في المجموعة القصصية «النظرات»… لعبة التكثيف وبراعة التوظيف

حجم الخط
0

في «النّظرات» وهي المجموعة الأولى من حديث الرّوح الذي اختار له أُسيد الحوتري عباءة القصّة القصيرة جدًا، يعمد القاص إلى تحويل المشهد العادي والمألوف إلى وقفة للتّأمل والتّدبّر لا تخلو من طرافة أو حكمة أو خاتمة مباغتة تربك القارئ. ولعلّ مشهد القصّة القصيرة جدًا أو ق.ق.ج بات مربكًا بحدِّ ذاته بسبب كثرة المجرّبين الذين يستسهلون الأمر ويدلون بدلوهم، مع أنّها من أصعب الأجناس الإبداعية كما أراها. من السهل أن تكتب ق.ق.ج ومن الصّعب أن تكتب ق.ق.ج جيِّدة، فالرّداءة لا تحتاج سوى ورقة وقلم ومتوهِّم يظنّ أنّه كشف كلّ أسرار الأهرامات المصرية.
تتنقّل القصص بين مواضيع مختلفة مثل الفساد واللجوء والهوية والحنين وحلم العودة والشّتات والظلم والجوع والنميمة والنفاق والإحباط والخيانة وقوارب الموت والحرب من براميل وانفجارات وقنّاصة وغيرها من الثيمات الساخنة التي تعصف بالإنسانية وتهزّ كيان إنسان العصر الذي يسعى إلى الحرّية والحبّ والدّفء ولا يجد أمامه سوى الخيبات والصفعات والانكسارات.
جاءت الغرائبية في المجموعة من باب تنويع التقنيات والأساليب السرديّة والابتعاد عن الصوت الرتيب، كما ورد في قصّة «غياب» وقصّة «مفتاح» مع أنّ الحبكة الغرائبية كانت واحدة في القصتين وهي الدخول في الصّورة أو اللوحة المعلّقة على الحائط غير أنّ المعالجة كانت مقنعة وجذّابة.
كان اللّعب على الكلمات خيارًا موفقًا في قصّة «القارعة» حيث جاءت كلمة القانون في أكثر من سياق لتؤدي مضمون القصّة، وكذلك تلاعب القاصّ بالحركات من شدّة وضمّة وكسرة في قصّة «حركات» ليشكّل المشهد بلمسات لغويّة بارعة. اعتمد القاصّ على الحوار بشكل واضح لبناء قصّة مكثّفة ومختزلة وكاشفة في الوقت عينه. الحوار يفضح المواقف والنوايا ووجهات النظر بكلمات اقتصاديّة وعبارات دالّة، ممّا يؤكد مجددًا على أنّ فنّ القصّة القصيرة جدًا يتطلّب حساسية خاصّة وميزانًا دقيقًا وجملة افتتاحية بارعة تلملم شتات الموضوع.
لا أعرف إن كان القاصّ يتعمّد نصب مكائد أو مصائد حتّى يسقط فيها القارئ، أم هو فعل اعتيادي غير مقصود يأتي بسلاسة وخفّة لصنع المفارقة اللطيفة. تكرّر هذا الأمر كثيرًا في المجموعة وأذكر على سبيل المثال قصّة «المخلص» حيث حوّل القاصّ فتح علبة السردين إلى حالة من الإسقاط والتأويل والرمزية. ولعلّه من حسن التقديم إيراد قصة «آخر الأصدقاء» في هذا الموضع لإعطاء القارئ فكرة عن طريقة البناء المكثف وتصاعد الحدث: «جلس بينهم، سامرهم، أخبرهم بكلِّ ما جال في خاطره، لم يقاطعه أحد، في نهاية السهرة شكرهم على حسن استماعهم، وغادر بكلِّ خشوع، بعد أن قرأ عليهم الفاتحة!». غير أنّني بعد بعض الوقت أصبحت قادرًا على كشف الشِّرك المنصوب في قصّة «عيد سعيد» على سبيل المثال. برأيي أنّ انكشاف القصّة قبل الوصول إلى نهايتها يختصر المسافة الجمالية إلى الصفر المئوي، فالأصل في النّص القصير جدًا هو المباغتة. بعد الجملة الثانية تبدأ برسم مشهد ضبابي في مخيِّلتك، وقبل الوصول إلى النهاية تظهر عدّة مسارات فتختار إحداها، ثم تأتي الجملة الختامية لتكتشف أنّك ابتلعتَ الطعم وكنت هدفًا لمقلب لطيف كانت اللغة فيه المحرك الأساسي لعصا المايسترو والناظم لجهد باقي العناصر.

لا أعرف إن كان القاصّ يتعمّد نصب مكائد أو مصائد حتّى يسقط فيها القارئ، أم هو فعل اعتيادي غير مقصود يأتي بسلاسة وخفّة لصنع المفارقة اللطيفة. تكرّر هذا الأمر كثيرًا في المجموعة وأذكر على سبيل المثال قصّة «المخلص» حيث حوّل القاصّ فتح علبة السردين إلى حالة من الإسقاط والتأويل والرمزية.

ترك القاصّ باب التأويل مفتوحًا على مصراعيه في بعض القصص مثل «قتيل» أو «مقصّ» من خلال معطيات يمكن تفسيرها على أكثر من وجه، كما لجأ إلى الصورة الغامضة أحيانًا لبثِّ مشهد موازٍ غير واضح المعالم كما في قصّة «الغريق». ما دام هناك إشارات كافية في النّص تجعل القارئ يحوم حول المعنى، فالتّكثيف الذي ينبثق عنه هذا التّأويل مقبول وجميل لكن ماذا لو كان الغموض يخنق القصّة فلا يعود هناك من ضوء بعيد في آخر النفق يعين المتلقّي على تحديد المسار والاتجاه. لطالما وجدتُ كلمة «إيغال» سلبية في معناها فهي تنطوي على الابتعاد وربّما التوهان وربّما التّطرّف. الإيغال في التكثيف يُنتج أدبًا أو قصة مغلقة بشيفرة لا يمكن حلّها. إذا لم تتذوق الشوكولا من قبل فكيف ستصف طعمها؟ ربّما تكون قادرًا على وصف شكلها الخارجي، وهنا تبرز قضية أخرى وهي أنّ الشّكل بحدّ ذاته يمكن أن يترك أثرًا أدبيًّا حتى لو غاب المعنى. لست من دُعاة هذا الأمر وأرى أن الشّكل والمعنى ركنان أساسيان لا يمكن الاستغناء عن أحدهما، وإلاّ تحوّل الأدب إلى حالة من الهذيان والتشتّت والهلوسة دون ضوابط منطقية. في المحصِّلة، هي عملية توازن بين الاقتصاد في اللفظ ووضوح المعنى أو المغزى؛ لعبة الكلمات وإيحاءاتها ودلالاتها القريبة والبعيدة وتمازج الألوان وتداخل المعطيات للخروج بقصّة جيِّدة فيها روح التجديد وبعيدة كل البعد عن المباشرة والتكرار.
أتقنّ القاصُّ توظيف الرمزيّة في قصّة «انكشاف» وأحال الشّجرة الطيبة والقردة والخنازير والسيوف والحراب إلى رموز تشير إلى ماض وواقع ومستقبل من حياة المنطقة العربية. توظيف جميل ورؤية مستقبليّة مشرقة.
ومن القصص الطّريفة التي وجدتها توافق القول المعروف: شرّ البلية ما يضحك، قصّة «مكرمة رئاسية» فالزوج يتغزّل بزوجته ويشبِّهها بالقمر الذي يبدو من فتحة في سقف المنزل، أحدثتها القنابل التي تسقط فوق رؤوسهم كلّ يوم.
في الختام أقول إنّ بعض القصص جاءت نمطيّة ومكشوفة، وهي قليلة جدّا مثل قصّة «عنوان» وقصّة «جماهير» على أنّ الإشارة إلى هذا الموضوع يعدّ من باب عرض أسباب القوّة لأنّها؛ أي القصص النمطيّة محدودة جدًا، حيث وصل فهرس المجموعة إلى العدد (122).
الدراسة التي وردت كملحق للمجموعة حول القصّة القصيرة جدًا تعبّر عن رأي القاص ورؤيته في أدوات وسمات القصّة القصيرة جدًا. وددتُ لو كانت ضمن كتاب يُعنى بالدراسات التطبيقية التي يختلط فيه الإبداع بالتنظير وليس في كتاب إبداعي بحت.
حديث الروح هي سلسلة قصصيّة قصيرة جدًا من ثلاث مجموعات؛ النظرات، الهمسات واللمسات وضع فيها القاصّ ما يؤرقه بأسلوب راقٍ ومكثَّف من خلال توهُّج مباغت يخطف الأبصار.

كاتب من الأردن

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية