فيلم «القيامة»: الواقع والخيال والمرض النفسي الصامت!

ننبهر دراميا بالقصص التي لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع، أو بالأحرى تلك التي تجعلنا نشعر بالدهشة الكبرى من ردات فعل النفس التي تهتز بقوة تحت الشعور بالذنب أو بالرضى. ما يجعلنا أن نُصاب بالرعب الشديد أو الخوف، وأحيانا يجعلنا نسلط عدسة الاستكشاف على جوهر الصدمة الذي أدى إلى وقوع الحدث المأساوي مع بطلة فيلم «القيامة» (Resurrection) التي أكل زوجها رضيعها، ليحميه من شرور الدنيا كما يعتقد، تماما كما فعلت الأم المصرية من قرية «أبو شلبي» التابعة لمركز فاقوس في محافظة الشرقية، التي أثارت الاستنكار الشديد لفعلها غير الطبيعي كأم شكلت صدمة للجميع. إذ لا يمكن أن نتوقع قوة الطبيعة البشرية ونتائج السلوك المشوه للواقع الإنساني في فيلم» القيامة» لو لم يحدث ذلك واقعيا، وفي دولة عربية كمصر في جريمة الأم التي تأكل ابنها، ليبقى في بطنها، ولا يأخذه والده منها، وهي مصابة بهوس الحماية الشديدة لولدها. فأحداث الجريمة شبيهة جدا بسيناريو فيلم «القيامة» الذي تقشعر له الأبدان. لنشعر بأن فيلم «القيامة» لأندرو سيمانز يُحاكي النفس البشرية القابعة تحت وطأة السلوك غير الواقعي، والصادم اضطرابيا والكارثي شذوذيا، فالممثلة ربيبكا هول لعبت دور «مارجريت» الطبيبة النفسية التي تحاول في ما بعد حماية ابنتها بعد أن خسرت ابنها الرضيع تحت وطأة التعذيب والإدمان على السادية. إذ تتحول الى الإجرام غير المتوقع عندما يعود الماضي لها في شكل رجل أنجبت منه طفلها الأول الذي أكله زوجها ببرودة أعصاب شديدة متحدياً قوة الطبيعة البشرية، وفطرة حماية الأبناء من شرور النفس التي تتخبط في مستنقعات الاضطرابات النفسية والالتواءات السادية التي تُدخل الإنسان في نفق مظلم لا يمكن الخروج منه، ما لم يُصب الإنسان بالشرور التي يصعب التخلص منها، لأن لكل شىء في الحياة ردود أفعال ترتبط بالمخزون النفسي، وما استقر فيه من عيوب ومن صدمات لا يمكن مداواتها حتى بالطب النفسي، أو بالطب البديل، وما إلى ذلك من مصطلحات علاجية تقبع تحت قدرة الإنسان على الشفاء من الأمراض النفسية الصامتة، كتلك الأم المصرية تماما. فهل فهم قصص الحياة والأحداث النادرة التي تقع وتقلب الموازين الإنسانية تجعلنا نعيد النظر بالأمراض النفسية الصامتة التي لا يمكن تصديقها؟ ومن كان ليُصدق أن قصة فيلم «القيامة» تتشابه مع جريمة الأم المصرية التي أكلت ابنها وأرادت له أن يبقى في بطنها؟

جريمة أكل الأم لطفلها وقعت الشهر الماضي من عام 2023 وفيلم «القيامة» تم عرضه عام 2022 لمريض نفسي اسمه ديفيد وهو الممثل تيم روث المدمن على الإيذاء النفسي والعقلي، والمعتدي على طفله الذي قتله وأكله بدم بارد، وبشكل فظيع إنسانياً، مستخدما أساليب التلاعب العاطفي على الأم التي أدمنت في مرحلة ما السادية أو نرجسيته في العلاقة العاطفية المريضة، والموسومة بالهوس النفسي المرعب، قبل أن تهرب وتعالج نفسها من فكرة طفلها الذي يبكي في بطن حبيبها السابق. لتبتعد عن ديفيد وتنشط في العلاج النفسي الذي لم يساعدها في تجنب أخطار الإنسان النرجسي والسادي من أذيتها. لدرجة أنه استطاع تحويلها إلى فعل سلوكي لا يمكن توقعه نهائيا، أو للجنون والدخول في معركة دامية حولتها إلى مهووسة بحثت عن طفلها في أمعائه، ضمن تعقيد شديد يصيب المتتبع له بالاستغراب والصدمة، تماما كما هي الحال في قصة الأم المصرية التي أكلت ابنها. فهل يمكن للدراما أن تجعلنا نفهم بعض الأمراض النفسية الصامتة، التي قد تحدث ولا يمكن اكتشافها في الواقع؟ أم أن حبكة الفيلم حقيقية وقد تمت معالجتها دراميا لتحاكي الواقع الذي لا يمكن تصديقه؟ وهل الوسواس القهري قد يؤدي إلى وقوع جرائم لا يمكن تخيلها؟ وهل تدعم مثل هذه الأفلام الثقة بالذات والابتعاد عن المرضى النفسيين الذين قد يتسببون بالأذى النفسي والجسدي للآخرين؟ وهل من منظور نسوي في فيلم عكست أحداثة قصة الأم المصرية الحقيقية في عصر ساد فيه الانفتاح التكنولوجي؟

كاتبة لبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول بلي محمد من المملكة المغربية:

    بعض الكلمات أولا محبة في هد ا الفن المتميز لكن ادا سمحتم وكدالك الكاتبة السينمائية المحترمة شكرا لكم ولها كدالك بين قوسين أشذ بحرارة على يد السينما التي أذنت للمرأة لكن المتميزة عن اخو اتها من أصيبت بسهام من كنانتها لتقول كلمتها في كل صورها سواء كانت مضحكة أو حزينة أو ناجمة عن قضية أو حدث وغير ما مرة قلنا بالحرف الواحد لايمكن لسينما الاستغناء عن الخيال حتى في الصور الواقعية و هد ا من ذكاءها لتجعل المشاهد العاشق يمشي وراء الصورة وهدفه معرفة السبب حتى ولو كانت الصورة في حلقات لا في حلقة واحدة الكلمة لم تنتهي فاشكرا للكاتبة التي قالت كلمتها

  2. يقول visam Mansur:

    في الاساطير اليونانيه وبالاخص على لسان يوريبيدس مديا قتلت اطفالها وقدمتهم ل جاسن الذي اكل اطفاله دون علمه. ان موتيف اكل الابناء لاسباب شتى موجود في الخيال والواقع البشري منذ القدم وله في الاعمال الادبيه رمزيته الخاصه

اشترك في قائمتنا البريدية