فيلم «قهرمان»: بنية المجتمع الإيراني وأسئلة أصغر فرهادي

على مدى ثلاثة عقود تفاجئنا السينما الإيرانية بالترشيح أو التتويج في المهرجانات العالمية الكبرى، كان، فينيسيا، برلين والأوسكار، ولم تمض سنة 2021 إلا وقد توج المخرج الإيراني أصغر فرهادي بفيلمه الجديد «قهرمان» بالفارسية، أي «بطل» بالجائزة الكبرى في مهرجان كان، وقد عاد أصغر فرهادي إلى السينما الإيرانية بعد تجربتين بفيلم فرنسي والآخر إسباني، لم يكونا في مستوى تجاربه الإيرانية السابقة، واقتناص فيلميه «انفصال» و» البائع» جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي. كانت العودة ميمونة في «قهرمان» بأسلوبه المتفرد، دون صدام مع السلطة، رغم ما يحمله من هواجس وهم اجتماعي، أمام هذه الرقابة التي تحاصر المبدع في إيران، من رقابة سياسية واجتماعية ودينية، يستطيع فرهادي المراوغة، والوصول بالمشروع إلى برّ الأمان، سواء بالعروض في إيران، أو العروض العالمية والتتويج بجوائز عالمية، دون إملاءات داخلية أو مغازلة أجنبية، فقط الصدق في الأفكار التي يحملها مشروع فرهادي والسوية الفنية العالية، لطرح مجموعة من الأسئلة، بقدر ما هي محلية تخص الشخصية الإيرانية تصبح كونية تحاكي الإنسان المعاصر، وهذا ما فعله مرة أخرى في «قهرمان» بعد تحفتيه «انفصال» و»البائع»

سردية «قهرمان»: كرة ثلج تتدحرج حتى تكبر

فيلم دائري ينتهي بمشهد من حيث كان قد بدأ، المكان نفسه، الشخصية نفسها، دون أن يكون قد طرأ عليه أي تغيير، عبر 120 دقيقة في قالب دراما اجتماعية معاصرة وبأسلوب حكائي بسيط موغلة في المحلية الإيرانية حتى الإشباع، كما هي جل أفلام أصغر فرهادي، يبنى فيلم «قهرمان» على توليد أحداث غير متوقعة، فينبع حدث جديد بعد الآخر في محاولة الشخصية الرئيسية رحيم طهراني (أمير جديدي) البحث عن خلاص فيجد نفسه في دوامة نتيجة قرارات سيئة، محاولا الخروج بقرار أسوأ مرة أخرى، فرهادي كاتب السيناريو والمخرج يدفع بالحبكة بعيدا حد الإنهاك بمنطق كرة الثلج، التي تتدحرج حتى تكبر، لطرح مجموعة من الأسئلة عن مجتمعه.
رحيم أب مطلّق قابع في السجن، بسبب ديون لم يستطع تسديدها لبرهام، وقد أطلق سراحه بإجازة قصيرة، تعرض عليه حبيبته فرخوندة (سحر جولدست) تسديد الديون المستحقة عليه، من أجل غلق القضية والخروج من السجن نهائيا عن طريق عمولات ذهبية، وجدتها في حقيبة في أحد الشوارع، يوافق رحيم لعرضها في البداية، يتهيأ رحيم بوساطة من صهره إلى اقناع دائنه.. بتسديد المبلغ بالتدريج، لكنه رفض اعتقادا منه أن رحيم كاذب أمام سؤال جوهري: من أين له بالمبلغ وقد كان في السجن؟ وهذا السؤال طرح من قبل اخته أيضا التي انتابها الشك حول مصدر المال، وبأن لا يفعل أي شيء يضر بسمعة العائلة وصورتها الأخلاقية.. في النهاية يقرر رحيم التضحية بحريته والتبليغ عن الحقيبة وإعادتها لأصحابها، وبأنه وجدها بنفسه، دون ذكر لحبيبته «فرخوندة» المرأة العصرية والقوية المفكرة والمدبرة في حياتها اليومية، لا المرأة المنكسرة العالة في مجتمع ذكوري، رغم هذا فإن كذبة رحيم هدفها الابتعاد عن الرقابة الاجتماعية، وما ينجر عنها من سؤال أخلاقي ما سر العلاقة بين مطلّق وفتاة جميلة؟ وهي علاقة قائمة بالأساس على الحب والثقة من أجل خلاص الديون والخروج من السجن من أجل الزواج.

تتولد الأحداث، وتكبر كرة الثلج تدريجيا، عندما تقوم إدارة السجن باستغلال القصة والإعلان عن تلك المبادرة البطولية لرحيم، وتسليمه الذهب لإثبات أن النظام في السجن جيد جدا في تأهيل السجناء، ليصبحوا مواطنين صالحين في المجتمع، لكن في الحقيقة من أجل إخفاء آثار جريمة انتحار سجين نتيجة المشاكل في نظام السجون، ويصبح رحيم بطلا في نظر المجتمع وتنشغل به وسائل التواصل الاجتماعي، ولحقتها مبادرة من إحدى الجمعيات الخيرية لجمع التبرعات من أجل تأمين المبلغ لتسديد ديون رحيم للإفراج عنه.
تحول رحيم من رجل بسيط مهمش بشيء من السذاجة والبراءة، وتلك المشية والحركات و الابتسامة الواسعة المشحونة بالأمل، إلى بطل اجتماعي يشغل الناس في مواقع التواصل الاجتماعي، دون إدراك لهذا الاستغلال اللاأخلاقي، وقد نجح فرهادي في تكوين هذه الشخصية وتحويلها من الورق إلى الكاميرا، أمام تحولات رحيم من الضعف إلى القوة، فرهادي يجيد اختيار الممثلين وإدارتهم، خاصة أنه في أغلب أفلامه يستعين بشخصيات حقيقية من قاع المجتمع الإيراني، لا ممثلين محترفين، لإعطاء صبغة واقعية وضخ الحياة في الأداء، وهذه الواقعية لم تكن متجسدة في دور البطولة لرحيم فقط، وإنما لمدينة شيراز مسرح أحداث الفيلم التي أخذت هي الأخرى دور البطولة، لما لهذه المدينة الجنوبية من زخم وثراء ثقافي وحضاري، جسّده فرهادي بنفس وثائقي ومشاهده الخارجية للشوارع والبيوت والطرقات والأسواق، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية والمشاهد الحوارية وقت الأكل.. التي تختلف كل الاختلاف عن مدينة طهران التي كانت مسرحا لأحداث أفلامه السابقة، ما حقق النزعة المحلية والخصوصية السردية، وبأننا أمام فيلم إيراني بامتياز، دون الوقوع في الأمركة الفيلمية.
فرهادي يدفع كرة الثلج إلى الأمام حتى تكبر أكثر.. زميل رحيم في السجن شعر بأن القصة مختلقة ومزيفة، من أجل إخفاء حقيقة ما يحدث في السجون، حتى برهام الدائن، اعتبر أن القصة فيها ثغرة ومختلقة، ولم يكن مقتنعا ببطولة رحيم. وقررت الحكومة أن تعطيه وظيفة، لكنهم يرغبون في معرفة

هذه الحبكة المعقدة التي تنكشف تدريجيا بتفاصيلها عن أنصاف الحقائق والأكاذيب التي تأكل كل من يتاجرون بها، لنجد أنفسنا أمام دوامة أدارها فرهادي بمجموعة من الأسئلة لرصد الواقع الاجتماعي والتساؤل حول: ما الذي أصبحت عليه أحوال إيران اليوم؟

بعض الحقائق
والتأكد من السيدة صاحبة الذهب، لم يستطع رحيم الوصول إليها فاضطر لإحضار حبيبته وإيهامهم بأنها صاحبة الذهب، وجاءت لتشهد أمام الإدارة من أجل توظيف رحيم، لكن الأمور انقلبت من خلال مؤامرة من قبل زميله في السجن، واعتقد رحيم أن الدائن هو المسؤول عن تشويه سمعته فضربه أمام الناس في عمله، وصور حدث تهجم رحيم بالفيديو، فهدده إن لم يسلم المبلغ بالكامل فسينشر الفيديو. فأصبحت الجمعية هي الأخرى خائفة على صورتها أمام الرأي العام، وكيف لها أن تعطي المال لشخص غير مؤهل، ولم يتم إصلاحه بعد، وإن هناك ثغرات في قصة بطل مزيف، وقررت الجمعية سحب الأموال وإعطاءها فدية لرجل محكوم عليه بالإعدام، وافق رحيم على قرار الجمعية، وقد طلبت حبيبته أن تعلن الجمعية موافقة رحيم من أجل صورته التي اهتزت أمام الرأي العام، كل هذا التوليد في الأحداث القائم على فعل ورد فعل عند رحيم، شكّلها أصغر فرهادي بمنطق لعبة نيوتن، فمعظم قرارات رحيم هي المحرك الأساسي للأحداث مبنية على رد فعل يسعى الجميع إلى استغلالها، حتى فرهادي صانع الحكاية، استغل بساطة رحيم للكشف عن بنية المجتمع الإيراني وتصوراته الأخلاقية.
فرهادي يذيب كرة الثلج.. في بداية النهاية، جاء رجل من إدارة السجن ليصور ابن رحيم المتلعثم في الكلام بأن أباه وافق على أن تذهب الأموال فدية للرجل المحكوم عليه بالإعدام لإبطال الحكم، لكن رحيم تخاصم مع الرجل من أجل مسح الفيديو وعدم نشره وأنه لن يستغل عجز ابنه لاستعطاف الناس، تكتمل دائرة السرد بعودة رحيم إلى السجن، بينما خرج الرجل المحكوم عليه بالإعدام، في مشهد خلاب لا ينسى في تاريخ السينما…
فرهادي حكاء ماهر بِإسلوب السهل الممتنع، دون تكلف وبهرج بصري لترسيخ النزعة الواقعية في هذا الفيلم وفي أفلامه السابقة، ما رسخ هوية السينما الإيرانية ودحض النزعة الاستشراقية حول المجتمع الإيراني الذي يراه فرهادي كما يريد دون مغازلة للمهرجانات العالمية التي تحتفي به، وتتوجه بالجوائز بعيدا عن حسابات سياسية فقط لتقوية العمل الفني القائم عند فرهادي على الصدق لطرح مجموعة من الأسئلة تخص «نحن» الإيرانية والتورط حد الإنهاك في المحلية الإيرانية، لتصبح قصة كونية تحاكي الإنسانية، صاغها هذه المرة، وكما كل مرة بعناية ورشاقة التوليد كأنه حفيد شهرزاد.

بنية المجتمع الإيراني وأسئلة أصغر فرهادي

هذه الحبكة المعقدة التي تنكشف تدريجيا بتفاصيلها عن أنصاف الحقائق والأكاذيب التي تأكل كل من يتاجرون بها، لنجد أنفسنا أمام دوامة أدارها فرهادي بمجموعة من الأسئلة لرصد الواقع الاجتماعي والتساؤل حول: ما الذي أصبحت عليه أحوال إيران اليوم؟ عن نظام القيم الهش وصناعة البطولة الاجتماعية عن بنية العقل الأخلاقي القائم على النفاق الاجتماعي، عن المهمشين في المجتمع، استطاع أصغر فرهادي أن يطرح مجموعة من الأسئلة دون الإجابة، كما هي فلسفته في كل أفلامه، فمعظم المآزق التي غرق رحيم فيها تستمد جذورها من أسئلة فرهادي عن واقع هذا المجتمع، بين مطرقة المحافظة وسندان الحداثة يشرح فرهادي بنية المجتمع الإيراني.
«قهرمان» وعاء صب فيه فرهادي كل شيء.. فلسفة الأحكام القانونية القائمة على الردع دون التماس للبعد الإنساني، البيروقراطية، رقابة المؤسسات، الفساد الإداري، واقع السجون الذي لا يتوفر فيه الحد الأدنى لكرامة السجين، إملاءات الإعلام، عقوبة الإعدام، هشاشة الرأي العام، منظومة الجمعيات الخيرية وآليات اشتغالها، وحشية مواقع التواصل الاجتماعي، النفاق الاجتماعي والرقابة الاجتماعية، إخفاء علاقته بالمرأة التي يحب، مفهوم الشرف والصدق، واقع المرأة في المجتمع، الحرية، الظاهر والباطن في النفوس، أسرار البيوت وهشاشة العائلة.
خلق فرهادي المعادلة الصعبة والوصفة السحرية للفيلم السينمائي بين النخبوية واحتفاء النقاد ولجان التحكيم والعروض الجماهيرية، ما حقق المتعة والمعرفة والتزاوج بين المحلي والكوني، وما شاهدناه في رصد وسائل الإعلام الدولية بعد نهاية عرض فيلم «قهرمان» في مهرجان كان، وكيف وقف الجمهور يصفق لمدة لا تقل عن خمس دقائق وفرهادي كعادته خجول كأننا أمام رحيم وهو في مأزق يحاول الخروج منه، هذه التجربة الإبداعية لأصغر فرهادي تستحق البحث والتدريس في عالمنا العربي، أمام سؤال جوهري طرحه ذات مرة المخرج الراحل حاتم علي: لماذا ما زلنا نعجز عن حجز ولو مقاعد خلفية في مهرجانات العالم الكبرى؟

مخرج تونسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول بلي محمد من المملكة المغربية:

    هل يسمح لنا المنبر بأن نقول كلمة كتابة ومحبة لسينما شكرا بين قوسين نحن لا نكرر مانقوله عن السينما لاصل صحيح هي مثل الغواص تدخل بطرقها الخاصة وسط المجتمع وتطوف من بيت الى بيت لكي تتعرف عن قرب ماخفي عليها من قضايا لكل واحدة منها لونا وتدخل كدالك امكنة أخرى ومن كان متميزا جد ا جعلته في قالب فني ثم صورة وهكدا نعم نحن نعيش في زمان تكثر فيه القضايا شبه مستعصية لكن السينما تتمتع بعقلية فريدة من نوعها تهرف كيف تتعامل معها بأساليب فنية عالية جد ا وبالاخص ادا وجدت الكفئ الجيد ومن الجنس الثاني وبلغة السينما نقول ان السينما لارانية ليست وليدة اليوم بل لها بدورها تاريخ والسينما لاتعرف لانحياز هي تعمل بكلمة دعه يقول كلمته فمن خلال هده الكلمات تبين لنا بأن هد ا الفيلم أجتماعي دا حالة خاصة فاالمخرج المحنك يجتهد في خلق صورة جدابة ولو بعطر الخيال المهم هو النجاح والفوز باالجائزة *.

  2. يقول بلي محمد من المملكة المغربية:

    أقول لكي تتعرف فااليسمح المنبر وكدالك القارئ حيت ماوجد فاالسرعة هي السبب في لاخطاء

اشترك في قائمتنا البريدية