في تقويض الدولة العراقية

القضاء هو المؤسسة الأكثر فاعلية في بناء الدولة، وهو، في الوقت نفسه، الأداة الأخطر في تقويضها. إن مراجعة لسلوك القضاء العراقي كفيلة بالكشف، بما لا يدع مجالا للشك، عن حقيقة أن هذا القضاء تحول إلى عامل رئيس في تقويض الدولة!
فالمحكمة الاتحادية العليا الحالية، وهي محكمة غير شرعية تشكلت من خلال صفقة بين مجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى عام 2021 حين تواطأ الطرفان على انتهاك أحكام قرار باتٍ وملزم للسلطات كافة، هو القرار (38/ اتحادية/ 2019) الذي يقضى بعدم دستورية المادة 3 من قانون مجلس القضاء الأعلى الذي أعطى للمجلس صلاحية ترشيح رئيس المحكمة الاتحادية وأعضائها، وذلك لمخالفته أحكام المادتين 91/ ثانيا و92 من الدستور العراقي. لكن مجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى ضربا قرار المحكمة الاتحادية هذا بعرض الحائط، ومرّرا قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية؛ وهو قانون يعطى لمجلس القضاء الأعلى صلاحية ترشيح رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية الحالية!
وقد أصدرت هذه المحكمة في الأيام العشرة الماضية ثلاثة قرارات مسيسة تنتهك أحكام الدستور، وتنتهك أحكام نظامها الداخلي أصلا، في إصرار غريب على تقويض الدولة والدستور والقانون والمنطق معا!
القرار الأول صدر بتاريخ 28 آب/ أغسطس 2023 بشأن الطعون على قانون الانتخابات، قررت فيه عدم دستورية مواد وفقرات في هذا القانون، وبعيدا عن الإشكاليات المتعلقة بحيثيات هذا القرار، وحجم التسييس فيها، وتجاوز صلاحيتها وتحولها الارتجالي من التفسير إلى التشريع، وتحويل قراراتها من كاشفة إلى منشئة بمزاجها، فإن المحكمة الاتحادية، بقرارها هذا، قد انتهكت أحكام النظام الداخلي لها الذي يقرر في المادة 23 أنه «لا يقبل الطعن بدستورية قانون الانتخابات والنصوص الواردة فيه، قبل ستة أشهر من التاريخ المحدد لإجراء الانتخابات في كل دورة انتخابية». وكانت الحكومة العراقية قد أصدرت في 20 حزيران/ يونيو قرارا بتحديد يوم 18 كانون الأول/ ديسمبر 2023 موعدا لإجراء انتخابات مجالس المحافظات، وكان هذا يقضي أن لا تقبل المحكمة الاتحادية أي طعن على قانون الانتخابات بعد يوم 20 حزيران/يونيو 2023!
لكن المحكمة الاتحادية لم تلتزم بذلك، وجميع القرارات التي قبلت فيها الطعون قُدمت بعد ذلك التاريخ، وهو ما يثبت أن ثمة إرادة سياسية لتأجيل الانتخابات، وأن المحكمة الاتحادية أعطت الحجة المناسبة لتأجيل تلك الانتخابات في حال حصل الاتفاق السياسي على تأجيلها!

مراجعة سلوك القضاء العراقي كفيلة بالكشف، بما لا يدع مجالا للشك، عن حقيقة أن هذا القضاء تحول إلى عامل رئيس في تقويض الدولة!

وبتاريخ يوم 3 أيلول/ سبتمبر، أصدرت المحكمة الاتحادية أمرا ولائيا قررت فيه إيقاف تنفيذ أمر رئيس مجلس الوزراء، بخصوص تسليم مقر قيادة عمليات كركوك إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني ليعود مقرا للحزب في مدينة كركوك كما كان عليه الأمر قبل استفتاء عام 2017 على استقلال إقليم كردستان، وقد صدر الأمر الولائي في اليوم الذي قُدِّم طلب بإصدار أمر ولائي، وهذه السرعة في إصدار القرار عند مقارنتها بطلبات أخرى لاستصدار أوامر ولائية تكشف عن طبيعة التسييس في هذا القرار!
بالعودة إلى القرار، سنجد أن ثمة نائبا قد سوّغ دعواه هذه بأن الحزب الديمقراطي الكردستاني كان غاصبا لهذه الأرض التابعة لوزارة المالية، وأنه شيّد عليها مقرا له وشغله دون وجه حق دون أو مسوّغ قانوني، وأن البرنامج الحكومي قد تضمن السماح للأحزاب الكردستانية الحق بممارسة نشاطاتها السياسية في كركوك وإخلاء مقراتها التي شُغلت من الآخرين، وأن هذا الإجراء يخالف قانون الأحزاب الذي لا يتيح للأحزاب شغل مقرات، أي مؤسسات تابعة للدولة، دون أن يشير إلى أي مخالفة دستورية محددة!
وكما هو واضح لا تقع أي من هذه الطعون ضمن اختصاصات المحكمة الاتحادية، فليس من اختصاصات المحكمة الاتحادية النظر في اغتصاب أراضي الدولة، وليس من اختصاصها النظر في المخالفات القانونية، بل تنحصر مهمتها في المخالفات الدستورية، وسبق للمحكمة الاتحادية أن ردت عشرات الدعاوى المتعلقة بانتهاكات قانونية لأن «تفسير نصوص القوانين وإعطاء الرأي فيها لا يدخل ضمن اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا»!
ولكن قراءة نص الأمر الولائي يكشف أن المحكمة الاتحادية قد سوّغت قبولها الدعوى بنصوص لا علاقة لها بالمطلق بعريضة الدعوى! بل إنها كتبت بنفسها عريضة دعوى لا علاقة لها بالدعوى الأصلة! وهي عريضة إنشائية تبدأ من ديباجة الدستور الإنشائية أيضا، ثم بالمادة 1 من الدستور المتعلقة بطبيعة النظام السياسي في العراق، ثم بالمادة 3 المتعلقة بأن «العراق بلد القوميات والأديان والمذاهب» ثم بالمادة 7/ أولا المتعلقة بحظر الكيانات التي تتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير، ثم استدلت بقانون الأحزاب الذي يكفل المشاركة السياسية وتأسيس الأحزاب، ثم المادة 109 من الدستور التي توجب على السلطات الاتحادية الحفاظ على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي!
وكما هو واضح لا علاقة بين هذه المواد العامة وعريضة الدعوى، وكان واضحا أنها مجرد تعمية لجأت اليها المحكمة الاتحادية لتسويغ قرارها المسيس الخارج اختصاصاتها من الأصل!
في 4 أيلول/ سبتمبر 2023 أصدرت المحكمة الاتحادية قرارا بعدم دستورية قانون رقم 42 لسنة 2023 المتعلق بالتصديق على اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله الموقعة بين الحكومتين العراقية والكويتية، لمخالفته أحكام المادة (61/ رابعا) من الدستور!
بالعودة إلى نص هذه المادة سنجد أنها تنص على أن: «تنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب العراقي». وكما هو واضح وغير قابل للتأويل، فإن المادة تتعلق بتشريع قانون بأغلبية الثلثين، وليس بأن التصديق على الاتفاقية يتطلب الثلثين!
ففي العام 2013 كان يحكم تصديق الاتفاقيات والمعاهدات، القانون رقم 111 لسنة 1979 المعنون: «قانون عقد المعاهدات» وهو القانون نفسه الذي حكم التصديق على اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية في العام 2008، وحكم بانضمام العراق إلى عشرات المعاهدات والاتفاقيات الدولية بعد العام 2003، لاسيما أن الدستور العراقي كان قد نص في المادة 30 منه على أن «تبقى التشريعات النافذة معمولا بها، ما لم تلغ أو تعدل وفقا لأحكام هذا الدستور». وهذا القانون ظل نافذا ولم يلغ إلا في العام 2015 بعد تشريع «قانون عقد المعاهدات» رقم 35 لسنة 2015!
ولا يمكن فهم هذا التدليس الصريح في قرار المحكمة الاتحادية باستنادها إلى المادة 61/ رابعا من الدستور إلا على أنه جزء من عدم مهنية المحكمة، وعدم احترامها ليس للدستور وحسب، وإنما عدم احترامها للمجتمع ككل!
والمفارقة هنا أن المحكمة الاتحادية نفسها، بقضاة مختلفين، سبق لها أن تلقت دعوى تطعن في الاتفاقية نفسها عام 2014 ووجدت الدعوى «غير مستندة على أساس من الدستور أو القانون»! وأن الطعن بأن الاتفاقية قد أضرت بالجانب العراقي وأن الأمر “لا يدخل ضمن اختصاص المحكمة الاتحادية العليا»!
حين تتحول فكرة العدالة إلى مجرد «وجهة نظر» وتغيب المهنية، وعندما تكون علاقات القوة، ومصالح الفاعلين السياسيين هي الحاكمة، ويصبح الدستور والقانون مجرد أدوات سياسية تستخدم وفقا لإدارة المستخدم، او من يستخدمه، سيكون القضاء، بالضرورة، الفاعل الرئيسي في تقويض الدولة!

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    ” حين تتحول فكرة العدالة إلى مجرد «وجهة نظر» وتغيب المهنية، وعندما تكون علاقات القوة، ومصالح الفاعلين السياسيين هي الحاكمة، ويصبح الدستور والقانون مجرد أدوات سياسية تستخدم وفقا لإدارة المستخدم، ” إهـ
    إنها الديموقراطية المفروضة من أمريكا !
    إنه حكم المصالح الشخصية !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

اشترك في قائمتنا البريدية