في سوريا… بأي بلد يفاخرون؟

هل نحن بحاجة للعودة إلى سوريا، التي تظل لها أفضالها علينا، نحن أبناءها الذين ولدنا على أرضها الطيّبة، وهذا لا يمكن أن ننكره أو نتجاوزه لأنه مرسوم في وجدان وقلب كل واحد منا، نحن الذين ننتمي إليها كوطن نشأنا وترعرعنا في كنفه؟ إلّا أنّ السؤال الذي يُلحّ، هل بالإمكان العيش خارج سوريا، بعيدين عن أسوارها؟ العيش في بلاد جديدة، ومع أناس جدد، يختلفون كلياً عن طباعنا، ومعتقداتنا، وتاريخنا المشترك، كما يدّعي دعاة الوحدة والحرية والاشتراكية، و»يَبيضُون» علينا بكلمات رنّانة ومزخرفة؟
نعم. يمكن ذلك، لمَ لا…
أعتقد جازماً أن الأغلبية، ولمن سنحت لهم فرصة الهروب من سوريا، ونحن منهم، واللحاق بالدول الأوروبية، وتحت أي مسمّى فإنّه فضّل البقاء فيها ولم يعد الوطن كوطن يعني بالنسبة له سوى الاسم.
الغربة التي كانت مجرد حلم وردي راود أحلام الشباب تحوّلت إلى واقع معاش، ولم تعد تؤرّق يومهم، كما يظن البعض، ولن نقول إنهم عاشوها بقسوة، لا أبداً.. تلك الأيام التي قضوها، وما زالت تظللهم، كانت من أجمل الأيام التي عاشها اللاجئون السوريون وغيرهم في البلاد التي احتضنتهم، فكانت أفضل بكثير مما كان متوقعاً، ومن أجمل الأيام التي عاشوها، وما زالوا إلى اليوم. أفضال البلاد التي أوت نزوحهم وتشردهم وغربتهم وإفلاسهم كثيرة، ولا يمكن أن ينسوها أو يتناسوها يوماً، بل إنها زرعت فيهم بهجة الحياة، وقدمت مجتمعةً الشيء الكثير لهم. الخدمات كانت تفوق التصوّر، ناهيك من الاحترام والود وكثير ما كانوا يتأملونه أن يتوافر ذلك للكثير من أهلنا في سوريا وشعبها الطيب البسيط، الذي يُباد اليوم، وبدم بارد، من قبل قيادة مجرمة لا ضمير يؤنبها، ولا ضير من أن تزيد من الفتك بشعبها، وتقتل ما تريد ومن دون أي رادع من أحد أو مخافة من الله. وإذا ما حاولنا أن نقف لبعض الوقت، مستأنسين، وأن نقارن بين ما قدمه الوطن لأبنائه، وما قدمه الأوروبيون لهم لا يمكن أن يقاس في الواقع ولا بأي شكل من الأشكال، وهذه حقيقة قائمة لا جدال فيها. فما الجديد الذي أضافته القيادة في سوريا للمواطن السوري؟ وماذا قُدّم له؟ وهل ما قدم كان كافياً، مرضياً؟ لنكن صادقين مرةً واحدة مع أنفسنا، وبتجرّد وبعيداً عن العواطف التي لا تطعم خبزاً. وبمقارنة بسيطة، فإنّ ما وجده المواطن السوري، وما توافر له من خدمات، ودعم مادي مجزٍ لا شك في أنه كبير جداً. طبيعي، من بين الزحام، يقفز لك بعض المنتفعين من النظام السوري، ولصوصه الصغار، في وضح النهار، وممن يكسبون يوميا مئات الآلاف، بل الملايين من الليرات السورية، على حساب الناس الفقراء، سيندفع وبقوة ويبدأ بتدبيج الرد تحت أي مسمّى، ومنهم كثير لتبرير ما يمكن تبريره.
الرد، أي رد ولمجرد الرد دفاعاً عن مكتسباته وعن زمرة مجرمة خائنة لم يعرف المواطن السوري في ظلها إلّا الفقر والإهانة والذل، وفي هذه الصورة هناك الكثير ماثلين أمامنا اليوم. لهذا، أقول: علينا أن نكون منصفين، وصادقين مع أنفسنا أولاً، بعيداً عن الترّهات والعواطف السخيفة، والأقنعة البرّاقة التي لم تعد تنطلي على أحد. فالقتل هو معيار الحياة الذي تنشد.. وها هي المدن والبلدات، وحتى القرى السورية صارت تُدك بآلة القتل والدمار، ولم تثن أناسها على البقاء، متشبّثين بأرضهم رغم مرارة الحياة وعفونتها، ما دفع أمة بكاملها إلى النزوح والغربة مرغمةً. الإجرام الذي أماط اللثام عن أسرة حاقدة لا تعترف بالإنسان، وكل ما يهمها هو الحصاد. الفوز بأي شيء باستثناء الإبقاء على الإنسان مجرداً من إنسانيته.

العودة صارت مستحيلة إلى وطن لن يرقى إلى أدنى دولة في العالم الرابع، وسيظل هكذا، ما دمنا نعيش في دوّامة الرياء والكذب

في البلاد التي احتضنت شبابنا الفارّين من هول ما حدث، وللأسف، وما قدمته لكل الناس الذين دفعوا الغالي والرخيص لينجوا بأرواحهم مجتازين بذلك البحر بكل خسته وجبروته، واختزل الكثير من حياة أهلنا الذين كانوا ضحايا الدوّامة التي أنهكته. وأكثر ما استغربه، أنَّ الكثير من المهاجرين، وبصورةٍ خاصة، ممن لجأ إلى البلاد الأوروبية لا حديث يراود ذاكرتهم إلاّ العودة إلى الوطن، والرغبة في تجسيد ذلك، متناسياً الواقع المرير الذي يعيشه أهلنا هناك.. وحال الحرب الدائرة التي أتت على كل شيء. ما مبرر ذلك كله ما دام أنه يعرفُ حقيقة ما يحدث؟
إنها مجرد ترّهات يُشعرنا بها ذاك الذي يكثر الحديث عن الوطن، ويذرف الدموع ويتباكى عليه، ذاك الذي أرّقت الغربة مضجعه، وعلى أن الحياة لا يمكن لها أن تستمر بعيدةً عنه. هكذا يدّعون في العلن وأمام الناس، وهم في الحقيقة بعيدون كل البعد عن اللحاق بالوطن والعودة إليه، لأنهم لا يملكون مقوّمات العودة والعيش في وطن تهاوى واندثر، وفي الوقت نفسه لم يعد لدى الوطن ما يقوى أن يقدمه لأبنائه فلماذا إذن كل هذا العويل والصراخ الذي لا يغني ولا يسمن من جوع!.
هذه النداءات التي تنطق بها الألسن قبل القلوب، خاوية. إنّها مجرد أفكار ولغة ساذجة يُراد منها تظليل الآخرين واستذكار الماضي بكل آلامه ومنغصاته.
البلد دمّر، وتشرد من تشرد، وقتل من قتل، فضلاً عن الوضع المعيشي المؤسي الذي يعيشه أهله، في ظل غياب للكهرباء والخدمات، وغياب للأمن، وانتشار البطالة، والخوف من المجهول مع تفشي ظاهرة الخطف إلى السطح، وغيرها من قصص وصور مهينة. المعاناة كبيرة جداً، ولا مجال لأن نضحك على أنفسنا ونقول إنها بحاجة لوقت. الوطن غالٍ، الوطن عزيز. برأيي، الوطن يحتضر!. الوطن مات، وعلى كل من هاجر وهرب خارجه، وفرّ بجلده من الموت الزؤام، عليه أن يعيش حيث هو، في مكانه. في المكان الذي يقيم فيه ولا يفكر مجرد التفكير في العودة، والتغنّي باسم الوطن. الوطن مات. العودة صارت مستحيلة إلى وطن لن يرقى إلى أدنى دولة في العالم الرابع، وسيظل هكذا، ما دمنا نحن نعيش في دوّامة الرياء والكذب والتفكير في العودة الى حيث وطن سلب ونهب.
يقول الأديب والشاعر محمد الماغوط طيّب الله ثراه: «الانتماء كذبة اخترعها الساسة لنموت من أجلهم.. فأنا لا أؤمن بالموت من أجل الوطن.. الوطن لا يخسر أبداً، نحن الخاسرون ..وعندما يبتلى الوطن بالحرب ينادون الفقراء ليدافعوا عنه.. وعندما تنتهي الحرب ينادون الأغنياء ليتقاسموا الغنائم». الباب ما زال مفتوحاً لمن يرغب في العودة إلى سوريا ــ الوطن! فأي عودة ينشد هؤلاء المغالين في ظل واقع خدمي متردٍ هشّ ملول، تغيب فيه مقومات العيش الكريم، فضلاً عن الفقر المدقع.. وأشياء كثيرة يصعب ذكرها.. تفضلوا.. البلد ينادي أبنائه للعيش على أرضه، وبكل حرية، في بؤر من الفساد والخيانة والكذب والحاجة، وغياب أبسط مقوّمات الحياة الكريمة، ناهيك من الغلاء الفاحش، وصور مؤسية ما أنزل الله بها من سلطان. هذا هو حال البلد اليوم. هناك ممن يدافعون عن النظام المجرم، طبيعي أنه سيكون لهم رأي آخر، وهذا ليس بغريب عليهم لأنهم يظلون قريبين منه، ومستفيدين من عطاءاته، ومندسين بين صفوفه، وهم من المقيمين فيه أو الزائرين له، ومن المحال أنهم يرمون حكومتهم بحجر. وأن التفاخر والتعامي عمّا حدث، والدفاع عنها ورمينا بأخسّ العبارات هو سلاحهم وديدنهم الوحيد، وهذا ما سنقرأه في ذيل التعقيبات التي يدونها المنتفعون من النظام القاتل، النظام الفاسد والذي يصرّ على الاحتفاظ بكرسيه، فإنه إلى زوال طالت الأيام أم قصرت. ما قيمة وطن لا يقدّر أبناءه، ولا يدافع عنهم ويحميهم، ويستر عوراتهم، وينتشلهم من حالة العوز والفاقة والفقر، ويغدق عليهم ويكفيهم من خيراته؟ الوطن أكذوبة كبيرة ولدت ميتة وهي كذلك، إنّها مجرد عنوان عريض يخلو من الصدق الذي يرسمه شبيحته وما أكثرهم.
صحافي سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عربي:

    الوطن ليس فق مكان ولدنا فيه بل هو الهوية التي نحملها أينما رحلنا وحلينا الوطن هو الكرامة والشرف والتخلي عنه من اجل حفنة من( الملذات) التافهة التي يلقيها لنا الغرب من ان اجل ان تعيش الأقليات التي تحلم بعودة المستعمر الفرنسي او عودة رومية وبيزنطة يعني كمن يتخلى عن شرفه وكرامته ولهذا يحترم العالم كله الثوار الذين يدافعون عن اوطانهم وحريتهم ضد كل مستعمر خسيس ويحتقر الخونة والعملاء الحيوانات فقط تفكر في نوعية العلف الذي يقدم لها قبل الذبح ورحم الله الاعرابية التي وقفت على شرفة قصرها الذي عمره لها الخليفة بدلاً من الخيمة في الصحراء عندما غنت وبيت تخفق الأرباح فيه احب الي من قصر منيف
    نحن لن نتخلى عن سوريتنا

    1. يقول د. صلاح الدين م (برلين):

      تركنا لكم العروبة وملحقاتها ورحلنا… وصار بوسعنا أن نمارس حريّة الرأي وحرية التفكير وحريّة التعبير وحريّة الانتخاب وحريّة الانتساب إلى أي حزب أو جمعيّة نشاء. من لم يتذوق طعم الحريّة لن يفهم هذا الكلام.
      ونسيت أن أذكر حريّة السفر إلى أي مكان من أراضي الله الواسعة نشاء… وبلا تأشيرة أو بڤيزا سريعة كما في مصر، نشتريها بدقيقتين لدى الوصول، في المطار…. فتصوّروا ياأهل الوطنيّات، أبناء العروبة، أن جوازات الاتحاد الأوربي مثلاً تخوّل حاملها بالدخول إلى بلاد العرب أوطانكم كلها، بلا تأشيرة…. الدولة ( للتذكير : العربية الوحيدة التي تفرض الڤيزا على مسافر سوري يحمل جواز أجنبي هي الجمهورية العربية السورية الحبيبة. لكنها -وللأمانة- فيزا مجانيّة، تسمح للمسافر بزيارة أرض الوطن لمدة شهر، دون أن يعترض “الشباب الكويسة” سبيله هناك، حتى وإن كنّا مطلوباً للتجنيد. )
      والأهمّ من هذا وذاك أننا اكتشفنا في بلاد المهجر أننا بشر مثل سائر البشر، بعد أن كنّا في مصطلحات بعض القواميس الوطنيّة برتبة “قرد” أو برتبة “كرّ”…
      من لم يذق طعم الحرّية لن يفهم هذا الكلام.
      وعلى الوطن السلام

  2. يقول عربي:

    يتبع .. الغريب انني سمعت هذا الحديث من ٨٠٪؜ من الذين شمعوا الخيط الى اوروبا وعند تقديم طلب اللجوء قالوا ان السبب في هروبهم هو ارهاب تنظيم الدولة وليس النظام وعندما ( انتصر) الحلف الصليبي على التنظيم بدأت اوروبا في ترحيل هؤلاء صرخوا بأعلى اصواتهم بانهم ( اخطأوا) فهم ( كانوا) ضد النظام المجرم هؤلاء يذكروني بمدينة الرقة التي خرجت فيها المظاهرات بعد تحريرها على يد جبهة النصرة وقبلها لم يجرؤ احد على الخروج لان الغالبية منهم كانوا سحيجة لدى النظام الذي طور مدينة الرقة وبني بها ساحة ألعاب وحولها الى لاس فيغاس سورية لكثرة الكباريهات والمراقص
    اعتقد ان الكثير من الذين ( استقروا) في اوروبا ونسوا وطنهم بعد ان تذوقوا طعم الكابوتشينوا لم يكن الوطن يهمهم ولهذا تخلوا عن جلدتهم بسهولة انهم ملاحية التي تغير جلدها كل سنة البارحة تذكرت قول احد الصهاينة الذي سالته المحررة عن سبب السوداوية والإحساس بالهرب في تصميماته فرد عليها هذا شعور كل يهودي يعيش في ( اسرائيل) انت لا تحسين بالاستقرار ولاتعرفين متى يأتي اليوم الذي يقولون لك فيه اهرب فإذا كان حال اليهود رغم الدعم والتسليح العظيم هكذا فكيف سيكون حال الأقليات في سورية وهم يعرفون اننا لن ننسى ولن نتخلى عن وطننا

    1. يقول Dr Arabi,UK:

      سلمت يداك،لا يشعر الإنسان بالعزة والكرامه إلا في وطنه ،خذ مثالا على ذلك الفلسطيني الذي طرد من وطنه بالقوه،حتى أبناء جلدته ينفرون منه وإذا لزم الأمر فإنهم لا يتورعون عن اتهامه بأنه لاجئ باع وطنه،وهذا ما حصل معي شخصيا في إحدى البلاد العربيه ،اما في بلاد الغرب فعندما ينفعل أحدهم فإنه لا يتوانى عن وصف الأجانب بأنهم كلهم سواء غير مرحب بهم،فيا ليتني استطيع العودة والعيش في وطني.

اشترك في قائمتنا البريدية