فلسطين في نبض الثقافة المغربية

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: جولة بسيطة في مواقع التواصل الاجتماعي، تسمح بقراءة سريعة لمجرى التيار العام، قبل غزة، كان الأمر يتطلب بعض الجهد لمعرفة أين يصب نهر «فيسبوك» أو»إنستغرام» أو غيرهما من المنصات، لكن اليوم الصورة واضحة وجلية، صورة مؤلمة بغصة كبيرة تحسها في تدوينات عدد من المثقفين المغاربة، ومنهم من توقف عن نشر أي شيء واكتفى فقط بفلسطين، مثل الشاعر والإعلامي محمد بلمو، الذي عاش مخاضا عسيرا لينجب لنا قصيدة «عارضة أشلاء أحمر شفاهها دمي» كما نجد أمثال الناقد والمبدع المسرحي نجيب طلال، المعروفين بصراحتهم وجرأتهم، وهم يتحاشون الخوض في التفاصيل، لأن حجم الوجع أكبر من أن يصبح مجرد صور وتدوينات وكلمات عابرة هنا أو هناك.
بالنسبة للشاعر والإعلامي محمد بلمو، فهو لا يفكر في كل تلك التفاصيل، بل يعبر عن نبضه وأحاسيسه ولا ينتظر تقييما لما يكتب، ويؤكد أنه «ليس نبض الانتماء فقط» لأننا «تابعنا ردود فعل قوية لأناس بعيدين ولا يربطهم بالقضية إلا المشترك الإنساني».
ويبرز المتحدث، في تصريحات لـ«القدس العربي» أن ما يكتبه على فيسبوك أو شعرا في منابر مختلفة، هو ربما تعويض عن «العجز عن فعل أي شيء آخر ضد هذه الوحشية التي لم يسبق لها مثيل، والمرارة التي ضاعفها نوع من الحصار المضروب على كل المنشورات التي تصرخ في وجه هذه الحضارة التي أصبحت عارية من أكاذيب التعايش والحقوق والرقي، وكشفت عن وجه تواطئها مع احتلال تجاوز كل ما اقترفته النازية والاستعمار الأبارتايد من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.» تتدافع الكلمات على لسان بلمو، وهو يحاول قول كل شيء بأسرع ما يمكن، فالوقت يداهم الجميع خاصة هناك في فلسطين، المدافع لا تنتظر والصواريخ تتساقط، و»ما وقع من مجازر وقتل للأطفال والنساء وتدمير للمستشفيات والمدارس والبيوت، أكد لي حقيقة واحدة وهي أن هذا الكيان الغاشم لا قيم له ولا أخلاق ولا تعهدات ولا إنسانية، إنه كيان شاذ يتنفس القتل والعجرفة والكذب، ولا يأبه لا بقوانين ولا بشرائع، وبالتالي فلا ثقة فيه ولا ثقة في ما يدعيه أو يوقع عليه من اتفاقيات ومعاهدات.» وتابع الشاعر والإعلامي المغربي قائلا، «إن دولة الاحتلال الصهيوني لا تتردد في الجهر برغبتها ليس فقط في إبادة الشعب الفلسطيني، بل إبادة كل الشعوب، إنها تشكل خطرا حقيقيا على شعوب العالم بأسره، وهذا ما يجب على قادة العالم أن يستوعبوه، خصوصا المتورطين بدعمهم لجرائم الكيان الغاصب، لكن دروس التاريخ وصمود وتضحيات الشعب الفلسطيني وتضامن شعوب العالم كفيلة بإحباط كل هذه المخططات الإجرامية التي يخطط لها».

محمد بلمو – نجيب طلال

نبض المغاربة نحو فلسطين لا مزايدة عليه، ومسيرات التضامن الحاشدة تنتشر صورها عند نهاية كل أسبوع، لذلك فقد «كان الشعب المغربي عبر التاريخ مع فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني، ولن تستطيع الحرب الإعلامية لأذرع الصهيونية أن تشوش على هذا التضامن غير المشروط للمغاربة مع القضية الفلسطينية». الشاعر بالشاعر يذكر، ولا يمكن تجاوز الراحل محمود درويش عندما نتحدث عن القضية الفلسطينية، وعن الشعر أيضا، وهنا يقول بلمو، إن درويش «بحكم تجربته الطويلة مع الاحتلال وحدسه الاستشرافي وقوته الإبداعية تنبأ بما نعيشه الآن، لذلك ليس غريبا أن يتم تناقل وتقاسم عدد من قصائده وأقواله خلال هذه الحرب عبر وسائل التواصل الاجتماعي» لذلك فدرويش «لا يحتاج ليقول شيئا بعد الذي قاله».
وفي سياق الشعر دائما، وعن قصيدة «عارضة أشلاء أحمر شفاهها دمي» قال بلمو، إنها جاءت وهو يتابع «مجازر الاحتلال وجرائمه التي لا يتصورها العقل الإنساني، كنت أعيش مرارة أخرى هي مرارة عجز اللغة عن استيعاب هذه الفظاعات، لذلك كنت أكتب وأمحو، وأكتب وأمزق إلى أن بدا لي الكيان الغاصب مثل عارضة تتباهى بعرض أشلاء الأطفال أمام العالم، وهي تضع دم أصابعهم المبتورة على شفاهها متوهمة أنها ستبدو جميلة».
ويختتم حديثه بالقول «يا لها من فضيحة مروعة للإنسانية جمعاء».
غير بعيد عن قبيلة الشعراء، نستمع لصوت نقدي مسرحي جريء يقول ما يفكر فيه، نجيب طلال الذي يؤكد أن القضية الفلسطينية، أساسا هي قضية راسخة في الذاكرة الجمعية، وفي الذاكرة الكونية، لكن بالنسبة – للمغرب والمغاربة ـ فالوضع يختلف، بحكم أن فلسطين والقضية متجذرة في ذاكرة ووجدان وروح المغاربة، ودون مزايدات. ويوضح طلال لـ«القدس العربي» أن «القضية الفلسطينية بالنسبة للمغاربة، قبل كل شيء، هي قضية وطنية إلى جانب قضية الصحراء المغربية، ارتباطا بالعمق الجوهري للعلاقة الضاربة جذورها في عمق التاريخ بين المغرب وفلسطين، ناهيك عن المشترك التراثي والديني والحضاري، وهذه الثنائية تفرض إجرائيا، استحالة وعـدم تغييـر، أو تخلي المغرب رسميا وشعبيا عن مواقفه الثابتة عاطفيا وسياسيا واستراتيجيا تجاه القضية الفلسطينية». ويواصل قراءة التضامن والدعم المغربيين للشعب الفلسطيني، مبرزا أنه «تبين عبر كل المحطات، ويكفي أن نشير لمثال واضح، وجود مقر في بلادنا لوكالة بيت مال القدس الشريف، وهذا في حد ذاته يعتبر الذراع الميداني للجنة القدس، التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي». ويضيف طلال، مستعرضا «الإنزال والاحتشاد الجماهيري والشعبي تضامنا مع غزة/ فلسطين، وكل الجموع حاملة الرايات الفلسطينية، والكوفيات كرمز للمقاومة، وحناجرها تردد المطالبة الملحة، بغلق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، وقد تم هذا المطلب، بشكل فوري، دليل على قوة التضامن الذي تم في عدة مدن مغربية، وفي الرباط الذي يعد أضخم احتجاج مناهض لإسرائيل وغطرستها. وتبين في معمعان الحرب، أن (إسرائيل) أضحت منزعجة من تضامن المغاربة مع فلسطين.. وهنالك تصريحات في الموضوع كوثائق ستؤرشف في سجل التاريخ السياسي».
وبلغة الناقد، وضع نجيب طلال كلمة «لكن» ليقول إن «ما يعاب، ودون رتوش، حضور السياسي والشعبي والرياضي تجاه القضية الفلسطينية. وغياب المجال الفني والإبداعي تجاه الأحداث الأخيرة، التي حقا هي أحداث مروعة من حيث القتل والمجازر، التي طالت البشر والصحافيين وموظفي الأمم المتحدة وغيرهم، ومن تدمير المنشآت والمستشفيات ومحاولة تهجير الأطفال والنساء والشيوخ، لكن كان الفنان نعمان لحلو وجها مشرقا بحق في سياق المشهد الفني، بأغنيته (غزة وشهود الزور) ففي تقديري قبل أن تكون أغنية تضامنية، هي بمثابة صرخة ضد الوحشية وهمجية الإسرائيليين، وفي الإطار نفسه هي بمثابة رسالة أمل للشعب الفلسطيني، أثرت هذه النقطة». ويشدد طلال على أن «الأجيال الحالية، عليها ألا تستهين بالقضية الفلسطينية، وكل القضايا الإنسانية، فالإبداع بكل أشكاله وأطيافه، حضوره في الساحة والمشهد، يعتبر قوة إضافية وجناحا عتيدا للسياسي والشعبي أمام ما يقع في الضفة والقدس، باعتبار أن الفن والإبداع هو منبع الوجدان والروح ضاربة وضاغطة في القضية الفلسطينية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية