فيلم بيكيت: الصراع بين الدولة والكنيسة والعلمانية

كان فيلم بيكيت Becket الذي مثله أشهر ممثلي بريطانيا آنذاك ريتشارد برتن وبيتر أوتول أشهر فيلم أنتجته بريطانيا عام 1964 وأحد أشهر أفلامها على الإطلاق، فقد تناول مرحلة حرجة من تاريخ بريطانيا وكانت مثالا للتطور السياسي، الذي طرأ على جميع الدول الأوروبية تمثل في الصراع بين الدولة والكنيسة حتى ظهور مفهوم العلمانية الذي يدور حوله حاليا نقاش حاد.

أحداث الفيلم

تدور أحداث الفيلم في القرن الثاني عشر حيث تولى عرش إنكلترا الملك النورماندي هنري الثاني (احتل النورمان إنكلترا عام 1066) وكان مستشاره وصديقه المقرب توماس بيكيت من أصول أنكلوسكسونية، أي أنه كان من سكان إنكلترا الأصليين. وكان الاثنان يقومان برحلات صيد مشتركة. وفي إحدى هذه الرحلات يشاهد الملك كوخا لعائلة أنكلوسكسونية ويدخله، وإذا به يكتشف وجود فتاة جميلة فيه، فيقرر أخذها عنوة واغتصابها، على الرغم من معارضة عائلتها إلا أن بيكيت يقنعه بأن يهبها له، ويقبل الملك مقابل وعد بيكيت أن يعطي الملك شيئا مقابل ذلك. ويأخذ بيكيت الفتاة إلى القصر الملكي، لكنه لا يلمسها، بل يأمر الجنود بإعادتها إلى كوخ عائلتها سالمة. لكن بيكيت فوجئ بما أراده الملك مقابل الفتاة، ألا وهو خطيبته التي تنتحر قبل أن يلمسها الملك. وتستمر العلاقة بين الاثنين حتى يعين الملك مستشاره الأقرب وزيرا للمالية، وهي وظيفة يؤديها بيكيت بإخلاص حتى إنه يطالب الكنيسة الكاثوليكية بالضرائب، على الرغم من معارضة كبير أساقفتها. ويغزو الملك هنري الثاني فرنسا لتوسعة ما كان يسيطر عليه أصلا من أراضيها، ويقنع بيكيت القادة بعدم قتل السكان ونهب ممتلكاتهم. ويقضي الملك وقته بمعاشرة العاهرات الفرنسيات ويدفع لهن أجورهن. وأثناء هذه الحملة يتوفى رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية الإنكليزية، فيقوم الملك بتعيين بيكيت في ذلك المنصب كي يسيطر على الكنيسة، لكنه يأخذ مهام منصبه مأخذ الجد، ويصر على تطبيق قوانين وصلاحيات الكنيسة كاملة، وعندما يلقي حاكم إحدى المقاطعات القبض على أحد القسسة بتهمة الاعتداء الجنسي على فتاة، لتقديمه إلى محكمة محلية يغضب بيكيت لأن محاكمة القساوسة من صلاحيات الكنيسة، ثم يستشيط غضبا عندما يقوم ذلك الحاكم بقتل القس عندما يحاول الهروب، فيرسل رسولا إلى الملك طالبا معاقبة ذلك الحاكم. ويعتبر الملك تصرف بيكيت إهانة له ولسلطته، فلا أحد يعاقب رجال الملك. ويبدأ العداء بين الرجلين حتى يتهم الملك بيكيت بالسرقة، عندما كان وزيرا للمالية، ويرفض بيكيت الاتهام ويهرب من إنكلترا متوجها إلى فرنسا، عدوة إنكلترا اللدودة، ثم يقابل البابا نفسه في روما. ويقترح البابا أن يمكث بيكيت في أحد أديرة الكنيسة في فرنسا كحل وسط، لكنه يضيق ذرعا بحياته هناك، فيتوسط ملك فرنسا بينه وبين ملك إنكلترا ويعود إلى منصبه لتبدأ مشاكله مع الملك من جديد، وفي نهاية المطاف يقتحم أربعة من رجال الملك الكنيسة ويقتلون بيكيت. ولإرضاء الجميع يقوم الملك بالتعرض للجلد أمام قبر بيكيت ثم يعلن تعيينه قديسا، وينتهي الفيلم.

تحليل الفيلم

الانتقاد الأول للفيلم أنه في الحقيقة مسرحية صورت من قبل كاميرا للسينما، وليس فيلما سينمائيا، فالفيلم مأخوذ أصلا من مسرحية ناجحة، والممثلون من أبرز الشخصيات المسرحية في بريطانيا لاسيما ريتشارد برتن. ويعني هذا أن المخرج فشل في مهمته ولم يستغل الإمكانيات الكبيرة للسينما التي لا تتوفر للمسرحية.
قدم برتن عرضا متوسط الجودة خالٍ من الإثارة باستثناء أنه استحق جائزة أقل مشهد قتل إقناعا، وهو مشهد مقتل بيكيت، ويقع اللوم كذلك على المخرج في هذا الأمر. أما بيتر أوتول، فقدم عرضا فكاهيا، إذ كان الملك يتصرف كصبي مدلل إلى درجة الفساد يبكي عندما لا يحصل على لعبته. وبالغ في إظهار مشاعره تجاه بيكيت، فذلك الحب بدا وكأنه عشق مثلي أكثر منه شعور بالوحدة لفقدانه صديقه الوحيد، ولم يكن الملك هنري الثاني الحقيقي معروفا بالرقة أو المثلية، فقد كان هذا من بنات أفكار بيتر أوتول، حيث نجد شيئا مشابها في تقديمه لشخصية لورنس العرب.

كان هناك الكثير من التفاصيل التي لم يعنِ وجودها شيئا للفيلم إلا انها سببت في زيادة طوله، فمثلا كان هناك مشهد تقديم بيكيت للشوكة كاختراع جديد لاستعمالها في تناول الطعام أثناء جلسات العشاء الصاخبة في القصر الملكي، بينما لم تدخل الشوكة إنكلترا في الحقيقة ألا بعد أربعمئة عام بعد فترة أحداث الفيلم، واقتصر استعمالها في تلك الفترة على الدولة البيزنطية وبعض مناطق إيطاليا. والجدير بالذكر أن بقية سكان أوروبا اعتبروا استعمالها عملا غير رجولي. ولعل الهدف كان إظهار بيكيت الأكثر تحضرا في الطبقة الحاكمة. وكانت مشاهد المراسم الكنسية طويلة وعديمة التأثير في الفيلم، فزادت من طوله وقللت من عامل الإثارة، حيث استغرق ساعتين وثمان وعشرين دقيقة. وقد تميزت فترة الستينيات بإنتاج الأفلام الطويلة، وكان أشهرها «كليوباترا» و»لورنس العرب».
كانت هنالك أخطاء تاريخية مقصودة أخرى في الفيلم، فعلى عكس ما ظهر فيه، كان الملك هنري الثاني وبيكيت من النورمانديين، حيث كان من المستحيل تعيين رجل دين من أصول محلية أنكلوسكسونية، إلا أن كاتب المسرحية الأصلية اختلق حكاية تعرض الأنكلوسكسون للاضطهاد الشديد، ومعارضتهم للاحتلال النورماندي. وما هو جدير بالذكر أن النورمانديين ما يزالون من أسس النظام الملكي الحالي في بريطانيا، وأن الطبقة الأرستقراطية الحالية في بريطانيا، مثل عائلة تشرتشل، تتكون من أحفاد النورمانديين الذين ظهروا في الفيلم. وما يزال حوالي نصف خريجي جامعة كامبريدج الراقية من أحفاد النورمانديين. وكان غريبا أن يظهر الملك هنري الثاني يمارس الجنس مع العاهرات في المناطق الفرنسية، التي يحتلها بعد أن يدفع المال اللازم لهن، لأن قادة وجنود الجيوش الأوروبية كانوا يغتصبون الفتيات المحليات وينهبون كل ما يجدونه فيها، ويقتلون الكثير من السكان المحليين، ولذلك، فإن طلب بيكيت من قادة الجيش الإنكليزي عدم نهب المدن الفرنسية، أو قتل السكان محض خيال. يصر المؤرخون البريطانيون على أن الملك هنري الثاني لم يأمر رجاله بقتل بيكيت، لكنهم أساءوا فهم كلامه، أي أنه بريء من جريمة القتل. ويذكر التاريخ عدم تعرض القتلة الأربعة لأي عقاب حقيقي، حيث كل ما حدث لهم أن البابا أمرهم بالانضمام إلى الحملات الصليبية لمدة أربعة عشر عاما، ما يدل على أن تسوية قد حدثت بين الملك هنري الثاني والبابا في روما. ومن المستحيل أن يقوم هؤلاء الرجال بقتل رئيس أساقفة الكنيسة، دون أمر صريح من الملك، وإلا فإنهم كانوا سيتعرضون لعقاب شديد قد يصل إلى الإعدام. على الرغم من كل هذه الجوانب السلبية للفيلم، فقد رشح لإحدى عشرة جائزة أوسكار. وكان منها جائزة أفضل ممثل رئيسي لكل من النجمين، وجائزة أفضل مخرج. وفي نهاية المطاف نال الفيلم جائزة أفضل سيناريو مقتبس.

النورمانديون والأنكلوسكسون

من الضروري توضيح حكاية الأنكلوسكسون والنورمانديين، فعندما انسحب الرومان من إنكلترا في بداية القرن الخامس اجتاحتها قبائل جرمانية، أي تكلموا لغة اقتبست منها اللغة الألمانية، كان أشهرها قبيلتي الأنكلز والسكسون. واللغة الإنكليزية الحالية تطور من لغة هذه القبائل. وسيطر الأنكلوسكسون على إنكلترا واندمجوا بالسكان المحليين حتى اعتبرهم المؤرخون بداية التاريخ الإنكليزي. واسم إنكلترا يعني أرض الأنكلز، وحتى اسم منطقة ويلز مأخوذ من لغة الأنكلوسكسون. وأما النورمان، فهم الفايكنغ الذين احتلوا منطقة النورماندي في فرنسا. واحتل زعيمهم المدعو وليم الفاتح إنكلترا عام 1066 وطرد جميع القسسة الأنكلوسكون، حيث استبدلهم بنورمانديين، كما أطاح بجميع أفراد الطبقة الحاكمة والأرستقراطية السابقة، حيث كون طبقة من النورمانديين. وتكلم النورمانديون اللغة الفرنسية التي أصبحت اللغة الرسمية في إنكلترا حتى القرن السابع عشر، عندما قام ملك إنكلترا جيمس الأول بفرض اللغة الإنكليزية في التعليم والكنيسة والمحاكم، ولذلك فإن المناقشات بين الملك هنري الثاني وبيكيت الحقيقيين كانت باللغة الفرنسية. ومن الجدير بالذكر أن الأنكلوسكسون قاموا بعدة محاولات تمرد خلال السنوات الأولى من حكم النورمانديين، إلا أن جميعها سحقت دون رحمة، حتى إن بعض المصادر ادعت أن النورمانديين قتلوا خمسة وسبعين في المئة من سكان بعض المناطق الثائرة. ولم تظهر أي علامات معارضة من قبل الأنكلوسكسون بعد ذلك.

الدولة والكنيسة

كان الخلاف بين الدولة والكنيسة في أوروبا الغربية متأصلا منذ البداية، فمفهوم الملكية ينص على أن الملك يملك حقا إلهيا في الحكم. ويعني هذا أن لديه سلطة على الكنيسة في بلده. وفي الوقت نفسه، فإن جميع الكنائس خاضعة لسلطة البابا الذي أعتبر نفسه ممثل الله على الأرض، مما يعطيه الحق في السيطرة على الكنيسة والملوك كذلك. ويكون هذا تناقضا واضحا وخلافا بين الدولة والكنيسة. وكانت الكنيسة كيانا له قوانينه الخاصة وثروة هائلة خارجة عن سيطرة الدولة، بالإضافة إلى ذلك كانت سلطتها تأتي من درجة التدين العالية لدى جميع فئات المجتمع وكون الانخراط في سلك القساوسة عملا محترما ومرغوبا، لكن سلطة الدولة كانت في نمو تدريجي على حساب سلطة الكنيسة، فمثلا أمر الملك النورماندي لإنكلترا وليم الفاتح في القرن الحادي عشر أن تعيين أي قس في إنكلترا لا يتم إلا بعد موافقته الشخصية، بعد أن كان ذلك من سلطات البابا وحده. وفي القرن الرابع عشر سيطر الملك الفرنسي على البابا وأعدم قادة تنظيم فرسان المعبد وألغى تنظيمهم واستولى على أموالهم. وأصبحت الكنيسة في فرنسا جزءا من الدولة وجهاز مخابراتها. ولذلك، تحولت الكنيسة إلى هدف تلقائي لقادة الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر ما أدى إلى إعدام الكثيرين من كبار رجال الكنيسة. وفي ألمانيا لم يكن القس الألماني مارتن لوثر قادرا على تأسيس المذهب البروتستانتي دون حماية الأمراء الألمان من انتقام المتدينين الكاثوليك، أو البابا منه في القرن السادس عشر. وفي القرن نفسه قام الملك الإنكليزي هنري الثامن بتعيين نفسه رئيسا للكنيسة الإنكليزية وفصلها عن البابا وأعدم بعض قادتها واستولى على أموالها. ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة ساهمت في نمو التنظيمات الماسونية والدعاية لها بشكل غير مباشر، إذ اتخذت الماسونية مظهر المعارضة ضد الكنيسة، ما شجع الكثير من الشخصيات الثقافية والسياسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر على الانخراط في صفوف الماسونية حتى أصبحت الماسونية لدى الكثيرين رمزا للمستوى الثقافي الرفيع، ولذلك انظم إلى الماسونية بعض الأمراء والملوك.

العلمانية والفصل بين الدولة والكنيسة

تركز فكرة العلمانية على الفصل بين الدين والدولة بالنسبة لصناعة القرار وسن القوانين وتنفيذهم، وأن لا يكون رئيس الدولة رجل دين رسميا أو عمليا. وقد اندمج هذا مع فكرة فصل الدولة عن الكنيسة على أساس أن الكنيسة تمثل الدين. وليست الفكرة جديدة، كما يتصورها البعض، لكن أول فلاسفتها ربما كان الإنكليزي جون لوك في القرن السابع عشر. ولعل أول سياسي شهير كتب عنها هو الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون. هناك الكثير من الدول التي تدعي أنها علمانية، أو يظنها الكثيرون أنها كذلك، لكن هل هذا صحيح؟ إن عدم تدخل الكنيسة في صناعة القرار لا يعني عدم تدخل الدين لأن السياسي قد يكون أكثر تدينا من رجل الدين، بل إن دراسة تاريخ البلدان في العالم، تدل على أن البلد العلماني شيء خيالي، ففي بريطانيا مثلا يشغل ملك البلاد منصب رئيس الكنيسة، وذكر رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في مقابلة تلفزيونية أنه أراد اعتناق المذهب الكاثوليكي أثناء فترة توليه منصب رئيس الوزراء، إلا أن ذلك لم يكن ممكنا، فقام باعتناق المذهب بعد استقالته. وأما في الولايات المتحدة الأمريكية، فلم ينص الدستور الأمريكي على فصل الدين، أو الكنيسة عن الدولة، وبالنسبة للهند، التي ينص دستورها على العلمانية، فإن قوة الدين الهندوسي واضحة تماما على سياسة الدولة. وعندما يتولى أي رئيس دولة غربية مهامه نراه يقسم على الكتاب المقدس، وكذلك الشهود في المحاكم والخدمات الاجتماعية التي تقدمها مؤسسات دينية بتمويل حكومي، والقائمة تطول.

مؤرخ وباحث من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    هه لذاك اخترع التاج البريطاني كنيسه الخاص به 🤔😁✋🐓

اشترك في قائمتنا البريدية