روح فريدا المعذبة، التي ترغب في أن يعترف بها الآخرون بوصفها امرأة كاملة ذكية وفنانة.

أما علاقة فريدا بتروتسكي فصورتها أن ليون تروتسكي، القائد السابق للجيش الأحمر، ظل يعيش منذ عام 1929 من منفى إلى منفى مع زوجته ناتاليا سيدوفا بعد أن نفاه ستالين، بسبب انتقاد تروتسكي لتوجهه السلطوي الشمولي.

آلام العاطفة
عاشت الفنانة فريدا كاهلو حبيْن: واحدًا ظاهرًا مع دييغو ريفيرا، وآخر خفيا مع تروتسكي. وكلا الحبيْن انتهيا بها إلى حيز التألم والانهيار النفسي. بدأت حكاية فريدا كاهلو العشقية الأولى عندما قابلت، وهي بنت خمس عشرة سنة، الفنان التشكيلي المكسيكي دييغو ريفيرا (1886-1957) وكان وقتئذ مشهورًا بجدارياته الكبرى، وأيديولوجيته الماركسية، حيث ابتكر فنًا أصليًا وعالميًا يمزج التأثيرات الحداثية مع التراث الثقافي المكسيكي، وقد عاد في ذلك الوقت من أوروبا إلى المكسيك بعد قيام الثورة المكسيكية، وخلّد جماهير تلك الثورة في جدارية كبرى شهيرة رسمها في القصر الوطني في مكسيكو سيتي. وكانت فريدا كاهلو معجبة بأعماله، وتطمئن إلى رأيه في لوحاتها الأولى، ثم تطورت علاقتهما لتصير حبا انتهى بالزواج وعمرها اثنتان وعشرون سنة والإقامة في بيت والدها المسمى «البيت الأزرق». وهو زواج عارضته عائلتها وقيل عنه «كيف لفتاة رقيقة أن تتزوج دبا سمينًا» في إشارة إلى ضخامة جسد زوجها دييغو ريفيرا، ونجد صدى لهذا القول في لوحتها «فريدا ودييغو». وبعد خمس سنوات من عمر هذا الزواج تفطنت فريدا إلى أن زوجها يخونها مع نساء أخريات، ومنهن أختها الصغرى كريستينا كاهلو. وهو الأمر الذي نغص عليها حياتها، وأرهقها نفسيا، وتسبب في ظهور مجافاة بينها وبين زوجها انتهى بهما إلى الطلاق، ومغادرة دييغو لها وإقامته في أمريكا، ثم التحاقها هي به إلى هناك وإعلانهما الزواج من جديد زواجا ظاهريا بلا عاطفةٍ، ومليء بالخيانات من كلا الطرفيْن، وقد سجلت فريدا هذه المحنة في لوحة «قضمات صغيرة».
أما علاقة فريدا بتروتسكي فصورتها أن ليون تروتسكي، القائد السابق للجيش الأحمر، ظل يعيش منذ عام 1929 من منفى إلى منفى مع زوجته ناتاليا سيدوفا بعد أن نفاه ستالين، بسبب انتقاد تروتسكي لتوجهه السلطوي الشمولي. وبعد أن طرد من المجر بتأثير من ستالين، توسط له دييغو ريفيرا لدى سلطات المكسيك فمنحته حق اللجوء السياسي لديها سنة 1937. فأقام في بيت دييغو وفريدا لفترة زمنية، وهناك نشأت صداقة عاطفية مذهلة بين الفنانة المكسيكية الشابة، والثوري الروسي القديم. ولأن تروتسكي لم يكن يجيد اللغة الإسبانية فقد تكفلت فريدا بأن تعمل مرشدة له، ومترجمة في المكسيك. ومن ثمة نشأ بينهما حب جارف، حاولا إخفاءه، ولكن لقاءاتها الخاصة كشفت عنه، ودفعت دييغو ريفيرا إلى اتهام زوجته فريدا بالخيانة وطرد تروتسكي من البيت. وتواصلت علاقة العاشقيْن بعض الأشهر، عبّرت عنها لوحتان لفريدا الأولى بعنوان «تروتسكي في المكسيك»، وحملت الثانية عنوان «بين الستائر» وهي أوتوبرتريه تظهر فيه الفنانة حاملة لرسالة كتب فيها «إلى ليون تروتسكي، مع مودتي، أهدي هذه اللوحة، في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1937؛ فريدا كاهلو، سان أنجيل، المكسيك». غير أنه لم يكن لهذا الحب أن يستمر، حيث كلف ستالين عميله رامون ميركادر باغتيال تروتسكي، وتم ذلك في مايو/أيار 1940، ما حدا بشرطة المكسيك إلى القبض على فريدا كاهلو واستجوابها بعنف طيلة أسابيع. وقد نتج عن هذه الحادثة أنْ عاشت تدهورا نفسيا وجسديا ظلا يعذبانها إلى تاريخ وفاتها عام 1954.

٭ كاتب تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إشترك في قائمتنا البريدية